أخر تحديث : السبت 20 أكتوبر 2018 - 10:38 مساءً

هكذا عاش اليهود في اندماج وتساكن مع المسلمين بالقصر الكبير

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 20 أكتوبر, 2018 | قراءة

 

في العقد الخمسيني من القرن الماضي كان عدد اليهود المغاربة المقيمين بمدينة القصر الكبير يقدر بـ1700 يهودي، وكان عدد سكان مدينة القصر الكبير حينها حوالي 30.000 نسمة. أما اليوم، فلمْ يتبقَّ في مدينة القصر الكبير أي يهودي، بينما يُقدّر عدد اليهود في المغرب ككل بنحو 4000 يهودي.

بهذا التقديم المقتبس من كتاب “القصر الكبير نموذج للتعدد الثقافي”، للكاتب الإسباني Antonio Gea Barbera، افتتح المؤرخ المغربي كتابه “يهود القصر الكبير، صفحات من تاريخ منسي، مقاربات متقاطعة”، الصادر هذه السنة عن جمعية “البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير”.

اندماج مع المسلمين

في تصدير الكتاب يقف القارئ على المكانة التي كانت لليهود في مدينة القصر الكبير، إذ جاء في تصدير الكتاب أن الطائفة اليهودية شكّلت على الدوام، ومنذ القدم، مكوِّنا ثابتا في النسيج المجتمعي لهذه المدينة لا يمكن تجاهله أو التنكّر له، بالرغم من بعض فترات التصادم التي كانت تقع بين الحين والآخر، ولكنها فترات قليلة واستثنائية. وهذا أمر طبيعي حتى مع أبناء الطائفة الواحدة.

ويرصد محمد أخريف في المحور الثاني من كتابه جوانبَ من الحياة الاجتماعية عند يهود القصر الكبير، انطلاقا من المعطيات التي سجّلها المستشرق الفرنسي ميشو بلير، الذي أقام في القصر الكبير ما بين سنتي 9381 و1903، إذ سجّل أنّ اليهود كانوا مندمجين مع المسلمين، وكان عدد من الدور التي كانوا يقطنونها في ملكية الأحباس الإسلامية.

وبالرغم من أنّ يهود مدينة القصر الكبير كانوا يقطنون بـ”الملاح”، فإنّ هذا لا يعني، حسب الكاتب، أنهم أرغموا على العيش في حارة خاصة بهم بمعزل عن بقية ساكنة المدينة، بل إن “الملاح” كان يقع في أهم شريان تجاري بالمدينة العتيقة، ويعج بالحركة وفيه يتساكن التجار والحرفيون، والقاطنون من اليهود والمسلمين يعيشون جنبا إلى جنب.

ويضيف المؤلّف في كتابه أنّ يهود القصر الكبير مارسوا حياتهم اليومية، سواء في حي “الملاح” أو باقي الأحياء الأخرى، التي ضمّت عائلات يهودية كثيرة، “لا يعكّر صفوهم معكّر، وهو لا يدخرون وُسعا في التمسك بتقاليدهم وبخاصة منها ما كان قائما على تعاليم دينية، وفي الوقت ذاته يُحسنون التعايش مع باقي مكوّنات المجتمع المغربي”.

ويضرب أخريف مثلا للتساكن والتعايش بين اليهود والمسلمين في تلك الحقبة الزمنية، كما سجّل ذلك المستشرق الفرنسي ميشو بلير، بالسماح لليهود بتعاطي مهنة “الدلالة”، التي كانت تحتاج إلى الضمانة والثقة، وكذا جمع التبرعات والصدقات من طرف مريدي زاوية عيساوة بالقصر الكبير، قبل إقامة موسمهم بمناسبة عيد المولد النبوي، من اليهود والمسيحيين.

علاقات إنسانية رغم اختلاف الديانة

وتُعد طقوس الاحتفال بيوم السبت مثالا آخر للتساكن والتعايش بين اليهود والمسلمين بمدينة القصر الكبير، ذلك أنّ اليهود كانوا يصحبون زوجاتهم وأولادهم، ويقومون بجولة طويلة في مختلف أرجاء المدينة، قبل أن يعودوا إلى منازلهم للاستمتاع بأكلة “اضافينا”، أو “السخينة”، وهي طعام يتم تناوُله يوم السبت، باعتباره طقسا دينيا لا بد من ممارسته.

ولأن اليهود يَحرُم عليهم أن يُوقدوا النار يوم السبت، كما تنص على ذلك تعاليمهم الدينية، فقد كان مألوفا في مدينة القصر الكبير، حسب المعطيات التي استقاها مؤلف الكتاب من رجل اشتغل مساعدا في فران بحي الديوان خلال تلك الحقبة الزمنية، رؤية اليهوديات المسنّات أو الخادمات صباح أيام السبت، يحملْن وعاء قاصدات إحدى المقاهي الشعبية المملوكة للمسلمين في حي الديوان، من أجل ملئه بالماء الساخن لإعداد الشاي، الذي كان شرابا مفضلا عند يهود القصر الكبير كمادة أساسية في الفطور.

ويُورد المؤلف، استنادا إلى ما سجّله إيلي مالكا، في كتابه “العوائد العتيقة اليهودية بالمغرب من المهد إلى اللحد”، أن يهود القصر الكبير كانوا يتقاسمون مع جيرانهم المسلمين ممارسات وعادات تعود إلى معتقدات قديمة ورثوها من ديانات سكان شواطئ البحر المتوسط، وكان الكثير من المغاربة مُداومين على شرب شراب “الماحيا”، الذي كان اليهود مختصين في صناعته.

صور من التسامح بين اليهود والمسلمين

وإذا كان يهود القصر الكبير منفتحين على المسلمين، فإنّ المسلمين أيضا كانت علاقتهم طيبة مع اليهود. ويروي محمد أخريف، نقلا عن محمد الجباري في كتابه “رحيل الظل”، أنّ المسلمين كانوا يُحسنون إلى اليهود، حيث إنّ الفقيه المسلم والد الجباري، الذي كان بيته يجاور بيت أسرة يهودية، كان يوصي زوجته وأولاده بضرورة الإحسان إلى الجيران ولو كانوا من غير المسلمين.

ويضيف أنّ “عائلة اليهودي كانت لها علاقة وطيدة ببيت الفقيه، إذ كانت زوجة الفقيه قد تشرّبت روح سماحة زوجها، وتشرح ذلك فتقول: لقد تعلمنا منذ الصغر أن نحسن إلى جيراننا ولو كانوا من غير المسلمين. إن اليهود أوْلى بحُسن العشرة وبحث الجيرة ليعرفوا سماحة الإسلام. لذلك فهي لا تتوانى في حسن معاملتهم والإغداق عليهم بما هو متوفر في بيتها”.

مثال آخر للتساكن والتعايش بين الطائفتين اليهودية والمسلمة في مدينة القصر الكبير، أورده أخريف في كتابه، ويتعلق بحق اليهود في تمليك الأراضي الفلاحية، حيث ضمّ كتابه وثيقة عدلية مؤرّخة بتاريخ 1923، تخص ثلاثة شركاء من القصر الكبير يملكون عرصة بالمدينة نفسها، بعض حدودها يجاور مزرعة في ملْك يهودييْن، ليخْلُص إلى أن هذا يعني أن اليهود من أهالي القصر الكبير كان لهم الحق في تملك الأراضي والعقار وما شابه ذلك.

ويضيف أنه فضلا عما كان يتمتع به يهود القصر الكبير من حق في شراء أو كراء الأراضي الفلاحية، فقد كانوا يتمتعون بكراء أملاك الأحباس من دُور ودكاكين، شأنهم في ذلك شأن الساكنة القصرية، مستدلا بمجموعة من الوثائق الحبسية والرسوم العدلية، التي تثبت جوَّ التعايش والتساكن، الذي كان سائدا بين اليهود والمسلمين في القصر الكبير.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع