أخر تحديث : الأربعاء 20 يونيو 2012 - 11:42 مساءً

«المساء» تكشف حقيقة «انتفاضة الناموس» بالعرائش

سليمان الريسوني | بتاريخ 20 يونيو, 2012 | قراءة

تفاصيل معركة بدأت مع «الناموس» وتحولت إلى مواجهة عرفت استعمال القنابل المسيلة للدموع واقتحام المنازل

خلال مسيرات حركة 20 فبراير الأخيرة، لم يكن فبرايريو العرائش يفهمون شعارا يحمله شباب قمحيو البشرة: «الشعب يريد إسقاط الناموس».

بعضهم كان يعتبر أن هؤلاء البدو يريدون تغيير قانون من القوانين، ولم يستوعبوا أن سكان دوار الشليحات لا علاقة لهم بالقوانين والنواميس والدساتير، وأن مشكلهم الوحيد مع البعوض، الذي يحشر نفسه بينهم وينغص عليهم حياتهم.
تحكي أسطورة هسبريس أن التنين، وهو رمز نهر لوكوس، الرابط بين مدينتي العرائش والقصر الكبير، عبر دوار الشليحات، والذي يقوم بحراسة مدينة التفاح الذهبي التي يفسرها البعض بأنه هو البرتقال، أنه بقدر ما يحمي حدائق التفاح الذهبي ويسقيها بقدر ما يحرقها عندما تشتد رغبته في نفث ألسنة النار. لذلك يتوقع مزارعو الأراضي الخصبة الممتدة على طول الشريط بين القصر الكبير والعرائش أن تداهمهم لعنة التنين في أي وقت لتحرق الأخضر واليابس. ولأن الأسطورة مفتوحة على التأويل، فإن التنين يأخذ تمظهرات عدة، لعل لسعات البعوض (الناموس) وغاز القنابل المسيلة للدموع وشواظ الرصاص المطاطي أحدها.
الخميس 14 يونيو 2012، أعلنت شركة «ريفيرا» الإسبانية بدء عملية حرث الأرز بالأراضي المجاورة لدوار الشليحات، المقابل مدخله لمقر جماعة زوادة، التي تقع في منتصف الطريق الوطنية بين العرائش والقصر الكبير. أهالي دوار الشليحات بدورهم أعلنوا، بصوت واحد، مواجهتهم لعملية الحرث التي اعتبروها تحديا لهم وتعميقا لجروحهم في «ضياع» أراض متاخمة لدوارهم، لم «يهضموا» بعد أنهم ليسوا ملاكها حتى أصبحت تجر عليهم متاعب إضافية وضيوفا مزعجين: «الناموس».
بعدما علمت سلطات عمالة العرائش بأن سكان دوار الشليحات وبعض الدواوير المجاورة له يعتزمون التصدي لعملية الحرث، قررت توفير الحماية للشركة الإسبانية، حيث تم استقدام عشرات الحافلات الممتلئة بأفراد القوات المساعدة، الذين شكلوا حزاما فاصلا بين أراضي الأرز وبين سكان الدوار الغاضبين، الشيء الذي اعتبره أهالي الشليحات انحيازا من قبل رجال «الأمن» إلى الإسبان، لتبدأ أطوار فصل دام من فصول المواجهات، التي أصيب فيها أزيد من 40 من قوات الأمن وضعفهم من ساكنة الدوار، بالإضافة إلى تسجيل خسائر في الممتلكات، التي يقول أهالي الدوار إن «العسكر» كانوا يتلفونها كنوع من الانتقام!
الإثنين 18 يناير.. وبعد انسلاخ أربعة أيام عن انطلاق الأحداث الدامية، التقت «المساء» بمسجد دوار الشليحات شيوخ الدوار، الذين كانوا على غير عادتهم معتصمين بالصمت، ولم يقدموا طيلة اللقاء، الذي استمر قرابة نصف ساعة، غير كؤوس الشاي مصحوبا ببعض كلمات الترحاب. وعندما كان مبعوث «المساء» يسألهم عن أوضاعهم بعد هدوء الوضع، كانوا يجيبون بجملة مكرورة: «ولادنا هما اللي عارفين وراهم فالغابة هاربين»، فيما كان الخوف والحذر يشعان من أعينهم الذابلة. «هم لا يفرقون بين صحافي وجدارمي» علق مرافق «المساء» الناشط الحقوقي من مدينة العرائش. وأضاف صارخا في وجوههم: «راه من مصلحتكم تعبرو عن مشاكلكم للصحافة»، ليأتيه جواب من بين الشفاه التي لم يكن يصدر عنها غير صوت ارتشاف الشاي: «راه تلقينا رئيس الدائرة وقال لينا يكون خير يلا خليتو السبليون يحرثو وإذا قدمو ولادكم راسهم». أين هم أبناء «حكماء» دوار الشليحات؟ تسأل «المساء»؟ إنهم في الغابة، يجيب أحد حكماء الصمت.
مشارف الدوار المحروسة بنبات الصبار المحترق بفعل «الكريموجين» خالية حتى من الكلاب التي اعتادت اللف والدوران حولها. تركنا المسجد بحكمائه خلفنا وولينا وجوهنا نحو الغابة، حيث آثر شباب الشليحات الإقامة و«العلاج الذي يقدمه لهم طبيب من جماعة العدل والإحسان تطوع للمهمة»، يؤكد مرافق «المساء». في الطريق توقفنا عند دكان القنبوعي، الذي يقول إنه تم اقتحام دكانه وسرقة مبالغ مالية وبطائق تعبئة الهاتف النقال. وفي لحظة أطل وجه شاب من زقاق مقابل للدكان، عندما حاول مبعوث «المساء» ومرافقه الاقتراب منه خطا خطوتين إلى الوراء وأمرنا بأن نقف حيث نحن «حدكم تم، شنو بغيتو». لم نكن نريد غير التحدث مع أحمد (هكذا قدم نفسه قبل أن يعود ليقدم نفسه باسم محمد). قال إنه لا يثق إن كنا جمعية أم «مخزن سيفيل»، لكن شيئا فشيئا طمأنه مرافق «ّالمساء»، الناشط الحقوقي، بذكر بعض أسماء شباب الدوار الذين كان قد التقاهم في زيارات سابقة.

فلاحون بدون أراض
مشاكل أهالي دوار الشليحات لا تختلف، في العمق، عن مثيلاتها بالنسبة لساكنة دواوير منطقة حوض اللكوس الممتدة بين مدينتي القصر الكبير والعرائش، وهي وجود فلاحين وسط أراض فلاحية خصبة لا يملكون أغلبيتها،
وهو ما جر على المنطقة جملة من المشاكل لازالت تنتهي في كل سنة بـ«انتفاضة» هذا الدوار أو ذاك في وجه السلطات، التي لم تقو على إيجاد حلول جذرية لفلاحين بدون أراض؛ فقد حدثت مواجهات سنة 1999 بين فلاحي دوار اولاد سعيد بعدما استولى أحد كبار الفلاحين على أراضي الدوار ومنع الساكنة من المرور حتى إلى المقبرة التي ادعى أن الطريق إليها تدخل ضمن أراضيه. وفي 2003 ثار سكان دوار بكارة في وجه مقاول أراد بناء مشروع سكني وسط مراعي الدوار فكان اعتقال 17 امرأة بتهمة رشق إقامة عامل الإقليم بالحجارة، وبعد ذلك بسنتين اعتقل العشرات من سكان دوار دكالة بتهمة الترامي على أراض وسط الدوار تكتريها إحدى الشركات الخاصة من إدارة الأملاك المخزنية. وفي 2008 نشبت مواجهات بين السلطات وبين ساكنة دوار بوصافي حول سقي الأراضي. وفي السنة الفارطة،2011، تم اعتقال العديد من سكان دوار العبيد، الذين أخبرتهم وزارة الأوقاف بأن الأرض التي ظلوا يحرثونها عشرات السنين لا علاقة لهم بها، لأنهم مجرد «عبيد» جاء بهم السلطان مولاي إسماعيل، بعدما فكك جيشه المسمى عبيد البخاري. وكل هذه الدواوير تحيط بدوار الشليحات، الذي كان مسرحا لمواجهات لا أحد، هنا، يجزم بأنها ستكون الأخيرة.
«لم نأمن من رجال الأمن»!
لا حديث لأهالي دوار الشليحات، الذين التقتهم «المساء» في منتصف الطريق إلى مخبئهم الغابوي، إلا عن «اقتحام» قوات الأمن لمنازلهم وممتلكاتهم. «المخازنية والجدارمية دخلوا للخيام والحوانت. ماعرفناهم واش جاو يحميونا ولا يتحاماو علينا» يقول أحد شباب الدوار، الذي تجرأ على مرافقتنا حتى محل بقالة سلام القنبوعي الأحد المنصرم. حكى سلام كيف أنه أقفل محله التجاري، وغادر رفقة من غادر الدوار إلى حين مرور عاصفة المواجهات بين شباب الدوار وقوات الأمن، وعندما عاد وجد أن باب دكانه قد تم اقتلاعه وسرق منه مبلغ 7000 درهم نقدا، وبطائق تعبئة الهاتف النقال قيمتها ثلاثة آلاف درهم  و20 علبة من السجائر. ولم يكتف «الضيوف» بحمل مسروقاتهم والانسحاب، يضيف البقال سلام بسخرية لا تخلو من مرارة، بل أخذوا وقتهم واحتسوا المشروبات الغازية، والتهموا «دانون» والبيسكوي. وإضافة إلى سرقة محل سلام القنبوعي، التي أنست سكان الدوار جراحهم والمتابعات القضائية التي تنتظرهم، كان كل من التقته «المساء» من سكان الشليحات يحكي بامتعاض عن سرقة حلي زوجة هشام الكو، ومبلغ 5 آلاف، وأيضا سرقة حلي من منزل عبد الله بن احمد. وعندما كانت «المساء» تنبه من يحكي هذه القصص إلى احتمال أن يكون الفاعل من بعض أهالي الدوار، الذي قد يكون قد استغل مآسي جيرانه لقضاء سرقاته، يجيب الجميع بأن المنازل والمحلات التي تم «نهبها» شوهد رجال الأمن يدخلونها ويخرجون منها؛ «مثلما حدث مع جاري أحمد الذي ضبط ثلاثة دركيين يقلون البيض في مطبخ منزله، فاعتذروا له وانسحبوا»، يحكي أحد من التقتهم «المساء». وبالإضافة إلى أعمال «النهب»، يتحدث أهالي الدوار عن قيام رجال الأمن بأعمال لا يمكن أن تفسر إلا بكونها أعمالا انتقامية مثل «إتلاف المحاصيل الزراعية و«التهام» وتحميل البطيخ من «بحيرة»  المسمى بشير المجدوبي، وتدمير أفرنة الطين في المنازل.

أسباب نزول «المخزن»
تعود أسباب المواجهة، التي نشبت يوم الخميس الأخير بين ساكنة دوار الشليحات وقوات الأمن، التي لا يعرف أهالي الدوار نوعها فيختصرونها في كلمة «المخزن»، إلى الأرض المجاورة لدوارهم وكذا دوار السحيسحات المحاذي لهم، التي تقدر مساحتها بحوالي 107 هكتارات، والتي تقوم إدارة الأملاك المخزنية بكرائها للعديد من الشركات الفلاحية الأجنبية، ضمنها الشركة الإسبانية RIVERRA D’ AROZ بثمن بخس: 400 درهم للهكتار.«تعتبر شركة «ريفيرا» من الشركات متعددة الجنسيات من أصل إسباني تربطها علاقة غير واضحة مع شركة معروفة بتفريخ مجموعة من الشركات. وهذه الأخيرة تكتري حوالي 3800هكتار بـ400 درهم للهكتار من إدارة الأملاك المخزنية، التي تقع على مشارفها  أحزمة من الدواوير الفقيرة (الشليحات، السحيسحات، القواسمة، ركراكة، اغمارة، دهار الريح، اولاد بخشو، برواكة، مجاهدين، بوشارن، بكارة، عامر، دكالة، العدارة) وتفتقر لمجالها الحيوي» حسب الفرع المحلي للجمعية المغربي لحقوق الإنسان بالعرائش، التي تعتبر أن أسباب النزاع تعود إلى معاناة ساكنة هذه الدواوير، وفي طليعتها الشليحات، من تكاثر الحشرات الضارة وعلى رأسها «الناموس»، حيث اعتادت شركة «ريفيرا داروس» على زرع الأرز على طول مساحة الأرض المكتراة، مع ترك مساحة أخرى قريبة من الدوار تقوم بزراعتها بمواد فلاحية غير الأرز لتفادي الحشرات الضارة، وخاصة  البعوض، وتأثيرها على سكان الدوار. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة قامت الشركة بزرع جميع المساحة بما فيها المحاذية للدوار. وبعد احتجاج  السكان تم منعهم من التشغيل في الشركة، و زرع 760 هكتارا على جانب واد اللوكوس. وهذه المساحة  غير مكتراة وغير متضمنة في التصميم الطبوغرافي، يضيف عبد الخالق الحمدوشي، عضو مكتب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالعرائش.

بعد العاصفة
الوجوم الذي سجلته «المساء» على سحنات أهالي الدوار سببه المباشر هو استفاقة أهالي الدوار على عدد الخسائر التي تكبدوها من هذه المواجهات الدامية دون أي ضمانة على أنهم سيكسبون حربهم ضد «الناموس»، الذي يفتك بهم بضراوة عند كل عملية ري للأرز أو حصاده. بين ردهات مسجد الدوار يلوك الشيوخ الحكماء مع كؤوس الشاي حكايات «المعركة» ويتمتمون:«اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه». سيارات تعود محملة بعائلات غادرت خيامها في اتجاه المجهول. «الملاقاة مع القفار ولا مع النار»، يعلق سائق يحمل أبناءه وأمهم بعدما فروا إلى مشارف دوار دكالة المجاور. شباب يحصون المصابين الذين تم تهريب أكثرهم تضررا إلى طبيب شعبي بمدينة القصر الكبير، فيما تحدث البعض الآخر عن تطوع طبيب ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان لمعالجة بعض الفارين في الغابة. يوم الأحد، آخر أيام المواجهات، يقول السكان إن قوات الأمن ودعت الدوار  بضرب الحسين العرباوي والحاج  سلام بوكراع، وهما شيخان ثمانينيان، وفقء عين الطفل جمال بن حميدة، ودهس عدد من أبناء الدوار بسيارة «السيمي». وإضافة إلى كل هذا تم اعتقال خمسة مناضلين حقوقيين وتعذيب معتقلين من الدوار للشهادة بأن العياشي الرياحي، رئيس جمعية أنصار حقوق الإنسان، قام بتحريض الدوار على العصيان، حيث رصدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من خلال تصريح عائلتي المعتقلين البشير العلام والبشير القيوري، وهما تلميذان، بأنهما تعرضا لتعذيب شديد وضرب مبرح داخل مخفر الدرك الملكي للضغط عليهما للشهادة ضد العياشي الرياحي، وأن هذا الأخير قام بتحريضهما والتغرير بهما. كما أضافت العائلتان بأن التلميذين حاولا الانتحار للتخلص من التعذيب، الذي تعرضا له، يؤكد عضو الجمعية عبد الخالق الحمدوشي.

لائحة المعتقلين:
– مصطفى الهرس
– نور الدين الحنبوش
– محمد الدويس
– الحسن الغول
– طارق الضاوي
– نور الدين الكو
– عبد السلام الحنبوش
– البشير القيوري
– البشير العلام
– أحمد الصالحي
– مصطفى القيوري

لائحة المعتقلات :
– طامو مريودة
– خديجة اعمارنة
– حسناء بوكراع
– خديجة حبيبي
– امرأة من دوار السحيسحات المجاور للشليحات.


أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع