أخر تحديث : الخميس 8 مارس 2012 - 10:06 صباحًا

السياسة والإسمنت في القصر الكبير

ذ. سعيد الحاجي | بتاريخ 8 مارس, 2012 | قراءة

 

تشهد مجموعة من المدن المغربية في الآونة الأخيرة حملات متتالية ضد البناء العشوائي، حيث عمدت السلطات المغربية إلى هدم بنايات عشوائية عديدة في مختلف المدن، ومن بينها القصر الكبير التي عرفت هذه العملية بحر هذا الأسبوع.

قد يكون من المتوقع أن تهدم هذه المنازل في أي وقت، لكن الغريب هو بعض الممارسات التي تصاحب تداعيات عمليات الهدم، ولن نناقش هنا قانونية الهدم من عدمه لان ذلك موكول للقوانين المعمول بها، لكن ما يثير الانتباه في هذا الصدد هو المحاولات المكشوفة لتسييس هذه التداعيات والركوب عليها.

إن المعاناة ومشاعر التذمر التي تسود وسط أصحاب المنازل المهدمة لا ينبغي أن تستغل للتراشق بين أطراف عديدة كل منها لديه مراميه الخاصة بغض النظر عما إذا كان الهدف إيجاد بدائل للمتضررين.

إن حيثيات ظهور المباني العشوائية معروفة لجميع الأطراف، ومحاربتها يجب أن تكون في إبانها، وليس منطقيا وقوع مصادمات وحالة سخط واحتقان من أجل ممارسة الفروسية السياسية والنضالية المزيفة، فالكل يعلم متى وكيف ظهرت هذه البنايات ومتى كان يجب التدخل للتنديد بهذا السلوك.

إن القصر الكبير مثلها مثل أي بقعة في المغرب سواء كانت عامرة أم أرضا خلاء، فهي تخضع لرقابة مجموعة من الجهات رسمية كانت أو تنتمي للمجتمع المدني، وكل هؤلاء تقع عليهم المسؤولية الكاملة في التصدي لهذه الظاهرة في حينها، قبل أن نصبح أمام مواطنين بسطاء فقدوا ما كدوا من أجله كي يضعوه في آجورات تقيهم حر القيظ وقر البرد.

إن البناء العشوائي مخالف للقانون والمرخصين به مذنبين والمتسترين عليه هم كذلك، والمقصرون في مواكبة هذه الخروقات من مجتمع مدني يتحملون المسؤولية أيضا، لتبقى أكبر ضحية في النهاية هم أولئك المواطنين البسطاء الذين هدمت منازلهم، وسيكون من الخطأ نهج أسلوب الدفاع عن هؤلاء المتضررين المقترن بشرعنة البناء العشوائي، لمجرد أن ذلك سيؤدي لتوريط جهات معينة في إطار حسابات سياسية بعيد عن المصلحة الحقيقية للبسطاء.

إذا كانت الجرافات الحديدية قد أتت على المنازل العشوائية، فيجب أن تقوم جرافات القانون بالإطاحة بالرؤوس الفاسدة التي ساهمت في هذا الوضع حتى نكون فعلا أمام معادلة منطقية ومقبولة فيها نوع من الإنصاف لأصحاب المنازل المهدمة، فوضح حجرة فوق بقعة أرضية ليس فعلا مجردا، بقدر ما له ارتباطات وتشعبات يجب أن يبحث القانون عن الخيوط الرابطة بينها ويقول كلمته فيها، حتى لا تتحول معاناة المتضررين وأنقاض البنايات المهدمة إلى قطع يتراشق بها من يتربصون ببعضهم البعض في المنعرجات.

لقد اتضح في القصر الكبير مؤخرا أن السياسة أصبحت من المكونات الأساسية التي تدخل في تركيبة مواد البناء إلى جانب الرمل والإسمنت وباقي المواد، وأصبح عامل البناء والسياسي يصطفون في نفس الجانب منذ وضع الحجر الأساس للبناية إلى أن توضع أخر لمسة عليها، وبالتالي فلا غرابة أن يلتقيان مرة أخرى بعد أن تهدم تلك المنازل، فالسياسي يظل وفيا لحضوره في هذه العملية ويعتبر نفسه طرفا أساسيا فيها، ولا يجد حرجا في تغيير أدواره حسب ما تقتضيه الظروف، فهو أولا وأخيرا صالح في جميع الحالات.


أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع