أخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2015 - 6:17 مساءً

العرائش .. لا تأكلُ من رزقها والتطرف والمخدرات ينخران شبابها

هسبريس - محمد الراجي | بتاريخ 31 أكتوبر, 2015 | قراءة

laracheune_476860117

بِنبرة مُوحّدةٍ يتحدّث أهل العرائش عن واقِع مدينتهم، نبرةُ الغضب. “كانتْ هذه المدينة إبّانَ عهد الاستعمار الإسباني، وإلى حدود سنوات السبعينيات من القرن الماضي، جوهرةَ الشمال المغربي، أمّا الآن فقد صارت “خربة الشمال”، يقول مُنعم، وهو ناشط مدني.

بالنبرة نفسها يقول مصطفى جديعة، وهو رجُل تعليم وشاعر وفاعل جمعوي: “حين يطلب مِنّي أحَدٌ أن أتحدث عن راهِنِ مدينة العرائش يغمرني شعور عارم بالغضب”. أما ياسين، فيلخّص حالَ المدينة في عبارة واحدة: “الشباب هنا يقولون مْصّاب غِيرْ وْكَان بْقا الاستعمار”.

يقول أهل مدينة العرائش إن مدينتهم تملك كل المقومات التي من المُمكن أن تجعل منها مدينة كبيرة، فلديها البحر، والأراضي الخصبة، وهي موقع سياحي متميّز، لكنها لا تستفيد من خيراتها، “فالسمك يُباع في عرض البحر، والفواكه يُصدّر الجيد منها إلى أوروبا، ولا يصل إلى أسواق المدينة سوى الفتات”، يقول ياسين.

“التطرُّفُ الدّينيُّ يَتربّصُ بأبنائنا”

مَطلعَ شهر يوليوز الماضي، أصْدَرَ “مرصدُ الشمال لحقوق الإنسان” تقريرا وَرَدَ فيه أنَّ 62% من المقاتلين الملتحقين بتنظيم “داعش” منْ شمال المغرب، تتراوحُ أعمارهُمْ ما بين 18 و25 سنة، فيما تبلغ نسبة الأطفال منهم 18%؛ وعلى الرغم من أنَّ التقريرَ أكّدَ تراجُعَ عدد الملتحقين بـ”داعش”، إلا أنَّ أهْلَ مدينة العرائش يقُولون إنَّ التطرّفَ ما زالَ يتربّص بشباب المدينة، بسبب “التهميش” الذي تعيشه.

يرْوي مصطفى جديعة، في حديث مع هسبريس، أنَّ تلميذاً كان يدرس لديْه، عمره 13 سنة، التَحَقَ بتنظيم “داعش” بسوريا، ويَرْبطُ بيْن هجرة عدد من شباب العرائش للقتال في سوريا والتهميش الذي طالَ المدينة على جميع المستويات، على حدّ تعبيره. “هذا التهميش نتجتْ عنه تداعيات سلبية كثيرة، ولا نذيع سرًّا إذا قلنا إنّ كثيرا من الشباب الآن يتوجهون إلى (داعش) من العرائش”، يقول جديعة.

عنْد مُنعطف إحْدى الحارات وسطَ المدينة، يقفُ ثلاثة شبّان، أحدُهمْ يرتدي لباساً “أفغانيّا”. يقول ياسين هامسا ونحنُ نمُرّ بمحاذاتهم: “هُناكَ كثير من الشباب في العرائش هُمُ الآنَ مشاريعُ مقاتلين في تنظيماتٍ متطرفة، وعلى رأسها (داعش)”؛ وينْبُع الخوْفُ الكبير لأهْل المدينة من ارتماء الشباب في حُضن التنظيمات المتطرّفة منْ غيابِ مرافقَ ثقافيّة وتربوية لتأطير الشباب، وتخبّطهم في الفراغ.

وعلى الرغم من أنَّ التدابيرَ الأمنيّة المُتّخذة أفْضتْ إلى تقليص عدد الملتحقين بـ”داعش” من مدن الشمال خلال الأشهر الأخيرة، إلّا أنَّ أهْلَ العرائش يروْنَ أنَّ مدينتهمْ ينْبغي أنْ يُعطى لها اهتمامٌ لتحييد شبابها عن طريق التطرّف، كوْنها “أكثرُ تهميشا” مقارنة بباقي مُدن الشمال الأخرى، بما في ذلك مدينة القصر الكبير المجاورة، خاصّة في ظلِّ وجود قنواتٍ أخرى لتواصُل الشباب مع التنظيمات الدينيّة المتطرِّفة.

“ينبغي على الدولة أن تفكِّر جيدا في مدينة العرائش، فقدْ أصبحَ للشباب منظور آخر ورؤية أخرى، ومؤطر تأطيرا ذاتيا، ولا يُمكن مراقبته بالوسائل التقليديّة، لأنَّ التكنولوجيا الحديثة ومواقعَ التواصل الاجتماعي فتحتْ أمامهم قنواتٍ أخرى على العالم”، يقول مصطفى جديعة، مضيفا: “الشبابُ لمْ يعُد يبحث من خلال هذه القنوات عن تعزيز مداركه ومعارفه، ولم يعد يبحث عمّا هو ثقافي، في ظلّ غيابِ من يؤطّره، بلْ أصبح يهربُ من الواقع ومن الأزمة، ويهرب حتّى من ذاته”.

ويُردف المتحدّث: “لو خرجْتَ ليلا ستجد أن جيلا من الشباب في الأزقة ضائع، يتعاطى أقراص الهلوسة والمخدرات، وهو ليس مسؤولا، بل إنّ هذه السلوكيات المنحرفة التي نشاهد إنّما هيَ انعكاس لغياب الفضاءات الثقافيّة بالمدينة، وغيابِ وحدات اقتصادية وصناعية. الشبابُ هُنا لا تُعطى لهُ فُرصة العيش، وبالتالي يصرفُ كلَّ أفعاله في الفراغ، والجميعُ يعرفُ أنَّ الفراغَ تكون له نتائج مُدمّرة”.

المشاهدُ المعبّرة عن “الفراغ” الذي يتخبّطُ فيه شباب مدينة العرائش يُمْكنُ الوقوف عنْدها في كثيرٍ من أماكن المدينة. في فضاءٍ شبْه مُظلمٍ بالقرْب من مقبرة “للا منانة”، كانَ مجموعة من الشباب يبْرمونَ لفافاتِ المُخدّرات ويدخّنونها؛ على مقربة منهم كانَ شابٌّ آخرُ يُداعبُ فتاة تحت جُنْح الظلام.

“قحْط” ثقافي ورياضي

خلالَ الدورة الأخيرة من المهرجان الدوليِّ للتلاقُح الثقافي بالعرائش، قدّمتْ فرقة “نجوم العرائش للجمباز والألعاب البهلوانية” عُروضا في “ساحة التحرير” صَفّقَ لها الجمهور كثيرا. شباب الفرقة يُقدّمونَ عروضا في مهرجاناتٍ كثيرةٍ داخل المغرب وفي أوروبا، لكنّهم لا يجدونَ داخلَ مدينة العرائش ولوْ قاعةً رياضيّة واحدةً يتدّربون فيها، ويلجؤونَ إلى الغابة لإجراءِ تداريبهم.

يقولُ عضو بالفرقة في حديث لهسبريس حين سألناه عمّا إنْ كانتْ هُناك دارُ شبابٍ في المدينة: “نحن لا نتوفّر على قاعةٍ رياضيّة، أمّا دارُ الشباب فلا فكْرةَ لديْنا عنْ وُجودها من عدمه”، وُيضيف المتحدّث: “نحنُ نشارك في مهرجاناتٍ في أوروبا كاملة، وفي المغرب، ما كانلعبوش باش نشبّْرو شي حاجة، بل فقط للتعريف بمدينتنا”. وفي غياب أيّ مرافقَ عموميّة يُفكّر شباب الفرقة في خلْق جمعيّة لتأطير الشباب الراغبينَ في مزاولة الألعاب الاستعراضية.

الفاعلُ الجمعوي مصطفى جديعة، الذي يرأسُ جمعية “نادي الموظفين”، يقُولُ إنَّ جمعيات المجتمع المدني هيَ من تسهرُ على تأطير الشباب، ولكنّها تعاني من غياب الدّعم أو قلّته، إضافة إلى “محاباة” جمعيات بعيْنها، على حدّ تعبيره، ويقول المتحدّث إنَّ هُناكَ جمعيات “تُخلق في 24 ساعة”، تستفيدُ من “أموال طائلة”، في حين يتمّ تهميش جمعياتٍ أخرى رُغمَ وزنها على الساحة، مضيفا: “الفعل الثقافي في العرائش غائبٌ تماما، وهو ما أنتجَ هذه التداعيات”.

إبّانَ عهْد الاستعمار الاسباني، وإلى حدود سنوات السبعينات من القرن الماضي، كانتْ مدينةُ العرائش تضُمُّ عددا من المرافق الثقافيّة، ومَع مُرور السنوات بدأتْ هذه المرافقُ تنقرضُ واحدةً تلْوَ الأخرى، إلى أنْ صارت المدينة تعيش، في الوقت الراهن، “قحْطُا ثقافيا”، كمَا قالَ أحدُ أبنائها، مُضيفا أنَّ مدينة العرائش كانَتْ تضمّ مسرحا ملكيّا، وأربعَ قاعاتٍ سينمائيّة، أمّا اليومَ فقدْ أغلقتْ هذه القاعات جميعُها أبوابها، وباتتْ العرائشُ مدينةً بلا قاعة سينمائيّة ولا قاعةٍ للعروض.

أمّا المسرحُ الملكيّ الذي كانَ مفخرةً لمدينة العرائش وكانَ مَعلمة ثقافيّة كبيرة، فلمْ تُغلقْ أبوابُه فحسبُ كما أغلقتْ أبوابُ القاعات السينمائية، بل اندثر وانمحى- أو تمّ محْوُه من الوجود- وانتصبتْ في مكانه عمارة سكنيّة. المرفقُ الثقافيّ الوحيدُ الذي يقول أهل مدينة العرائش إنّه تبقّى في مدينتهم، هو دارُ الثقافة. “هادي هي المؤسسة الثقافية الوحيدة اللي بْقاتْ لينا”، تقول حنان، وتضيف بسُخريّة: “ما عْرفتْش كي دارُو حتّى خلّاوها وْما هْدموها حتى هي”.

الفقْرُ المُزمنُ الذي تعاني منه مدينة العرائش على مستوى البنيات الثقافيّة ظهرَ جليّاً خلال المهرجانِ الدولي للتلاقح الثقافي بالعرائش. فالمكانُ الوحيدُ المُتاح لتنظيم الندوات هوَ فناء المعهد الموسيقي (المهرجان تزامنَ مع العطلة الصيفيّة وكانَ استغلالُ المكان مُتاحا)، أمّا العروض الفنّية فتمّ تنظيمُها في الهواء الطلق وسَط ساحة التحرير وبيْن أزقّة المدينة العتيقة. العرْضُ الفنيّ الوحيدُ الذي تمّ تنظيمُه داخل فضاء مُغلق نُظمَ بقاعة تابعةٍ لمصحّة الهلال الأحمر.

“المجالسُ البلدية للعرائش عدوّة المناطق الخضراء”

حينَ يتجوّلُ المرْءُ داخل مدينة العرائشِ، وقبْل أن يُنصتَ إلى أهلها، يلْمسُ حجْمَ “التهميش” الذي طالَ المدينة على جميع المستويات. في ما يتعلّقُ بالنظافة، يُلخّصُ الكورنيش الغارق في الأزبال والنفايات حالَ المدينة. فعلى الرّغم من أنَّ المجلسَ البلديَّ لمدينة العرائش فوّضَ أمْرَ جمْع الأزبال لشركة ألمانيّة، إلا أنّ المدينة تعاني من قلّة النظافة، بما في ذلك مُحيط مبنى البلديّة. “المجلس البلدي بْراسو موسَّخ عْساك المدينة كي غاتكون”، يُعلّق ياسين.

غيْرَ بعيدٍ عن المكان، توجدُ “حديقة الأسود”، وهيَ من الحدائقِ القليلة المتبقيّة في العرائش، لكنّ الحديقة غيرُ مُتاحةٍ للعموم، بسبب خلافاتٍ مع المقاول المكلّف بترميمها، بحسب ما يتداول السكان، ولا يُعرف متى ستُفتح أبوابها. ويبْدو البحثُ عن حدائقَ ومساحاتٍ خضراءَ في مدينة العرائش أشبَهَ بالبحث عن إبرة في كومة قشّ. ومقارنةً مع صور أرشيف المدينة، فقدْ اندثرَ كثير من الحدائق، ومنْها الحديقة التي كانتْ تتوسط “ساحة التحرير”. يقول أحدُ الصحافيين بالمدينة: “المجالسُ البلدية بالعرائش عدُوَّةُ المناطق الخضراء”.

وحتّى خارجَ مدينة العرائش، أصبحتِ المناطق الخضراء تضيقُ شيئا فشيئا مفسحةً المجالَ لزحْف الاسمنت. غابة “لايبيكا” كانتْ متنفّسا لساكنة المدينة، قبْلَ أنْ تأتيَ الجرافات وتجثثَّ أشجارَها، وتحوّلها إلى ثكنة عسكريّة. قرارُ تحويل الغابة إلى ثكنة عسكرية خلّفَ ردودَ فعْل رافضة من طرف سكّان المدينة، وخرجَ المئات منهم مطلع سنة 2012 إلى الشارع للاحتجاج على اجتثاث أشجار “لايبيكا”.

“لقدْ كانت غابة لايبيكا الجهازَ التنفسيّ لمدينة العرائش، وأبْدينا رفْضنا المطلق لتحويلها إلى ثكنة عسكرية، وذهبْنا إلى حدّ مراسلة البيْت الأبيض الأمريكي بهذا الشأن، على اعتبار أنّ الموضوع يهمُّ البيئة، وتلقّينا من المسؤولين الأمريكيّين رسالة جوابيّة، بيْنما لم نتوصّل بأي ردّ من طرف مسؤولي المدينة”، يقول صحافي بالمدينة، ويضيف صديق له: “كانَ بإمكان المجلس البلدي أنْ يبْحثَ عن حَلٍّ مع المؤسسة العسكرية حفاظا على الغابة”.

مدينة “مُشوّهة”

لا يفْهمُ أهْلُ العرائش لماذا يُحاصرُ التهميش مدينتهم من كلّ جانب. “هُناكَ شيء غيرُ مفهومٍ”، تقول حنان وكأنها تبحث عن شيفرة لمعرفة ما يجري داخلَ مدينتها، أمّا ياسينُ فيقول إنَّ أُسَراً كثيرة من العرائش باعتْ بيوتها وهاجرتْ نحوَ طنجة وتطوان، ومنْها أسْرة أستاذة فاعلة في المجال الثقافي، هاجرت إلى طنجة، بسبب غياب المرافق الثقافية في العرائش. “نحنُ لا نصدّقُ أنَّ هناك برنامجا لتنمية الشمال. هذا البرنامج يهُمّ طنجة وتطوان فقط، أمّا العرائش وحتى القصر الكبير فتعانيان الإقصاء والتهميش”، يقول ياسين.

ولا يُخْفي أهلُ مدينة العرائش حسرتهم على واقع مدينتهم، بلْ إنّهم، في ظلّ سيادة ما يشبه فقدانَ الأمَل من التغيير نحوَ الأفضل، يتمنّون فقط لوْ أنَّ المدينة عادتْ إلى ما كانتْ عليه إبّانَ فترة الاستعمار الاسباني إلى حدود بداية الاستقلال. وسطَ “ساحة التحرير” يقف مصطفى جديعة، مستعيدا بحنين غامر سنواتِ مجْد العرائش، ويقول: “العرائش مدينة تاريخية، ولها رجالاتها في شتّى الميادين، الفكرية والنضالية، وتقع في موقع استراتيجي هام، ولها تاريخ متميّز ما زالَ حاضراً إلى اليوم”.

وما بيْنَ الماضي المجيد للعرائش، وواقعها الراهن، ثمّة فروقٌ لا تُخطئها العيْن، يقول جديعة: “كانت العرائش مدينة جميلة يؤمّها السياح من كل الجهات، ولكنّها في العصر الراهن عرفتْ تشوّهات كثيرة، وأصبحتْ مدينةً مهمّشة بامتياز تندبُ حظّها، ونحن نتساءلُ لماذا هذا الإقصاء، ونطلب طلباً عاجلا أن يُهتم بالمدينة”، وبالحسرة نفْسها تقول حنانُ وهي تقارنُ بيْن ماضي المدينة المجيد وحاضرها “البئيس”: “يحتاج مسؤولو هذه المدينة إلى عشرات السنين من العمل فقط لإعَادتها كما كانت”.

ويتذكّرُ الحاج الطيب الوزاني، وهو رئيس “جمعية 2 مارس”، كيْف كانتْ مدينة العرائشِ في سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرْن الماضي، إبّانَ عهد الاستعمار الاسباني وإلى حدود بداية الاستقلال، عبارة عن “قرنفلة ووردة”، بأناقتها ونظافتها، في تلْك السنوات الغابرة، وكيْفَ أضحت اليوم “مهزلة”، على حدّ تعبيره. ويضيف الحاجّ الوزاني، متحدّثا إلينا داخلَ مقرّ جمعيته في مدخل إحدى حارات المدينة القديمة: “لقدْ أصبحت المدينة اليومَ أشبهَ بمُسْتنقع”، ولمْ يَجدْ من كلمات يبوحُ بها عمّا يختلج في صدره أبْلغَ من عبارة: “لا حول ولا قوّة إلا بالله”.

ويتذكّر الحاج الوزاني كيْفَ كانتْ المدينة العتيقة للعرائش فضاءا يضمّ محلّاتٍ تجاريّةً يمْلكها اليهود وتجّارُ فاس، تُباعُ فيها الملابسُ والأحذية والساعات اليدوية الفاخرة، ومحلّات بيْع النحاس وآلات الصيد البحري، ومحلّات البيْع بالجُملة، كمَا تضمُّ مكاتبَ الصرف، وقنصليّات، وبها دارُ سكّة تطبعُ العُملة. كانَ ذلك إبّانَ العهد المجيد للمدينة، “أمّا اليوم، فقدْ حلّ محلّ الساعات والملابس والأحذية الفاخرة التي كانتْ تُباعُ في هذا المكان القزبور والمعدنوس”، يقول ياسين بسخريّة ممزوجة بالمرارة.

مآثرُ تاريخية في مهبّ الريح

تضمُّ مدينة العرائشِ مآثرَ تاريخيّة كثيرة، لكنّ مُعظمها، أوْ كُلّها، يمْضي نحوَ الاندثار، في غيابِ أيّ صيانة أو ترميم. في زقاق “الحارثي” وسطَ المدينة العتيقة تُوجدُ كنيسة قديمة تحمل اسم “سان خوسيه”، وعلى طول الزقاق تمتدُّ بناية مُلاصقة للكنيسة. هذه المعلمة التاريخيّة مهدّدة بالانهيار في أيّ لحْظة، وبدَلَ أنْ يعملَ مسؤولو المدينة على ترميمها، حفاظا عليها كجُزء من ذاكرة العرائش، تُركتْ لحالها في انتظار انهيارها الذي تؤكّده جُملة مكتوبة على لوحٍ مُعلّق في واجهتها تُحذّر من أنّ البناية “مُعرّضة للسقوط في أيّ لحظة!”.

وكُلّمَا غاصَ المرْءُ بيْن دروب وأزقّة المدينة العتيقة يتراءى له مزيد من البنايات المُهدّدة بالانهيار. في أحد مداخل المدينة ثمّةَ بناية تحمل اسم “فندق زلجو”، يجْري إعادةُ ترميمها من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لكنْ هناك بنايات أخرى كثيرة، داخلَ المدينة العتيقة وفي أماكنَ أخرى من مدينة العرائش، مهدّدة بالسقوط. “نطالب بترميم جدران المدينة العتيقة وما بداخلها، وبصيانة المباني التي يعيش فيها السكان بشكل آني، وعدم ترْك ذاكرتنا تسقط؛ فإذا سقطت الذاكرة ينهار الإنسان، وينهار حُلم البناء الحقيقي”، يقول عبد الرحمان اللنجري، رئيس جمعية ليكسوس للسينما والثقافة.

وهُناكَ مآثرُ تاريخيّة أخرى كثيرة، داخلَ المدينة وخارجَها، تندثر شيئا فشيئا، بسبب الإهمال، ومنْها قصر الموْلى إسماعيل، المُطلّ على البحر، والذي سقطتْ أجزاءٌ كثيرة منه، فيما تحوّلتْ أركانُ ما تبقّى منه إلى فضاءٍ تُرْمى فيه الأزبال. أمّا المسرحُ الروماني، المتواجد في الموقع الأثري ليكسوس على بُعْد حوالي ثلاثة كيلومترات من العرائش، فلا يقلُّ حاله سوءً، إذْ إنّ معالمَه تنمحي مع مرور الزمن رُغم قيمته التاريخية، وكانَ بالإمكان أن يصيرَ مَحجّا للسياح لوْ أحيطَ بالعناية اللازمة. تقول حنان بحسرة: “خْسارة. هذه المدينة تملك من المُؤهلات الثقافية والاقتصادية والسياحية الشيء الكثير، لكنّها لا تجدُ من يهتمُّ بها”.

ممنوع التصوير داخلَ الميناء

في مدْخلِ مَرْسى مدينة العرائش ثمّةَ ثلاث علاماتٍ مُعلّقة بالقرب من مقرّ البحريّة الملكيّة مكتوب عليها “التصوير ممنوع”. العلامات الثلاث مكتوبة بخطّ اليد، ولا يُعْرفُ منْ كتبها، هل السلطات أمْ جهة أخرى، وإن كانت لا تحمل صبغة رسميّة، لكنّها، حتّى وإنْ كانتْ غير رسمية، إلا أنّها تُثيرُ أكثر من علامة استفهام حوْلَ دواعي تعليقها، وربّما يكون مَرْسى العرائش الميناء الوحيد الذي يُمنع فيه التصوير داخلَ المغرب.

الآراءُ التي استقيْناها تصُبّ في اتجاه واحد، وهوَ أنّ ميناء مدينة العرائش يتمّ استغلاله لتهريب المخدّرات، ويتساءل أحدُ أبناء المدينة قائلا: “إضافة إلى علامات منْع التصوير، هُناك أمر آخر، وهُو أنَّ المصابيحَ الكهربائية بالميناء نورُها ضعيف، ويكادُ الميناء يغرق في الظلام، أمّا مدخلُ الميناء حيث تلج السفن فيعرفُ حوادثَ اصطدام بيْن مراكب الصيْد، ومع ذلك لمْ يتمّ تزويد المدخل بمصابيح لإضاءة المكان”.

وكانتْ مصالحُ البحريّة الملكيّة قدْ أوقفت، مطلع السنة الجارية في شاطئ العرائش، 14 شخصا يُهرّبون المخدّرات انطلاقا من المياه البحرية للعرائش، وحجزتْ كميّة كبيرة من المخدّرات قُدّرتْ بحوالي 24 طنا من الشيرا، ويقولُ أحدُ أبناء المدينة إنّ التجوّل بعد الساعة التاسعة ليلا بالشاطئ القريب من الميناء “محظور”، ويتذكّر مساءَ يومٍ كانَ يتجوّلُ فيه رفقة بعض أصدقائه على الشاطئ، حينَ اقتربَ منهم عوْنُ أمن وطلبَ منهم إخلاء المكان “حفاظا على سلامتهم”.

هُناكَ من أبناء مدينة العرائش، الذين تحدّثوا إلى هسبريس، من يَرى أنَّ التهميش الذي طالَ مدينتهم “مقصود”، بهدفِ تحْويلها إلى فضاء يشتغلُ فيه أباطرة المخدّرات بحريتهم، بعدما تمّ تضييق الخناق عليهم في باقي مُدن الشمال الأخرى التي تعرفُ تقدّما، لكنّ آراءً أخرى ترفض هذا الطرح، وتقُولُ إنّ “المصيبة” التي حلّتْ بمدينة العرائش هي أنّ مصيرها يوجدُ بيدِ “لوبي” لا تهمّه إلا مصالحه، غير أنّ أصحابَ هذا الرأي لا ينفون أنّ العرائش باتَتْ “مدينةً للهجرة السرية وترويج المخدّرات”.

مدينة توقّف زمُنها عن الدّوران

في إحْدى الساحات توجدُ ساعة كبيرة على واجهة بناية عمومية. عقاربُ الساعة متوقفة عند حدود التاسعة. لا أحدَ يعرفُ متَى توقّفتْ عقارب الساعة الحائطية الكبيرة عن الدوران، لكنَّها تعكسُ واقعَ الجُمود الذي تعرفُه المدينة. ففي الوقْت الذي تعرفُ باقي مُدن الشمال ازدهاراُ ملموسا، وتتدفق عليها المشاريع العملاقة من كلّ صوْب، تعيشُ مدينة العرائش على وقْع سكونٍ غير مفهوم، بلْ إنَّ حتّى المشاريعَ التي يجري إنجازُها تظلُّ مُعطّلة.

في فناء المحطّة الطرقيّة للحافلات مشهدٌ يُلخّص واقعَ المدينة. فإذا كانت المحطاتُ الطرقيّة واجهةً للمُدن، وأوّلَ ما تقعُ عليه عيْن الزائر، فإنّ محطة الحافلات بالعرائش تُعطي لزائر المدينة انطباعاً وصورة شاملة عمّا هُو عليه الوضع في باقي مرافق المدينة. حينَ زُرْنا المحطّة وجدنا فَناءها عبارة عن ضاية، إثرَ هُطولِ قطراتٍ من المطر، لمْ تجدْ مَنفذا، بسبب اختناق المجاري، أمّا باقي أركان المحطّة فهي في حالة يُرثى لها.

وعلى الرغم من أنّ محطة جديدة تمّ الشروع في بنائِها، إلا أنّ أشغالها ما زالتْ متعثّرة؛ وبحسب المعلومات المتوفّرة، فإنّ أشغالَ بناء المحطة الجديدة توقّفتْ بسبب إفلاس الشركة الفائزة بصفقة بنائها، وعمدَ المجلس الجماعي للعرائش إثر انسحاب المقاولة المفلسة إلى إعلان طلب عروض جديد، ورَسا الطلب على شركة جديدة، لكنّها لم تشرع في أشغال البناء، ولا يُعرف ما إنْ كان ذلك راجعا إلى عدم المصادقة على الصفقة لحدّ الآن، أمْ أنّ الشركة لم تتوصّل بأمر بدْء الأشغال، “المُهم أنّ هناكَ ارتباكا كبيرا في تدبير ورش المحطة”، يقول مصدرٌ لهسبريس.

مشروعٌ آخرُ ينتظرُ سكّان العرائش، خاصّة المهنيين، أنْ يفتحَ أبوابه، وهو السوق النموذجي، الذي انتهتْ به الأشغال، لكنّه لمْ يُسلّم بعد للمجلس الجماعي، في حين إن عملية توزيع الدكاكين وازتْها احتجاجات بعد مطالبة بائعين جائلين بإدراج اسمائهم ضمن قائمة المستفيدين. ومَا يُثيرُ الانتباهَ في مدينة العرائش هو أنّه حتّى المشاريع المنجزة حديثا يبْدو أنّها تتمّ “كيْفما اتّفق”. في الكورنيش الجديد مثلا، الذي ما زالت أشغال تهيئته جارية، تحوّلتْ أجزاءٌ منْه إلى ضايات بعد هُطول أولى قطرات المطر في موسم الشتاء الحالي، بسبب غياب منافذ.

وفي حينِ تعذَّرَ الاتصال برئيس المجلس الجماعي لمدينة العرائش المُنتخب حديثا لمعرفة رأيه حوْل الوضع الذي توجدُ عليه المدينة، وما إنْ كانَ لديه مُخطّط لتأهيلها، يظلّ العرائشيون يطرحون علامات استفهامٍ كبرى حوْل الجهة، أو الجهات التي تدفعُ مدينتهم نحوَ الدرك الأسفل من التردّي.

فهذه المدينة- يقول ياسين- تملك، من الناحية الفلاحية فقط، أراض خصبة شاسعة، تُبوّؤها الصدارة في إنتاج توت الأرض، والأرز، والكاكاو، لكنها لا تتوفّر ولو على معمل صغير لإنتاج الشوكولاته، مثلا، رغم توافر المادّة الخام، متسائلا: “ما دورُ المجلس البلدي إذا لمْ يجلب الاستثمارات إلى المدينة؟ يْسدّوه ويْهنّيوْنا”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع