أخر تحديث : الإثنين 17 فبراير 2014 - 2:00 مساءً

محمد الجباري .. صقر من المهجر في سماء القصر

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 17 فبراير, 2014 | قراءة

عن بسماء القصر الكبير ولاح صقر، حوم حول السهول والمذائن، بحث عن حدائق هسبريس، فلم يجد إلا رمادا وأشعارا، عرج على حديقة السلام يتفقد سرب الحمام، ويستمتع بأريج الورد والأزهار، فلم ير إلا أرضا قاحلة جرداء، وآثارا للدمار، ثم حلق عاليا عله يستطلع واقع القصر وما أصابه من تحول أو تطور، فالمساجد لا زالت قائمة، وأضرحة الأولياء لا زالت تقاوم الإهمال، والجنان والحدائق ابتلعها الإسفلت والإسمنت، وشارع محمد الخامس محج سكان المدينة الجميل تحول إلى سوق بلا نظام ولا ضوابط، كاد أن يقفل راجعا إلى ما وراء البحر لولا انجذابه إلى نخل باسق، يظل ويحرس مسجد سيدي يعقوب، ويحفه بالرضا والرضوان، ورغم أن المكان يغري بطول المقام إلا أن الصقر الأصيل جذبه الحنين إلى بيت قريب، بيت العلامة سيدي أحمد الجباري، أب للفاضل والطاهر، عله يجد فيه عشه ومأمنه، وملعبه ومرتعه، وبساحة علال بن عبد الله ترصد قناص بارع من اتحاد كتاب المغرب للصقر المحبوب، واستدرجه إلى فضاء دار الثقافة، واكتشف أن الصقر ليس من الكواسر، هو صقر ودود، من أسرة كريمة عالمة، وهو بلبل صداح، حلق عاليا في سماء الأدب والفكر والإبداع، إنه القاص المتميز الأستاذ محمد الجباري، موعدنا معه في رحاب الأدب يوم السبت 15 فبراير 2014، في بستان فرع اتحاد كتاب المغرب بالقصر الكبير، الذي يحمل مفاتيحه السحرية الأديب والفنان الدكتور عبد الإله المويسي، فلنكن جميعا في الموعد.

و قد استجاب للدعوة جمهور غفير من أبناء القصر الكبير، عشاق الأدب والإبداع الرفيع، كما صاحب الأستاذ محمد الجباري في عودته من أوروبا إلى القصر سرب من الطيور المهاجرة، وفاء لميثاق الصداقة، وافتنانا وإعجابا بالمنتوج الإبداعي الجميل، وشوقا إلى مهد الطفولة، وأرض الوطن، كان لقاءا فكريا وأدبيا رفيع المستوى، ومنتدى للمبدعين من أبناء مدينة القمر الأحمر، وأحفاد أبطال معركة وادي المخازن، استمتعوا كثيرا بجمالية السرد والإلقاء للقاص الكبير، وبعد أن اختلس منهم الزمان برنامج الاحتفال وعدهم بحفظ صور هذا اللقاء البديع في ألبوم التاريخ الفكري والأدبي للمدينة، وفي سجل اتحاد كتاب المغرب، وأن يردد صداه على امتداد جغرافية الوطن، ويجعل من طيفه الجميل منافسا لقوس قزح، ولكل إبداع راق.

الأستاذ محمد الجباري له عدة اهتمامات فنية، وأنشطة اجتماعية، فمنذ فترة التلمذة كان يهوى المسرح، ويمارسه تأليفا وتمثيلا، كما كان عاشقا للسينما، وقد شارك في عديد من الأنشطة الثقافية، حيث كان من المساهمين في تأسيس جمعية الامتداد الأدبية التي كانت تحتضن أنشط شباب مدينة القصر الكبير في المجال الفكري والثقافي، كل تلك المكونات أهلته إلى أن يصبح أديبا متمرسا، وقاصا يمتلك ناصية الحكي والسرد الفني الرفيع.

وقد أدرج الدكتور عبد الإله المويسي المجموعة القصصية “أشواق في المهجر” ضمن سياق الكتابة المهاجرة، فمفهوم الهجرة في هذه المجموعة القصصية يتضمن مفهوما عاطفيا، وأخر أدبيا، يبتعد عن تقنيات الكتابة التقليدية، ولا يسقط في قوالب القصة القصيرة التجريبية، فهذه المجموعة القصصية تشعرك منذ اللحظة الأولى أنك قد انخرطت معها، وانصهرت مع شخوصها وأحداثها، وتدعوك إلى المشاركة الوجدانية والحميمية، فعندما تقرأ للقاص محمد الجباري فكأنما تقرأ لعبد الكريم غلاب وغيره من رواد القصة الكلاسيكية، يقول د عبد الإله المويسي في مداخلته القيمة.

وتحيلك “أشواق مهاجرة” على خصوصية المكان، فمحمد الجباري اهتم بالأمكنة، وجعلها فضاء متميزا في قصصه، سواء كانت الأمكنة بأرض الوطن، أو بديار المهجر، فالمكان يحظى بحضور متميز في مشهده السردي، وكأنه شخص من شخوص قصصه الناطقة، وهناك عنصر آخر، ثابت في جل أعمال، وهو منظومة القيم، فقصص محمد الجباري تدعوك لإقامة التوازن بين القيم الإنسانية والاجتماعية، وتزرع فيك قيم الفضيلة عبر مواقف، ومشاركة وجدانية وانطباعات، وعلى المستوى اللغوي، فاللغة العربية التي يكتب بها الجباري لغة سلسة، وسهلة، تكتسي خمارا شاعريا، مع الإشارة أنها قد تأثرت في أسلوبها وتراكيبها باللغات الأجنبية وخاصة في الانزياح التركيبي اللفظي.

وفي مداخلة الأستاذة الشاعرة سعاد الطود تطرقت تاريخيا لظهور القصة بمفهومها المتداول بروما، عاصمة الغرب الكاتوليكي، كما اعتبرت نصوص ألف ليلة وليلة، والبخلاء للجاحظ، وكليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع وغيرهم إرهاصات للقصة العربية القصيرة، ثم افتتحت الحديث عن المجموعة القصصية “أشواق مهاجرة” انطلاقا من عنوانها الإيحائي، فالعنوان تقول الأستاذة سعاد يبوح بمكونات النصوص، فأشواق تستدعي القارئ بشحنات وجدانية للانخراط في النص، كما تحيلنا إلى استحضار شعراء النسيب، كجميل بتينة، وكثير عزة، وإلى أدب المهجر، كما استقرأت الأستاذة سعاد الطود نصوص هذه المجموعة فاستنتجت حضور طيف وروح الوالدة والأب والإخوة في النصوص القصصية بعد أن ارتسمت بوضوح في وجدان القاص محمد الجباري.

اعتمد القاص في كثير من الأحيان على الرؤية الخارجية لبعض الشخوص، ولم يتجاوزها للغور في أعماقهم، وتحليل دوافعهم النفسية، واعتمد على عنصر المفاجأة وتوليد الدهشة لدى القارئ، بحيث استعمل تقنية تقديم أحداث على أخرى، مكسرا قاعدة تراتبية الزمان، بل أكثر من ذلك يغير مسار تطور الأحداث، فيفاجئك بنقيض النهاية التي تفترضها وتتوقعها
.
وفي تعقيب الأستاذ محمد الجباري أثار انتباه القارئ إلى أن المجمعة القصصية “أشواق مهاجرة” لا علاقة لها بالسيرة الذاتية، وهي متخيل في قالب سردي ليس إلا، وكتبت عبر طريقة المشاهد، وهي شبيهة بالسيناريو السينمائي، كونها تعتمد على تصوير المشاهد بتعابير مقتضبة.

مرة أخرى يلتقي المثقفون والأدباء، وفئة كثيرة من الطلبة في هذا الفضاء الجميل المعرفي، ليتقاسموا نشوة الإبداع، ومتعة التلقي، وليصادقوا على شهادة اعتراف وتقدير لمبدع كبير اسمه محمد الجباري، ويوشحوا جميع أعضاء فرع اتحاد كتاب المغرب بالقصر الكبير بميداليات من الذهب الإبريز، على منصة التتويج والامتنان، ومرة أخرى نعيش مع فرع الاتحاد لحظات حميمية من الزمن الجميل.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع