أخر تحديث : الإثنين 22 يونيو 2015 - 8:49 مساءً

بشرائيل الشاوي: همي تصحيح النظرة السلبية عن الإسلام في الغرب وكل يوم عادي في حياتي أكتب وأبدع

عبدالرحيم نفتاح | بتاريخ 22 يونيو, 2015 | قراءة

بشرائيل الشاوي، اسم مختلف عن الأسماء، قد يذهب تخمين البعض لاعتبار صاحبته، تحمل هوية يهودية، لأن وزنه يميل للأوزان الإسمية اليهودية، لكنه تخمين دون محله، لأنها امرأة ذات جذور مغربية مسلمة، مثقفة من طراز نادر، أنجبها رجل فكر وثقافة من مستوى عال، رجل مسكون بلغة القرآن، رجل يحمل مكتبة متنقلة في دماغه، فلم يكن من الغريب عندما تعرفه، أن تستغرب اسم ابنته الذي اختاره لها هكذا مركبا، بطريقة ابداعية نادرة.

يقال بأن ابن البط عوام، هكذا سارت بشرائيل، على خطى الوالد، أخذت منه همه الثقافي الفكري، وشقت مسارها، على طريقتها، إنسانة نهلت من مختلف الثقافات، والتهمت كتبا بعدة لغات، وسافرت وجالت دولا عديدة، فوجدت نفسها سفيرة لهويتها المغربية والإسلامية، تنافح عنها، وتصحح المغلوط المأخوذ عند مثقفي الغرب، مستخدمة طريقتها الراقية في الحوار والنقاش، الشيء الذي جعلها مغربية مسلمة محبوبة ومميزة في المجتمع التشيكي الذي تعيش داخله اليوم.

في هذا الحوار الذي أجرته معها مجلة نون الإلكترونية، نتعرف معا على مثقفة ومبدعة، استطاعت أن ترسم مسارا ناجحا في الغربة، وجذبت إعجاب المثقفين في براغ بهويتها وثقافتها وفكرها وإبداعها، ما جعلها تحتل مكانة محترمة في التشيك وخارجها.

حاورها: عبدالرحيم نفتاحbouchrail

بداية قربينا من سر هذا الاسم بشرائيل، الذي قد يحيل على هوية غير عربية أو مسلمة؟

بشرائيل اسم مركب من كلمتين “بشرى” ومعناها الخبر السعيد باللغة العربية وئيل” بالسريانية ومعناه الله” أي المعنى الكامل هو بشرى من عند الله، وللعلم فإن اللغة السريانية تعتبر من اللغات السامية وقد وجدت أن قرية اسمها بشرائيل بطرطوس بسوريا عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة، اسمي ليس له سر، غير أن تمكنه أبي من اللغة العربية وحسه الشعري هما ما دفعاه ليختار لي هذا الاسم الذي أفتخر به، اما بالنسبة لهويتي فشأنها كشأن هوية كل المغاربة تستمد جذورها من امتزاج كل الحضارات والديانات التي مرت وانصهرت مع سكان المغرب الأصليون، الشيء الذي يقوي ارتباطها، تلاحمها وتواجدها الى حد الآن. وشيء عادي أن تجد مغربيا له اسم بربري، عربي، حساني صحراوي أو عبري.

ترعرعت في بيئة أسرية مثقفة، وأكيد أنك تشبعت بأفكار الوالد الشاعر محمد الصادق الشاوي، حدثينا عن طفولتك وعلاقتك بوالدك؟

في فترة السبعينات كانت الأسر مترابطة، والمدرسة تشارك الأسرة في تربية النشأ، كانت متطلباتنا قليلة كأطفال، كنت أصغر أخواتي البنات، هادئة الطباع ، خجولة جداً ، كانت أمي حريصة على تعليمنا الخصال الحميدة، الأعمال اليدوية واحترام الكبير والصغير، الفقير قبل الغني. كنت أراها تحسن معاملة الجيران، العائلة و الغرباء. فكنت أقلدها في كل شيء تفعله. كانت خياراتنا منحصرة في الدراسة، اللعب والمنزل، أما بالنسبة لأبي فقد كان رب أسرة يمتاز بخصال متنوعة، فهو قاس حين يلزم الأمر ذلك وحنون في نفس الوقت. تعلمت منه حب القراءة وعدم هدر الوقت في أشياء تافهة، كانت له مكتبة تضم كل روائع الأدب العالمي، الفرنسي، الروسي وغيرها مترجمة إلى اللغة العربية، العديد من الكتب الدينية، العلمية والمجلات باعدادها الكاملة.  كان يحتفظ بكتبه كأنها كنز لا يقدر بثمن، لم أرى في حياتي من يقدر الكتب ويبجلها مثل أبي، كان و لازال إلى الآن يقضي اليوم بأكمله إما في قراءة القران الكريم أو مطالعة الكتب، لا أدري كيف بدأ اهتمامي بالقراءة ولكن كنت أريد أن أقلده كذلك، كنت أدخل مكتبته وأتناول كتبا عديدة، فوجدتني مسحورة بقصص العظماء، سيرهم الذاتية، كتب الفلاسفة. قرأت كل ما استطعت من الكتب.  لاحظ أبي شغفي هذا وأخذ يشجعني على هذا الفعل،  فكان يكرر لنا دائماً مقولة الكتاب هو خير جليس. و اذا أخطأ أحد منا  في كلمة باللغة العربية لا يتوانى في إعطائه درسا كاملا ليوم كامل ان أسعفه الوقت.  

تكتبين الشعر بالعربية والاسبانية والزجل المغربي أيضا ، كما تمارسين الفن التشكيلي، كيف استطعت الجمع بين كل هذه الإبداعات؟

 الحقيقة هو أن الانسان تكمن فيه قدرات غير محدودة، غير أن الزمن محدود لا يسعف، خاطىء من يظن أنه إذا درس لن يقرأ أو ان اشتغل لن يكتب أو ان تزوج وأنجب أطفالا لن يبدع. كل هواية لها وقتها، ففي كل يوم عادي في حياتي بعد القيام بالواجبات التي علي القيام بها، أكتب وأرسم وأبدع. غالبا ما يكون ذلك في الصباح الباكر والناس نيام، وقد ترسخت في ذاكرتي منذ الصغر مقولة تعلمتها في المدرسة وأكررها دائماً وهي ( ليست الراحة هي الاتكاء على أريكة و لكن الراحة هي الإنتقال من عمل إلى آخر) فعملت بهذه المقولة، ولهذا أحرص على ان ابدع في وقت راحتي وكأنه عمل آخر.

 بدأت الكتابة الشعرية باللغة الإسبانية، وقد نشرت أعمالك بعدة مجلات أجنبية، لماذا لغة سيرفانتيس، هل سحر لغتها أم ثقافتها أم ماذا؟

لقد كتبت أول شعر باللغة العربية وكنت أحتفظ بالكتابات ولا أنشرها. أما الشعر باللغة الاسبانية ، كان مجرد صدفة بعد دراستي لهاته اللغة الجميلة، وأصبحت لا أقدر أن أمضي يومي دون أن اقرأ كتابا اسبانيا استعيره من مكتبة معهد السرفانتس بطنجة، كل كتاب كان عبارة عن سفر في أعماق الكاتب والترحال معه ومرافقته في حكاياته، مغامراته وأفكاره، كانت لغة السيرفانتس بوابة سحرية لمعرفة الثقافات الأخرى، شدني سحر ما قرأت من شعر للشعراء الكلاسيكيين الإسبان وللاتينيين وكذا باقي الكتب من قصص وفلسفة، أحببت قراءة كل شيء، فقد كانت الأفكار الموجودة بالكتب هي من تسحرني وليس اللغة في حد ذاتها.

تكتبين قصائد بعيدا عن الرومانسيات والبوح، وتختارين الكتابة عن الحرية والكرامة الإنسانية، وغيرها من المواضيع ذات طابع سياسي، لماذا اخترت هذا الطريق المتمرد عكس أغلب شاعرات المغرب؟

و الله لا أجد فرقا بين الرومانسية والبوح و بين الحرية والكرامة الانسانية، في كثير من الأحيان أجد نفسي أكتب شعرا عن الوطن فلا أجد طريقا شعريا غير اعتباره حبيبا أناجيه. طريقي الشعري اذا أردت ان تسميه المتمرد ما هو إلا تعبير عنيف عن مدى حبي لبلدي ولا أرى عيبا في ذلك، فأنا لا أقصد ايذاء احد ولكن محاولة مني لدق جرس الانتباه قبل الخطر، ابتغي بذلك تصحيح ما يمكن تصحيحه من مكاني، بشعري وبكتاباتي، فأـنا لست سياسية. أنا فقط مواطنة عادية أقف عند بعض المظاهر الاجتماعية السلبية التي يجب أن نصلحها ابتداء من أنفسنا، لا انتمي لأي حزب سياسي أو حركة سياسية، لست متطرفة ولا يسارية، أنا إنسانة عادية تحب الوسطية والاعتدال في كل شيء.

هل تنهجين نفس السلوك على المستوى الفن التشكيلي؟

فني التشكيلي هو تجريدي و لكل ناظر له حرية الاستمتاع به وفهمه كما يريد، وهو مايزيد اللوحة غموضا و إبداعا.

تميلين إلى الأنشطة الاجتماعية خاصة ما له علاقة بالجمعيات النسائية الحقوقية، هل هذا يعني بكونك تحملين فكرا فيمينيا؟

 لا أحبد كلمة “الفكر الفيميني” لأنها أصبحت تحمل دلالات سياسية دقيقة، وهناك من يتعرين ويقلن بأنهن يساند المرأة بهذا الفعل. أنا ضد هاته التصرفات الدخيلة على مجتمعاتنا العربية والتي يريدون إقحامها غصبا في سلوكاتنا. نحن مجتمع له خصوصياته يجب احترامها، وفي نفس السياق هناك الآلاف من المغربيات ينتمين الى جمعيات نسائية تدافع بكل ما أوتين من القوة للنهوض بالمرأة و الدفاع عنها في اطار التوافق مع النسيج الثقافي، الديني و السياسي و ليس الخروج عنه. و أنا أنتمي إلى هذه الفئة من النساء لأن الغرض من الجمعيات النسائية الحقوقية هي الدفاع عن مكتسبات المرأة المغربية وتفعيلها و كذا رفع سقفها في ظل الثقافة المغربية و ليس بعيدا عنها.

قمت بجولات عدة خارج المغرب، واليوم اخترت الاستقرار خارج المغرب وبالضبط ببراغ ، لماذا بالجمهورية التشيكية ؟

كان ذلك لأجل الدراسة في البداية.  حياتي ببراغ هي حياة عادية، بين الاهتمامات الفنية حيث أقمت معرضا لصوري الفتوغرافية ( أضواء براغ) يوم 26 شهر مارس 2014 بالمعهد الثقافي الفرنسي ببراغ ضمن فعاليات الأيام الفرانكوفونية بالجمهورية التشيكية، كما أنتمي لجمعية براغ استقبال التي تنشط في كل المجالات والتي تتوجه إلى الجالية الفرنكوفونية بالتشيك، وقد تم اختياري شهر أبريل للسنة الجارية لأمثل المرأة العربية في المهرجان الدولي للثقافة العربية ببلزن عاصمة الثقافة الأوربية لهذه السنة.

التشيك بلد جميلة هادئة، تحس فيها بالراحة والأمان فيها العديد من التظاهرات الثقافية، لكن أكيد الإحساس بالغربة ينتابني في بعض الأحيان، فمهما تفوقت تبقى أجنبيا في بلد آخر غير بلدك الأم. لذلك أنا دائمة الاتصال بالمغرب، بالعائلة والأصدقاء . الآن ومع تعدد وسائل الاتصال خاصة الإنترنيت أقوم بالاتصال بالأهل كل يوم تقريبا.

ماذا عن اندماجك في المجتمع لتشيكي؟

لكن بالنسبة للاندماج في المجتمع التشيكي، فهو في الحقيقة اذا كنت إنسانا يحترم نفسه وقوانين البلد المضيف وتمارس أنشطة جمعوية وثقافية، فالكل سوف يحترمك و تندمج بسرعة بالرغم من التخوفات الأولية للأوربيين من الأجانب من أصول عربية ومسلمة، وهذا نظرا لما تصلهم من أنباء سلبية عن العالم العربي الإسلامي، فنحن نحاول ما أمكن أن نقوم بتصحيح هاته النظرة السلبية.

أنت أيضا مثقفة تعشق البحث في الديانات السماوية، ولك تجارب عديدة في حوارات مع نشطاء من مختلف الديانات، ما سر هذا الإهتمام، وهل تمارسين الدعوة لتصحيح الصورة المغلوطة للآخر الغربي للإسلام؟

 يقيني بأن أصل الديانات هو واحد جعلني أهتم وأبحث في بعض التفاصيل التي وجدتها تتطابق في جل الديانات السماوية. جميل أن ترى أن كل الديانات لها منبع واحد، تصبوا الى نفس الأهداف، فلا افهم سر الاختلاف المفتعل الآن بينها وما هي أهدافه. كما أنني لست بداعية و لست أهلًا لها. كل ما في الأمر شاءت الصدف أن ألتقي ببعض النشطاء من ديانات أخرى، فوجدت نفسي مجبرة على الدفاع عن معتقداتي أو بالأحرى تصحيح المفهوم المغلوط عن الإسلام في الغرب. أجد تارة نفسي كمحامية تدافع وتبرهن أن الاسلام دين الوسطية والاعتدال، لأن ما يصل إلى الغرب عبر الإعلام هو نموذج المسلم المتطرف الذي يكره الديانات الأخرى ويدعو إلى الجهاد ضد الغير المسلم وحرق الكنائس وهدم الآثار . أجدني كباقي المسلمين في أوروبا حاملة مسؤولية الدفاع عن ديني عن طريق سلوكي فقط وليس بالدعوة.

تم اختيارك من ضمن سفراء النوايا الحسنة للحركة الدولية للنساء الشاعرات، ماذا أضاف لك هذا الاختيار؟

صفة سفيرة النوايا الحسنة للحركة الدولية للنساء الشاعرات بالمغرب هو تكليف أكثر منه تشريف، لأنها مسؤولية تضع أمام عيني ضرورة خلق تظاهرات ثقافية وكل ما هو كفيل بمساعدة المرأة و الأخذ بيدها.

لنختم بقصيدة شعرية من اختيارك؟

 فرحتي بالعودة إلى أرض وطني ألهمتني هاته الأبيات المتواضعة… و أضيف أخيرا أنه خاطىء من يظن أنه سوف يجد أحن من وطنه عليه، لأنك إذا كنت مغتربا ستظل غريبا مهما تفوقت.

عدت و إلتقينا

عدت و التقينا إلى درب هواك اهتدينا..

فالنفس من قبل بحلم لقائك كنت أواسيها

 حياتي لا أذكر لها حال

 بل لا حاضر لا ماضيها.

 العين من غير فراقك

 لم يك شيء يبكيها

 الزمن بدونك يتلاشى

 الروح من دونك للناس

لذاتي كنت ناعيها

والآن لطريق العشق أنت هاديها

 عدت والتقينا بالرجوع الصامت اكتفينا

 مد يدك وخذ

فالعمر لك

 النفس لك

منذ الأزل

 بالحب أنت راميها

 روحي يتيمة

 كانت عليلة

 والدنيا حالكة لياليها

 لا جاه، لا مال

 بل لا حياة تستهويها

 المجد لك

العمر لك

الحياة لك هي تفديك

 أنت تحييها

عدت والتقينا

في صدرك احتمينا

 من أجلك بعت الدنيا وما فيها

 فالروح لك أهديها

أنت سيدها و واليها.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع