أخر تحديث : الأحد 12 يونيو 2016 - 9:46 مساءً

جوانب مهمة من حياة الريف الأدبية والنضالية في حوار مع نجلة شاعر الريف الأستاذة سعاد بولحية

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 12 يونيو, 2016 | قراءة

souad

حاورها : محمد كماشين
1- نعلم أن الأستاذة سعاد بولحية أستاذة فاضلة ، سليلة بيت علم و نضال من خلال المكانة العلمية والوظيفية للوالد رحمه الله ، أو عبر الدور الجهادي للجد بمنطقة الريف.

هل يمكن أن تقربي القراء أكثر من شخصيتك ؟

الأستاذة سعاد بولحية من مواليد مدينة الحسيمة الزاهرة ، و بها تلقيت تعليمي الإبتدائي و الإعدادي والثانوي ، و بعدها انتقلت إلى مدينة فاس لمتابعة الدراسة الجامعية ، حصلت على الإجازة في التاريخ و الجغرافية ( تخصص تاريخ ) و الآن أعمل أستاذة بمدينة القصر الكبير،، فعلا تربيت و ترعرت في كنف أسرة محافظة ،جمعت بين الثقافة و السياسة و الدين و النضال فالوالد رحمة الله عليه وطني لقب (بشاعر الريف ) إسوة ببعض الشعراء الذين اشتهروا بالانتساب لمواطنهم وجهاتهم تمييزا وتميزا لهم كشاعر الحمراء مثلا، فالوالد تقلد سلك القضاء وظيفيا ، و له عدة أشعار وقصائد جمعت في عدة بحوث و مجلات و جرائد وطنية .

2- الوالد رحمه الله اشتهر بشعره ، حتى لقب بشاعر الريف ، و باعتبارك نجلته هل يمكن تقديم إضاءات حول الجانب الثقافي من شخصيته ؟

13434297_1231310560235824_583719986_n

شاعر الريف محمد بن علي الوكيلي بولحية

الوالد من مواليد قرية غلبون سنة 1918 م ، و هي إحدى قرى بني توزين الواقعة على الضفة الشرقية لوادي النكور ، كان والده مشهورا بالعلم و الصلاح والزهد و الورع و الجهاد في سبيل الله، تلقى تعليمه في البداية بمدينة آسفي حين كان منفيا مع أبيه محمد علي الوكيلي المعروف بالفقيه بولحية ، و الذي كان من أكبر الشخصيات الفذة في الثورة الريفية ضد الإستعمار الإسباني و الفرنسي ، ولما كبر والدي بدأ يتلقى علوم العربية و الدين على يد والده الذي كان يمارس مهنة التدريس بالزاوية الناصرية بآسفي ، و يقوم بتعليم الطلاب و تلقين الشباب أفكارا جديدة في الوطنية و الدين و السلفية وعلوم القرآن .

و في هذا الوقت بدأت تظهر على الشاعر ميوله إلى علوم اللغة العربية و حبه لحفظ المعلقات ، و الشعر الجاهلي ، و علم العروض ، و قراءة الدواوين و القصص والسير و أمثال العرب و التاريخ …

كان يقصد مجالس العلماء مثل الأستاذ الكانوني ، و القاضي العبادي ، و الحاج عبد السلام الوزاني … حين ذاك لمس فيه والده النبوغ و الذكاء لكونه بدأ ينظم القصائد الشعرية في شتى مناحي الحياة ، فأرسله إلى جامعة القرويين ، فتلقى العلوم من كبار علمائها مثل :العلامة سيدي محمد بن عبد الرحمان العراقي ، و العلامة سيدي العباس البناني ، و العلامة مولاي عبد الله الفضيلي ، و العلامة سيدي الحسن الزرهوني ، و العلامة الأديب السيد محمد بلحاج والفقيه سيدي بوشتى الصنهاجي ، كما أنه درس على يد نخبة من العلماء الشباب : مثل الأستاذ عبد الرحمان الغريسي ، و الأستاذ اللغوي الشاعر محمد القري ، و العلامة الشاعر الاستاذ علال الفاسي وغيرهم من علماء النهضة و التجديد .

وفي هاته الأثناء بدأت تظهر بعض قصائده الطوال في الصحف الوطنية و في الحفلات و الأندية الأدبية ،ولقد أراد المرحوم علال الفاسي في هذه الفترة أن يلقبه بشاعر فاس نظرا لوزنه الأدبي المرموق ، فكان ينظم قصائد ذات مستوى وجودة عالية ، إلا أن الوالد فضل أن يلقب بشاعر الريف نظرا لإرتباطه بالأرض والجهاد و النضال
ومما يعبر عن تمكنه من قرض الشعر بقواعده قوله في شروط الشاعر و نظمه للقصيدة :

والشــــــعر حــــرفة نحــــــــــس —— إن أنشـــــــــأته القـــــــــرود
وإذا لم تضع شعرا تهز به الورى —— فصمتك اولى من كلام مرقع

3- هل هناك جوانب أخرى من حياته يمكن الحديث عنها ؟

أب حنون و عطوف و سريع البديهة ، عفيف و قنوع و متفتح لتشبعه بعدد من الثقافات الأخرى ، أنيق المظهر و وسيم الطلعة لا يخاف في الحق لومة لائم ، وطني حتى النخاع ، قيل عنه أنه سبق أوانه .
كان من أول المستقبلين للمغفور له محمد الخامس بمدينة الحسيمة أثناء زيارته لها سنة 1959م بصفته من علماء الإقليم ، فألقى قصيدته المشهورة (أب المغرب المقدام و ابن ملوكه ) و التي مطلعها:

أتت كالحيا الوسمي في ذابل الزهر—– زيارتكم بعد الحوادث في القطر

13434108_1231310583569155_736690272_n

زيارة الملك محمد الخامس للحسيمة وسلام شاعر الريف محمد بن علي الوكيلي بولحية عليه

قصيدة رائعة ألقاها أمام صاحب الجلالة الراحل محمد الخامس في حفل بهيج كانت منطقة الريف قد خصصته لإستقبال جلالته،وحينها التقى بعديد من الشخصيات المرافقة للوفد الملكي و الذين كانت لهم علاقة وطيدة مع الوالد لكونهم درسوا معه بالقرويين ، كوزير العدل عبد الهادي بوطالب …فتعرف عليه الملك من خلال العلاقة التي تربطه بالشخصيات المرافقة للوفد ، و بعد انتهائه من إلقاء القصيدة السالفة الذكر ، طلب منه جلالة الملك بقوله :
ماذا تلتمس من الدولة ؟
فأجابه الشاعر :
عفو مولانا على المعتقلين .
فقال الملك :
و ماذا لنفسك ؟
أجاب الشاعر :
العفو عني ، فأنا ممثلهم و شاعرهم .
فقال الملك :
عفى الله عما سلف ، فودعه جلالة الملك . فعفا عنهم و اخرجوا من السجن عام “أفضيس ”
عرفه المثقفون و السياسيون ، و قدروه و قدموه في فاس و آسفي و الحسيمة وتطوان و طنجة والقاهرة…ونظرا لثقافته الواسعة فقد كانت له علاقة و صداقة كبيرة مع المؤرخ الكبير دايفيد هارت الأمريكي صاحب كتاب ” آيت ورياغل ” حيث كان يلتقي به رفقة زوجته أورسولا كينغسميل هارت صاحبة كتاب ” وراء باب الفناء ، الحياة اليومية للنساء الريفيات ” ، كان يلتقي بهم باستمرار في النادي الإسباني ، كما كانت له علاقات صداقة ومودة مع عدة شخصيات و طنية و أجنبية.

13435934_1231310563569157_950885085_n

إحدى مشاركات شاعر الريف السياسية لحزب الشورى في فجر الإستقلال بسينما الكبير بالحسيمة .

من ضمن أصدقائه : الأستاذ عبد الهادي بوطالب و الأستاذ احمد بن سودة و محمد بن لحسن الوزاني، وكان هؤلاء رحمهم الله من أهم من اهتم بإنتاجه و مواقفه.
الوالد رحمه الله تقلب في مناصب مختلفة :
* اشتغل أستاذاللغة العربية بالمعهد الديني بالحسيمة الموازي للقرويين .
* كتابة قاضي ناحية الريف بالحسيمة .
* كتابة باشوية الحسيمة قسم الشؤون الأهلية .
* نائب سدد الحسيمة
* تنقل في منصب القضاء بين الحسيمة و بودينار و دريوش و ترجيست التي كان بها وكيلا للملك ، لكنه آثر الاستقالة من سلك القضاء بعد رسالة وجهها إلى وزير العدل آنذاك المرحوم عبد الله كنون والذي رفض الاستقالة لما عرف عن الوالد من نزاهة واستقامة ، ومما جاء فيها : هذه الإدارة أورثتني شيئا من الملل ، ومن الامتعاض من التحدث عن المحاكم الشرعية بهذه المنطقة……

و مما يدل على صدق وطنيته أنه في سنة 1937م نشر قصيدة طويلة بعنوان : ذكرى 16 ماي أو يوم الظهير البربري المشؤوم في مجلة الرابطة العربية ، ومما جاء فيها :

أي ذكرى للفكر في جـــــــــــــولانه ***** يجتليها الفؤاد في خفقـــــانه
أي ذكرى للمرء يسكبها الشعــــــــــ*****ـــرعلى مسمــعيه في أوزانه

فلم يرق ذلك الإستعمار ، فأصبح مهددا و مراقبا إلى أن ألقي عليه القبض مع ثلة من الوطنيين الذين زج بهم في السجون و المعتقلات ، و كان من الذين عذبوا في كلميمة ، و نقلوا إلى سجن أغبيلة بالدار البيضاء … و بعد خروجه من السجن بقي في المنفى مع والده بآسفي ، منكبا على المطالعة والكتابة ، و له عدة مقالات و قصائدة بأسماء مستعارة ضد المحتل الغاشم .

حاول أن يسافر مع بعثة مغربية إلى القاهرة فلم تسعفه الظروف بسبب وفاة والده .وقد نظم عن هذه الوفاة:

وداعا أبي فالله جل جــــــــــلاله ***** قضى بالنوى قصدا فكيف التلاقيا
وداعا وتبقى لي مـــــعزتك التي***** ترعرعت فيها يا أبي متــــــــهاديا

توفي الشاعر والدي رحمة الله عليه في 23 شهر دجنبر سنة 1973 و دفن في مدشر لبعول ناحية الحسيمة.

13459701_1231310553569158_1672579563_n

الفقيه محمد علي الوكيلي الملقب بالفقيه بولحية

4- هل بإمكان الأستاذة الحديث عن الجانب النضالي لأسرتكم الكريمة وكيف تسلل ذلك إليها ؟

جدي الفقيه محمد علي الوكيلي الملقب بالفقيه بولحية رحمة الله عليه من أحد رجالات هذا الوطن الأفذاذ الذين دافعوا عن وطنهم و دينهم ، كان همهم الوحيد هو تطهير الأرض من الإستعمار الغاشم ، وكان مشهورا بالعلم و الآداب و الشعر والصلاح و الزهد و الورع و الجهاد في سبيل الله ، و كان من أكبر الشخصيات المهمة في الثورة الريفية ضد الإستعمار الإسباني و الفرنسي فكانت له مكانة علمية و روحية بين رجال القبائل و رؤساء العشائر ، فهو ينتسب إلى جده الولي الصالح سيدي الحاج علي بن وكيل المدفون بجبل”تسفت” بقبيلة بني توزين .

وكان لجدي رحمة الله عليه الدور الكبير في قيام الثورة الريفية إلى جانب الرئيس محمد بن عبد الكريم الخطابي ، حيث كان ناظرا للعدلية ، و كان الرئيس دائما يقدمه كإمام للصلاة لمكانته و استقامته المنقطعة النظير ، فكان لا يخاف في الله لومة لائم ، و من ضمن اعترافه بالخطإ ما جاء في الحادث المشهور حين وصف بعض المجاهدين بالجهل و التعالي الفارغ و الإساءة في تدبير شؤون الجهاد ، و كان اندفاعه هذا غيرة على الجمع . ولما غضبوا عليه اعترف بأخطائه و حكم على نفسه بالسجن رغم اعتراض الرئيس محمد بن عبد الكريم الخطابي و فعلا دخله لهدفين :
*اﻷول هو أن يشفي غليل الغاضبين عليه و أن يكفر عما صدر منه .
*و الثاني هو معرفة وضع السجناء و عيشهم داخل السجن ، و بعد أسبوع أفرج على نفسه ليخرج للإصلاح ، كتحسين أوضاع السجناء و القائمين على شؤونهم ، بإرساء قواعد حقوق اﻹنسان لديهم .

و بعد انتهاء الحرب الريفية باحتلال إسبانيا من جهة ،و فرنسا من جهة أخرى للبلاد و استسلام الرئيس محمد بن عبد الكريم الخطابي مضطرا سنة 1926، كان الفقيه بولحية من جملة رفاقه الذين و قعوا في قبضة فرنسا بترجيست ، و أجبروه على مغادرة الريف ، و أجبر على اﻹستقرار بمدينة آسفي ، فتفرغ إلى التدريس و تعليم الطلاب و تلقين الشباب أفكارا جديدة في الوطنية و الدين و علوم القرآن ، و رغم النفي و البعد عن رجال المقاومة و قساوة الغربة بقي متشبثا بمبادئه التحررية .
وبقي هناك إلى أن وافه اﻷجل المحتوم سنة 1941 ، و دفن بمقر الزاوية الناصرية بمدينة آسفي .

كلمة أخيرة:
إن أغلى ما في الوجود هو الوطن الذي يضحى الإنسان من أجله بحياته دفاعا عن ترابه المقدس لأنه يستمد منه انتماءه و كيانه الإنساني ، و ما أدراك إذا كان مسقط الرأس الذي ترعرع فيه و تربى فوق ترابه و ارتوى و تنفس من هوائه و تدثر بسمائه ، فهو أقرب الأماكن إلى القلب ، ففيه الأهل والأصدقاء، أنشد الوالد رحمه الله متغنيا بموطنه :

قف قليلا على ضفاف النكور***** وتذكر عهد الشباب النضير
وتأمل معـــاهد الأنس أمست***** أثرا كالطلول بـــعد الدثور
مستمدا من رسمها لك وحـيا ***** للقوافي وبــــاعثا للشعور

لذا وجب علينا أن نكون على أتم الإستعداد للتضحية من أجله ،و أن نفديه بأرواحنا و أن نعلم أطفالنا حب الوطن منذ الصغر ، لأنه أكبر كنز منحه الله لنا نمشى على أرضه و نستمتع بخيراته .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع