أخر تحديث : الجمعة 25 ديسمبر 2015 - 5:59 مساءً

البشير اليونسي .. في انتظار لعنة داعش

عبد الرحيم العسري ـ كشك | بتاريخ 25 ديسمبر, 2015 | قراءة

bachir-600x345

منذ سنة 1987 وهو يتزعم أقدم جماعة إسلامية بالمغرب. رجل قصير القامة ذو لحية بيضاء، متعلم متفقه في الدين، فصيح الخطابة،  ومريدوه في “جماعة الدعوة والتبليغ” يتمنون مجالسته. جاب مختلف أصقاع العالم، من منبع الجماعة الأم بالهند وباكستان إلى الشرق والغرب ودول الخليج، شخص غامض يرفض الحديث إلى الصحافة أو النبش في مصادر تمويل جماعته، يفضل العمل في صمت غير بعيد عن أعين السلطات، يرفع شعار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك ما لا يعنيك”، أي ترك السياسة والخلافات جانبا، إنه  الحاج البشير اليونسي، المرشد العام لجماعة “الدعوة والتبليغ” فرع المغرب.

تنامي خطر “الفكر الداعشي” وطنياً وإقليمياً ودولياً، والتحاق بعض أتباع الجماعة المعروفين باسم (التبليغيين) بتنظيمات “جهادية”، وفق تقارير استخباراتية، أضف إلى ذلك حالة الاستنفار التي عمت المغرب بعد تفجيرات باريس وتونس، ودعوات العديد من الهيئات إلى اجتثاث فكر التطرف قبل التفكير في محاربته، هي عوامل من بين أخرى تضع مرشد الجماعة تحت المجهر، خصوصا وأن معظم أتباعه من الفقراء والأميين، وبالتالي فإنه “في أي لحظة من لحظات “الخلوة” قد يتغير الاقتناع بالخط السلمي للجماعة، ويلتحق أعضاء منهم بتنظيمات جهادية”.

رجلٌ في الظل

عكس باقي الزعامات، لم يغير مرشد الجماعة مدينة إقامته الأصل، القصر الكبير، ليظل بذلك بعيدا عن أعين الصحافة أو مراكز القرار، يدير من هناك مشاريعه الاستثمارية، ويتخذ من مسجد “الفتح” معقلاً لــ “الدعوة والتبليغ”.

حافظ اليونسي على تماسك الجماعة لسنوات طوال، بل زاد من انتشارها وتغلغلها في الأحياء الهامشية بالمدينة، إذ ساعده في ذلك طبيعة المدينة الصغيرة المحافظة، حيث نشأت الزوايا والطرق الصوفية، ورموز دينية كالفقيه أحمد الريسوني، الذي أسس فيه سلفاً الجمعية الإسلامية عام 1978.

في اتصال معه، فتح خط الهاتف.. انتظر قليلا وكأنه يريد معرفة من المتصل. أجاب بتأنّ، وبلغة عربية فصحى: “لا أتحدث يا بني إلى الصحافة”، كان هذا هو جواب الحاج البشير، وبعدها أنصت بإمعان إلى أسباب طلب المقابلة، ليوضح أن جماعته واضحة المعالم تعمل جهارا على نشر “الدعوة الإسلامية”، ولا يحتاج مرشدها إلى إعطاء توضيحات، ليختم بالقول: “أرتب بعض الأمور للسفر إلى الخارج”.

كانت بدايات الحاج البشير المهنية في قطاع التعليم، إذ عمل أستاذا للتعليم الثانوي بمدينة القصر الكبير، وقدم بعدها استقالته ليتفرغ للعمل الدعوي، الرجل الذي فضل “الجماعة” على حجرات الدرس، يقف على منبر مسجد الفتح منذ ما يفوق 35 عاما، مقربون منه يقولون إنه استطاع الحفاظ على علاقة الجماعة بالسلطة، بسبب المسافة التي ترسمها الجماعة من السياسة، مكتفيا بالوعظ والإرشاد تحت عنوان “الدعوة الإسلامية فقط”.

إلا أن سعيد الكحل، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية، له رأي مغاير، حيث أوضح أن جماعة “الدعوة والتبليغ” بالمغرب، ككل الجماعات سواء السلفية أو الجهادية أو الاسلام السياسي، تتبنى ذات المنطق، إذ يقول: “هؤلاء يعتقدون أن هناك مجتمع سواء منحرف و مرتد في حاجة إلى من يصحح دينه، وغايتهم إقامة الدولة الاسلامية وتحكيم الشرع، يختلفون فقط عن غيرهم في التكتيكات والوسائل”.

التهيئة النفسية والفكرية للجهاد

على الرغم من خطها الدعوي الواضح والمبتعد عن كل ما هو سياسي، إلا أن علاقة الجماعة بالسلطة عرفت بعض التوتر، خصوصا بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003. في هذا الصدد، تعرضت الجماعة بمدينة القصر الكبير والدار البيضاء (أكبر معاقل الجماعة) لمضايقات أمنية، منع على إثرها الاعتكاف بالمساجد التابعة لها، وعطلت السلطات “الخروج في سبيل الله” الذي دأبت الجماعة على ممارسته بكل أريحية، لكن سرعان ما عادت العلاقة إلى طبيعتها بعدما تأكدت السلطات من خطها الدعوي، ومن سيطرتها على رموز الجماعة.

يقول محمد ضريف، الخبير المغربي في الجماعات الإسلامية، إن الفرع المحلي “لجماعة الدعوة والتبليغ” بالمغرب، يرفع شعار الابتعاد عن “الخلافات والسياسة”، ولكنه أصبح من الصعب في ظل التقلبات الإقليمية التحكم في بغض اعضائها”.

وحسب ظريف دائماً، هناك “تبليغيون” غادروا الجماعة والتحقوا بتنظيمات جهادية، نافيا في الوقت ذاته أن تكون الجماعة هي المسؤولة عن تطرف أعضائها، “الأمر مرتبط بالتحولات الإقليمية التي تحدث، حيث إنه في لحظة من لحظات “الخلوة”، يتغير الاقتناع بالخط السلمي للجماعة، ليتجه أعضاء منها إلى تنظيمات جهادية، وهو ما سجلته تقارير استخباراتية مغربية”.

“جماعة البشير”، رغم أنها ترفع شعار “السلم”، إلا أنها “تهيئ الأتباع وتحشوهم بأفكار تنعتُ المجتمع بالفاسد وأنه بحاجة إلى إصلاح”، أي أنها “تعدّهم نفسيا وفكريا لرفض القانون الوضعي والأنظمة الديمقراطية، و مُحاولة التطلع إلى الأنظمة الدينية”، يوضح الكحل.

الجماعة والسلطة

استفاد “زعيم الجماعة” من العلاقة المهادنة التي تجمعه مع السلطة، حيث غضت هذه الأخيرة الطرف عن مصادر تمويلات الجماعة الخارجية، إلا أن سعيد الكحل يرى أن ” البشير كشخص، سيظل منضبطاً ومُسالماً،  ولكن يستحيل التحكم في باقي الأعضاء”، ويستطرد: “يعيشون في دولة وهم غرباء عنها، وسيسعون إلى تدمير الدولة – دون شك – في حال تغيرت موازين القوى، وسينصرون الجماعات الإرهابية، انطلاقا من مقولة أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”.

العديد من المتتبعين للشأن الديني بالمغرب، يرون أن “الجماعة” بمثابة “الخزان” الديني الذي تحارب من خلاله السلطات الغلو والتطرف، إلا أن الكحل يعتقد أن هذه المقاربة أصبحت خاطئة، موضحا “لو كانت هذه الجماعة تحمي الدول لحمت دول المنشأ (أي منبع الجماعة الأم)”، واستطرد: “ما يجري حاليا في باكستان من إرهاب واقتتال، دليل على أن الأمر مجرد خدعة لغض الطرف، فقوات الأمن هي من يحمي المجتمعات، وليس الجماعات الدينية”، حيث خلص إلى أن بنية الجماعة تتناقض مع أسس الدولة وثوابت المجتمع المغربي، “لذلك لا يمكن لهذه الجماعة أن تحمي المجتمع من التطرف”.

“زعيم التبليغيين”، يُحاول من خلال تواجده على رأس الجماعة لأزيد من 28 سنة، أن يحمي منصبه وجماعته من التطرف، خصوصا إذا علمنا أن خروج أتباعه داخل المغرب وخارجه، أو ما “يسمى بالخروج في سبيل الله”، يتم بترخيص من السلطات، إلا أن الباحثين، أكدا على أن أعدادا مهمة ممن انتموا إلى الجماعة تشبعوا بأفكار “الدعوة” ولم يعودوا مقتنعين بالحياد السياسي الذي تتبناه، هنا يطرح السؤال: هل يستطيع “الحاج البشير” تحصين جماعته من “الفكر الداعشي”، خصوصا في ظل التحاق المئات من المغاربة بتنظيم داعش الإرهابي؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع