أخر تحديث : الخميس 20 فبراير 2014 - 3:30 صباحًا

وصفة الحكومة لإصلاح أنظمة التقاعد: إشتغل أطول، إدفع أكثر ثم.. إرحل في أقرب وقت

محمد جلال - العرائش | بتاريخ 20 فبراير, 2014 | قراءة

وسط حشد كبير من الحضور، احتضنت قاعة دار الثقافة بالعرائش نهاية الأسبوع عرضا هاما حول أزمة صناديق التقاعد أشرفت على تنظيمه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) بالعرائش وأطره عبدالمجيد العموري بوعزة عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية بالمغرب. العرض الذي يأتي بحسب المنظمة النقابية في “إطار التعبئة و الاستعداد للتصدي للهجوم الحكومي على مكتسبات الشغيلة في ملف التقاعد”، تركزت مضامينه حول محورين عريضين: أولهما السيناريو الحكومي لإصلاح صناديق التقاعد وثانيهما الموقف الكونفدرالي والحلول المقترحة للإصلاح.

أولا: السيناريو الحكومي لإصلاح صناديق التقاعد:

استهل عبدالمجيد العموري العرض (يمكن تحميل مادته العلمية المرافقة من هنـــــــا) بالتأكيد على أن مجموع المشاريع الحكومية المطروحة بخصوص إصلاح أنظمة التقاعد مبنية على العلاقة العضوية بين العناصر المقياسية facteurs paramétriques  Les للإصلاح الديمغرافي وعناصر المضاربة على الموتLes facteurs de spéculation sur la mort ، أي بعبارة اخرى: ستعمد الحكومة على توظيف المعطيات الديمغرافية واستعمالها كمقاييس لتعجيل أو تقريب احتمالية وفاة المتقاعد كقاعدة للإصلاح. وهنا تكمن خطورة المشروع الحكومي بحسب العموري.

ولأجل تفعيل هذه المقاربة في الإصلاح، أوضح المُحاضر على أن الحكومة ستعتمد على تشغيل أربعة آليات رئيسية :

1.    مدة العمل أطول:
عبر مراجعة السن القانوني للإحالة على التقاعد، l’âge légal de départ à la retraite، بتمديد مدة العمل بإضافة سنتين إجباريتين (62)، أو خمس سنوات حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات (65 سنة)، مع كل ما يصاحب ذلك من إرهاق جسدي وتعب نفسي وإنهاك مهني.
2.     اقتطاعات أكثر:
من خلال زيادة سنتين أو خمس سنوات من الاقتطاعات الإجبارية من الأجر، بالإضافة الى زيادة 4 نقط في نسبة الاقتطاع حسب المتطلبات المقياسية  وحالة الاختلال، بما يؤشر ذلك على تدمير ممنهج للقدرة على الحياة وليس فقط القدرة الاستهلاكية.
3.    فترة التقاعد أقصر:
عن طريق تقليص المدة الزمنية للحصول على معاش التقاعد؛ بمعنى آخر: البناء على تقريب احتمالية موت المستخدم وصرف معاشه لأقل فترة ممكنة، وذلك بالنطر إلى أن الشخص المتقاعد على سن 60 سنة تصل احتمالية صرف معاشه في الحد الأقصى إلى 10 سنوات بعد التقاعد، أما الشخص المتقاعد على سن 65 فاحتمالية صرف معاشه لا تتعدى في الحد الأقصى 5 سنوات.
4.    معاش أقل:
بواسطة تغيير احتساب القيمة المادية للمعاش من مقياس آخر أجر يتلقاه الأجير أو الموظف، كما هو معمول به حاليا، إلى مقياس احتسابه على المعدل الأجري للسنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة من حياته المهنية، مع تخفيض نسبة الاحتساب السنوي من 2,5 الى 2 في المائة فقط. أي بعبارة أوضح، الحكومة تتوعَّد مستخدميها في مشروعها الجديد للإصلاح ب: معاش أقل بعد فترة عمل أطول واقتطـاعات أكثر  travailler plus et plus longtemps, pour toucher moins et moins longtemps. 

ليخلص عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى أن هذه المقاربة في الاصلاح لأنظمة التقاعد لا يجب على الشغيلة أن تسمح كما نقابته بتمريرها بالمطلق بالرغم من كل الترويج الحكومي لها بشكل هستيري ومتضخم وترهيبي بحسب تعبيره، وتقديمها وكأنها هي الحل الوحيد والممكن لإنقاذ أنظمة التقاعد من الانهيار.

ويرى بالمقابل بأن هناك حلول أخرى ليست بالضرورة “مقياسية ديمغرافية”، بحكم أن فرض “الإصلاح المقياسي الديمغرافي” في الحالة المغربية، حتى ولو طُبِّق لن يحل على المدى القريب أو المتوسط وحتى البعيد الاختلالات المالية لأنظمة التقاعد بالمغرب. وأعطى كمثال الدول التي اعتمدت هذا الحل المقياسي لإصلاح أنظمة التقاعد؛ حيث لم تتمكن من حل إشكالية الاختلالات المالية، بل دخلت بشكل مباشر في ما يسمى بالإصلاحات المتتالية  des réformes systématiques   (كحالة فرنسا مثلا من حكومة جاك شيراك إلى حكومة ساركوزي إلى حكومة هولاند)، مع العلم أن الحالة السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية لفرنسا مختلفة عن المغرب بدليل أن بنية الهرم العمري للساكنة الفرنسية التي تتجاوز 60 سنة تصل إلى ما يزيد عن 15 مليون (المغرب لا تزيد عن 3,5 مليون)، ومعدل أمل الحياة يصل الى 84 سنة (المغرب بتقدير رسمي لا يتعدى 72 سنة).

ثانيا: الرؤية الكونفدرالية البديلة لإصلاح نظام التقاعد:

في المحور الثاني استعرض العموري بوعزة بالتفصيل للحلول البديلة للإصلاح التي تقترحها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لإخراج صناديق التقاعد من أزمتها الراهنة. تلك الحلول تتبنى “المقاربة المقياسية السياسية” عوضا عن “المقاربة المقياسية الديمغرافية” للحكومة، وترفض بشكل قاطع أن يتحمل الموظف وحده عبء مسؤولية إصلاح النظام التقاعدي، بل توزع عبء الاصلاح بشكل عادل ومتوازن على الأطراف الثلاثة المتصلة بنظام التقاعد في القطب العمومي أي الدولة كمشغلة، والمؤسسات المسيرة للتقاعد، والموظف النشيط والمنخرط.

هذه المقاربة ترتكز على معادلة استراتيجية تقوم أولا على العمل اللائق، وثانيا على مدة عمل أقل، وثالثا على العمل للجميــع (travailler mieux – travailler moins – travailler tous) ، وتعتمد في أجرأتها على تشغيل ثلاثة “مقاييس سياسية” أساسية للإصلاح وهي:

1.    مقياس التشغيل بالإدارة العمومية:

يقوم على وضع مسألة التشغيل العمومي في قلب إصلاح التقاعد بالقطب العمومي وفق برنامج استراتيجي يقوم على:
أ‌.    الرفع من نسبة التأطير بإدارات الدولة ونقلها من 27 إلى 40 موظف لكل 1000 نسمة.
ب‌.    تشبيب الإدارة العمومية بالانتقال من 13 إلى 40 في المائة لدى نسبة المستخدمين الأقل من 30 سنة.
ت‌.    تركيز عمليات التوظيف على القطاعات والسياسات العمومية ذات الاولوية القصوى كالتعليم والصحة والقضاء والخدمات المرفقية.
ث‌.    فتح ورش المراجعة الجدرية للنظام الاساسي العام للوظيفة العمومية.
ج‌.    مصاحبة عمليات التوظيف بإدارات الدولة ببرنامج وطني للتكوين المستمر الإدماجي وملائم للحاجيات الجديدة.
ح‌.    تأمين التوازنات المالية للصندوق والتضامن التوزيعي بين الاجيال وحقوق المتقاعدين وخلق القطب العمومي الموحد للتقاعد عوض التفييئ الحاصل الآن.

ويعتقد العموري أن من شأن هذا المقياس أن يعمل على الزيادة الممنهجة والمتراكمة كل عام في عدد المنخرطين عبر توظيف ما معدله 50 ألف موظفا سنويا وبالتالي الزيادة في عدد مداخيل صندوق التقاعد المستخلصة من أجور الموظفين والأجراء الجدد.

2.    مقياس هيكلة مؤسسة القطب العمومي للتقاعد (حالة الصندوق المغربي للتقاعد):

هنا يتوقف القيادي النقابي مطولا ليذكر بمسؤولية الدولة عن مجموعة من الاختلالات المالية للصندوق المغربي للتقاعد، والتي يرجعها لأربعة أسباب رئيسية:
أ‌-     الغموض الكبير وغياب الافتحاص الدقيق والمحاسبة والشفافية في كل ما هو متصل بالنفقات التدبيرية والقرارات الاستثمارية للصندوق.
ب‌-    سياسة التقشف التوظيفي والتحرر من المسؤولية الاجتماعية للتشغيل التي تنهجها الدولة والتي تؤثر سلبا على تطور عدد المنخرطين بالصندوق.
ت‌-    تخلف الدولة عن أداء مستحقاتها ومساهماتها كمشغلة للموظفين، والتي ترافقت مع فترة تدبيرها المباشر للصندوق (1956 – 1996)، والمقدرة حكوميا بأزيد من 11 مليار درهم بالرغم من أن التقديرات الحقيقية تفوق هذا المبلغ بكثير.
ث‌-    الأسلوب اللاقانوني الذي تم به تدبير الأزمة المالية للمعاشات العسكرية (يتقاعدون عن سن 45 سنة) حيث يتم اللجوء في كل مرة إلى تمويل جزء كبير منها مباشرة من مالية نظام المعاشات المدنية للموظفين.

من هذا المنطلق تأتي، بحسب الرؤية الكونفدرالية للحل كما شرحها عموري، أهمية القيام بإعادة هيكلة كاملة لمؤسسات تدبير التقاعد كمؤشر أساسي في معادلة “المقياسية السياسية” لإصلاح نظام التقاعد العمومي، وذلك من خلال تحريك مركب الإصلاحات التالية:
أ‌.    تصميم وتفعيل نظام القطب العمومي للتقاعد في آلية مؤسساتية واحدة تمكن الصندوق المغربي للتقاعد من تدبير جميع الموظفين المدنيين والعسكريين، وإلغاء النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، وتصميم برنامج إجباري من داخل المؤسسة للتقاعد التكميلي.
ب‌.    إدماج كامل لنظام المعاشات العسكرية في نظام المعاشات المدنية من خلال الرفع من سن تقاعد العسكريين، والرفع من نسبة مساهمات الدولة، مع تسطير آليات تأخذ بعين الاعتبار الطابع الشاق للمهن العسكرية.
ت‌.    تمكين الصندوق من آليات محددة تحرر قرارات استعمال الاحتياطات والتوظيفات المالية المضمونة، مع تطوير برنامج للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسة عبر تدبير برامج الاستثمار الاجتماعي وبرامج قروض بفوائد تنافسية لفائدة المنخرطين والمتقاعدين، مع الاستمرار في توظيف الأموال لكن فقط في سندات الدولة والسندات المضمونة لحمايتها من أية مخاطر محتملة.
ث‌.    إعادة الاعتبار لمنهجية الحكامة التدبيرية، باعتماد آلية التنظيم المتساوي الأعضاء للقطب العمومي للتقاعد، الموزعة بين ممثلي الإدارة وممثلي الموظفين النشطاء وممثلي المتقاعدين الذين يتم تعيينهم من طرف النقابات حسب الاستحقاقات التمثيلية، على أن يكون رئيس المجلس الاداري رئيس إدارة القطب العمومي للتقاعد، والنائب الأول للرئيس من ممثلي الموظفين النشطاء، والنائب الثاني من ممثلي المتقاعدين.

3.     مقياس السن القانوني للإحالة على التقاعد:

يوضح العموري بوعزة أن عملية الانتقال من “المقياسية الديمغرافية” إلى “المقياسية السياسية” لإصلاح نظام التقاعد بالقطب العمومي، تتطلب تحويل مقياس تمديد سن الاحالة على التقاعد (من 60 الى 62 سنة)، في حالة لو تطلب الأمر ذلك، من مقياس ديموغرافي إلى مقياس التضامن ما بين الأجيال؛ بمعنى أنه يمكن تمديد السن القانوني للإحالة على التقاعد من 60 الى 62 سنة لكن وفق ثلاثة شروط مبدئية غير قابلة للتفاوض:
أ‌.    الشرط الأول يتمثل في تحويله من آلية التطبيق الميكانيكي العام كما تروج له الحكومة إلى آلية التطبيق الجيلي النسبي الاختياري تأخذ بعين الاعتبار عدة مقاييس كسن الازدياد، وسن التوظيف، والطابع الشاق لكل مهنة وأثرها على معدل أمل الحياة، ووضعية الموظفين ذوي الحاجيات الخاصة، والامهات اللواتي أنجبن أكثر من 3 اطفال، وحرية اختيار السن للإحالة على التقاعد.
ب‌.    الشرط الثاني يتجلى في عدم المساس بآلية حساب معاش التقاعد ورفض أية معادلة تؤدي إلى تخفيض القيمة المادية للمعاش، أي الاحتفاظ بأجر الشهر الاخير قبل الإحالة على التقاعد ونسبة 2,5 عن كل سنة عمل فعلية كما هو ساري العمل به حاليا.
ت‌.    والشرط الثالث يتعلق برفض مطلق لأية زيادة في نسبة الاشتراكات والمساهمات من طرف منخرطي نظام التقاعد.

خارج هذه التصورات التشاركية، يختم القيادي بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل العرض الذي دام قرابة الساعتين، لا يمكن أن يستقيم إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب بالمحاولات الحكومية الرامية إلى فرض منطق “استبدادي، فسادي، استبعادي، استفرادي” يجعل من الموظف أو المستخدم المتحمل الوحيد لعبء الأزمة، خصوصا عندما يكون هذا المنطق مستوردا بعلامة إيديوسياسية مفروضة من المؤسسات الدولية المانحة، ويفتقد كليا للعدالة الاجتماعية الحامية للحقوق والمكتسبات ويعرض بالتالي البلاد في أية لحظة لارتدادات اجتماعية خطيرة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع