أخر تحديث : السبت 22 أكتوبر 2011 - 3:12 مساءً

مزارعو الكيف .. حكايات فارين من العدالة

سليمان الريسوني - المساء | بتاريخ 22 أكتوبر, 2011 | قراءة

يقدر عددهم بـ 60 ألف مزارع ضمنهم أطفال ونساء و المساء التقتهم وسط الجبال والغابات

الآن، هنا.. يختبئ الهاربون من العدالة، بين هذه الغابات والجبال، التي سكنها قديما موريسكيون أندلسيون هربوا من محاكم التفتيش المسيحية. يقول مزارعو الكيف:
«وجدنا آباءنا وأجدادنا على هذه الزراعة فاتبعناها.. دون أن نعرف أننا سنصبح، في رأي العدالة، مجرمين».. فقهاء، فلاحون، ونساء…
 مصابون بـ«فوبيا» الدرك. يحكي الأهالي أن أحد أبناء المنطقة درس في الخارج واشتغل في «النازا»، وعندما عاد إلى البلدة، سألته أمه: «متى ستصبح دركيا يا  بني ؟!».. هنا حتى المسؤولون الذين تبَنّوا المقاربة التنموية يقولون إنها فشلت، لأنه لا يمكنك أن تنمّي منطقة نصف أفرادها «مجرمون» في رأي القانون. في هذه الجبال، التقت «المساء»، بصعوبة، رجالا ونساء لا يفرقون، من فرط خوفهم، بين صحافي ودركي: الكل عندهم «مْخزْن».. يضربون لك موعدا في الغابة، وللتدقيق، قرب العين أو الوادي…
في صيف 2007، كان «ع. ز.» يحتفل بزفافه. انطلق ليلا وسط أهله وأصدقائه من مدشر «أناسل»، التابع لقبيلة «بني زكار»، قرب مدينة القصر الكبير، للقاء العروس، التي زفّها أهلها إليه من المدينة. وفيما كان الموكب يردد أنشودة «من يعتصم بك يا خير الورى شرفا.. الله حافظه من كل منتقم»، التي يسير على أنغامها العريس هنا عادة، صرخ أحدهم: «الدرك.. الدرك»!… ترك «ع. ز.» وموكبُه الجمل بما حمل وقصدوا الغابة…
اعترافات الهاربين من العدالة
في طريقها إلى شفشاون، وقبل الوصول إلى سوق القلة، كانت «المساء» على موعد مع «احمد ع.» ومع شاب رفض أن نذكر ولو اسمه الشخصي… عندما اقتربت السيارة التي كان صحافي «المساء» قد حدّد نوعها ولونها، من مكان وجودهما، خرجا كجدييْن تائهيْن من الغابة ولوّحا للسيارة بالوقوف. قال «احمد ع.» إنه مبحوث عنه منذ أبريل 2005، قبل شهرين من حملة محاربة الكيف، عندما جاء ثلاثة من رجال الدرك، بقيادة «لاجودان أغيوس»… «كنت أحرث الذرة قرب مدشر «أزلا» بجرار في ملكية أربع أسر، أنا واحد منهم. أوقفونا وأرادوا اعتقالنا فتركنا الجرّار وهربنا نحو الغابة، فيما ظلوا هم يصرخون: «رجعو نتفاهمو معاكوم». الآن، أنا الذي أصبحتُ مبحوثا عني، لأن الورقة الرمادية للجرار كانت في اسمي، ورغم أني أعطيتهم لاحقا أموالا ورؤوس ماعز وخْوابي عسل.. فإنهم لم يعملوا على التشطيب على اسمي من قوائم المبحوث عنهم». ورغم أن «أحمد ع.» ما يزال موضوعَ مذكرة بحث، فإن «نظام الجْماعة والمقدم المغربي» لا يقطع مع «العصاة» بشكل نهائي، بل يظل على اتصال بهم، لضبط الأمور، خصوصا الأمنية منها. فـ»المقدم» يعرف مكان «أحمد ع.» عندما يريد إطْلاعه على أمر لا يحتاج إلى تأخير: «قبل ثلاث سنوات، أوقفت السلطات رخصة السلاح المسلمة إلي من الجامعة الملكية للقنص. لكن قبل أشهر، حمل لي «المقدم» استدعاء بتسليم بندقيتي «الجّْويجة». يصمت أحمد ويتحدث مرافقه، الحريص على الكلام بدون تحديد هويته: «كان عليك أن تأتي يوم أربعاء، يوم السوق الأسبوعي، لترى أن النساء هنّ من يقصدن السوق. كما أن غالبية رجال القبيلة عندما يريدون شراء تجهيزات كبيرة لا يقصدون القصر الكبير، التي نتْبع لها إداريا، بل يتجهون بالبهائم نحو وزان.. عندما نصل إلى دوار اسمه «الزرايب»، نربط دوابّنا ونركب سيارات الأجرة. أما في المواسم الماطرة، فإننا نتنقل إلى وزان عبر قوارب خشبية تعْبُر بنا السد». يصمت (المجهول) ويعود «أحمد ع.» للحديث: « عائلتنا مكحلاها تحن مبحوث عنا جميعا.. أنا وإخوتي والوالد، باستثناء الوالدة»…
اجتزنا جماعة «القلة» وانحرفنا يسارا، نحو «جبل العلم»، حيث مرقد القطب الصوفي مولاي عبد السلام بن مشيش. على الطريق إلى مدشر «الحصن»، الذي بلّطتْه صفية القدافي، زوجة الزعيم الليبي السابق، في إحدى زياراتها إلى ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، الذي تدّعي نسبا إليه، تمر سيارات الدرك الملكي، بين الفينة والفينة، لتبحث عن هاربين من العدالة في اتجاه غابة «بوهاشم». تهمة هؤلاء المبحوث عنهم أنهم «ورثوا» عن أجدادهم زراعة الكيف، كما ورثوا العلم والتصوف، فمزجوا، دون «عقدة»، بينهما.
أحد هؤلاء هو «ادريس ك.» شاب ثلاثيني التقته «المساء» بالقرب من عين مائية في المدشر، ففتح سِجلّ ذكرياته مع العدالة: «في 1998، كنت طالبا قرآنيا، أدرس على يدي والدي، الذي كان فقيها «مْشارط» في نواحي فاس. في إحدى العطل الصيفية، عدت إلى مدشرنا، «الحصن». اشتغلتُ عاملا لدى أحد مزارعي الكيف، مقابل 50 درهما في اليوم. مرة، وقعت خصومة بين مُشغِّلي وإحدى العائلات، وحتى ينتقموا منه قدموا شكاية مفادها أنه رئيس عصابة مسلحة بالبنادق.. نحن العمال الـ11 أعضاء العصابة، وهذا كله كذب. لقد كان من جملة من يشتغلون معنا، الفقيه السي المختار. بدأ المشتكون بنا يحملون جِرار «خوابي» العسل، طيورَ الحجل وصغار الأرانب كـ«رشوة» إلى قائد الدرك ويُحرّضونه على اعتقالنا.. مرة، استغل رجال الدرك حضورنا جميعا عرس أحد أصدقائنا في المدشر فاعتقلونا واقتادونا نحو «عين القشور» (عين مائية شهيرة في منطقة مولاي عبد السلام). تظاهر رجال الدرك بأنهم يكتبون لنا تقريرا في الهواء الطلق… التمسنا منهم أن يطلقوا سراحنا. أعطاهم كل واحد منا مبلغ 50 درهما، وأضاف أحدنا إلى ذلك المبلغ «شبكة» من الكيف و«شواري» من «طابا».. باعوها في الطريق، ثم انصرفوا إلى حال سبيلهم! لكننا بقينا، منذ 1998، مطلوبين للعدالة، ليس بتهمة تشكيل عصابة -كما قيل لنا- بل بتهمة الاتجار في المخدرات، رغم أننا كنا مجرد عمال في أرض. ومنذ ذلك التاريخ، هاجر البعض إلى إسبانيا بطريقة غير شرعية، وهناك من ما يزالون يعيشون على هاجس الاعتقال، بين المدشر والغابة. أما أنا فقد قررتُ، في 2006، أن أضع حدا للعيش في الخوف وسلّمت نفسي إلى سرية الدرك الملكي في العرائش. أحالتني السرية على قاضي التحقيق، الذي قرر «متابعتي قضائيا» وأمرني بعدم مغادرة الإقليم. ظللتُ ملتزما بالحضور كل 15 يوما إلى سرية الدرك، للتوقيع. بعد 9 أشهر، تمت إحالتي على محكمة الاستئناف في طنجة، والتي حكمت ببراءتي»…
لا تختلف قصة إدريس كثيرا عن قصة ابن مدشره، «يونس و.»، الذي التحق بنا قرب العين، ورغم أن يونس بدا، في البداية، مترددا في الحكي عن معاناته مع العيش «بدون هوية»، فسرعان ما شجّعته جرأة زميله، السابق، في «المسيد» على الحكي. قال يونس: «كنت أدرس في «المسيد»، حفظت القرآن كله. في سنة 1990، توفي والدي وغاب أخي الأكبر، فجأة، عن الأسرة، هو الذي كان يعيلنا بعد الوالد. اضطررتُ للخروج إلى العمل. اشتغلت هنا وهناك، إلى أن طلبني أحد الأشخاص للعمل في تنقية أرضه من الأعشاب. ذات مرة من سنة 1999، خرج الدرك يبحثون عن مُشغّلي على إثر شكاية كيدية من أحد منافسيه. ورغم أنه لم يكن يصلني من مداخيل مُشغّلي، من زراعة وتجارة الكيف، أكثر من 50 درهما في اليوم، فقد أصبحت «أقتسم» معه تهمه. ذات ليلة، كنت أقف قرب «سقاية بوهاشم» في المدشر، حين توقفت سيارة للدرك. سألني عناصرها عن «يونس و.» (الذي هو أنا) فقلت لهم إنني لا أعرفه… تركوا استدعاء باسمي عند «المْقدّْم». وفي الصباح، قررت زيارة سرية الدرك في العرائش. استمعوا إلي. قلت لهم إنني طالب قرآني خرجت إلى العمل لإعالة إخوتي. اقترحوا علي أن يطلقوا سراحي مقابل مبلغ ماليّ لم أكن أتوفر عليه. وعندما تيقنوا أنّي «مفلس»، أطلقوا سراحي. ظللتُ، من حين إلى آخر أتوصل باستدعاءات. تُؤخَذ أقوالي ويُخلى سبيلي، إلى أن تمت إحالتي على المحكمة في أواخر سنة 1999. ونظرا لأنّي خفتُ أن يلقى علي القبض، قصدتُ مدينة الجديدة، بحثا عن عمل. ونظرا إلى عدم قدرتي الإدلاء ببطاقتي الوطنية، التي انتهت صلاحيتها بعد مدة قليلة من تلك الواقعة، فقد اشتغلتُ حارسا لأعشاب البحر في الميناء مقابل 35 درهما لليلة»…
قرب ضريح مولاي عبد السلام، التقت «المساء»، دون سابق موعد، «محمد و. ك.»، شاب في الثلاثين من العمر، جاء من مدشر «أدايوغ»، التابع لإقليم تطوان، طالبا «بركات» القطب الصوفي. تحدّث هذا الشاب في موضوع عرَضيٍّ ريثما يطمئن إلى غرض «المساء» من هذه الزيارة». فحكى، دون أن تغيب عن وجهه ابتسامة طفل صغير، كيف أنه كان مطلوبا للعدالة من دون سابق إشعار. قال إنه لم يخطر بباله، يوما، أن مقدم المدشر سيتسبب له في «مأساة» اجتزأت 3 سنوات من عمره: «في أحد أيام شتاء 2008، سافرتُ مع بعض الأصدقاء في رحلة إلى إفران، ومنها إلى عدد من مدن الجنوب. عندما وصلنا إلى مدينة آسفي، قررنا قضاء الليلة في أحد الفنادق، بعدما كنا نعمل على اكتراء منازلَ في المدن الأخرى التي توقّفنا فيها. في الفندق، أدليتُ ببطاقتي الوطنية دون أن ينتابني أي شك في أنني قد أكون محط مذكرة بحث، لأفاجَأ، بعد حوالي ساعتين، بعناصر من الشرطة تداهم غرفتي وتقتادني نحو مخفر الشرطة… بذلتُ قصارى جهدي لإقناع المحكمة بأنه لا علاقة لي بزراعة المخدرات ولا بالاتجار فيها، لكنّ رأي القاضي استقرّ على معاقبتي بـ3 سنوات سجنا، قضيتُها، بالوكالة، عن والدي، الذي يحمل بدوره اسم محمد»!…
وإذا كان ادريس ويونس، ابنيْ مدشر «الحصن»، قد ظلا متشبثَيْن بأنهما كانا مجردَ عاملين في منطقة لم يكن فيها من عمل غير زراعة الكيف، وقال محمد إنه ذهب ضحية تشابه اسمه لاسم أبيه، فإن «عريبو ع.» الذي يتحدر من مدشر «بني مرقي» في قبيلة «بني جرفط»، القريبة من العرائش، والذي التقته «المساء» في مكان ما من غابات منطقة «جبالا» (شدّد على تجنب الإشارة إلى مكانها في التحقيق الصحافي) قال: «أنا مزارع للكيف منذ بداية التسعينيات. في سنة 2006، سقطتُ من فوق جرار، وكنتُ مضطرا للذهاب إلى مصحة في مدينة طنجة، فقام أحد أقربائي، الذي كانت لي معه خصومة حول بقعة أرضية، بتبليغ الشرطة، حيث تم اعتقالي والحكم علي بـ10 سنوات سجنا، قضيت منها 5 سنوات وأُخلي سبيلي. وقد كان ذلك الاعتقال «خيرا» لي، حيث حصلتُ وأنا في السجن على البطاقة الوطنية وغادرت السجن كما ولدتني أمي»…
كيف أصبح عريبو مبحوثا عنه؟ «في صيف 2009، سقطتْ طائرة مُحمَّلة بـ«الحشيش» غيرَ بعيد من مدشر «بني مرقي»، وبعدما فر أصحابها الأجانب، ألقت مصالح الدرك القبض على بعض الرعاة، الذين قالوا إني مصْدر تلك السلعة.. هنا، اضطررت إلى مغادرة منزلي في طنجة في اتجاه الخلاء.. الغابات أرحم لي»!…
نساء فوق نار  «الكيف»
في دوار «زازو» التابع لجماعة باب برد، حكت لـ«المساء» سيدة في الستينيات من العمر، تحفظت عن ذكر اسمها، قائلة: «قبل أزيد من سنة تم تبليغ الدرك من طرف خليفة القايد «الحضري»، وكان على خلاف مع المقدم الذي تربطني به علاقة دم. قال الخليفة للدرك بأنني أخزن مخدرات في بيتي، فداهمته عناصر الدرك الملكي في منتصف الليل، وعندما لم يعثروا على أي شيء، قاموا بشكل انتقامي بضرب أكياس القمح بالسكاكين، كما سكبوا قوارير زيت الزيتون في المرحاض، وعندما سألتهم عن ذلك قالو لي شككنا في أن يكون زيت «الحشيش». كل هذا لأن الخليفة حرضهم ضدي».
السنة الماضية (2010)، وغير بعيد عن دوار زازو، وبالضبط في مركز باب برّد، حكى العياشي عن ماساة زوجته التي أجهضت وهي في شهرها السابع، بعدما حاصر أعداد من رجال الدرك، دون سابق إنذار، بيت العائلة وأخذوا يسحبون أكياس الكيف، وهو يصيحون في وجهها: أين زوجك.. أين العياشي»، لحظتها أغمي عليها و سقط حملها
أما في مدشر الحصن بمولاي عبد السلام، فقد حكي الأهالي قصة «ورحمة «و.»، وابنها «محمد.ش» الذين كان يعيشان في منزل صغير. في إحدى المرات خطر ببال الابن أن يبني منزلا أوسع بالجوار، فأوقفه جاره «مجاهد.ش» الذي كان على خصومة معه. تشابكا بالأيدي، بعدها أبلغت رحمة وابنها مصالح الدرك عن جارهما الخصم، قالا بأنه يخزن الكيف في منزله. بعجالة داهم رجال الدرك منزل «مجاهد ش»، اعتقلوا والده البالغ من العمر 70 سنة، وعمته التى وجدت معهم في المنزل. ظل والد «مجاهد»، الشيخ السبعيني وعمته، معتقلين لمدة 4 أشهر، ولم يخل سبيلهما إلا بعدما سلم «مجاهد» نفسه. الآن، ولمكر الصدف، فإن محمد «ش.» وأمه «رحمة و.»، اللذين وشيا بعائلة مجاهد، هما اللذان أصبحا مطلوبين للعدالة ويعيشان في خوف دائم.
الخوف الجماعي
 في سنة 2005، أُعلن إقليم العرائش «إقليما بدون كيف»… امتثل كل سكان المداشر، طوعا أو كرها، لهذا النداء الذي كان مصحوبا بحملات قادها الجيش لحرق الحقول. قيل للمزارعين إن الدولة ستُسقِط المتابعات القضائية في حقهم وستُمكّنهم من زراعات بديلة؛ لكنْ، قبل أن تؤتي الأشجار أكلها، أتى رجال الدرك يبحثون عن مطلوبين للعدالة بأثر رجعي…
يحكي محمد كرمون، رئيس جمعية مدشر «الحصن» للتنمية الشاملة قائلا: «في سنة 2010، زارتْنا عالِمة من بلاد الغال، مهتمة بالحفاظ على نوع قردة «زعطوط»، الموجودة في جبال الريف، اسمها سيان واتر، ثم ما لبثت أن التحقتْ بها صديقة لها اسمها تاملين واتسون. ذات مرة، عضّت قطة مصابة بالسعار امرأة من المدشر، فتوفيت المرأة… خمّنتْ تاملين واتسون أنه يُحتمَل أن يكون كلب مسعور قد عضّ القطة، لذلك قامت، بتنسيق مع المصالح البيطرية في تطوان والعرائش، بحملة لتلقيح كلاب المنطقة ضد السعار. ولتنظيم العملية، خصصت لكل كلب دفترا، قررتْ أن تسجل فيه معلومات عنه وأخرى عن مالكه، لكنها، مع بداية العملية، فوجئتْ واتسون بأن مجمل أرباب الأسر، الذين تحمّسوا لعملها، كانوا يرفضون الإدلاء ببطائقهم الوطنية ويدلون، بدلها، ببطائق زوجاتهم. حينها، اكتشفت «مرضا» آخرَ يهدد ساكنة هذه المداشر، إلى جانب السعار.. إنه الخوف»!…
بعيدا عن مدشر «الحصن» في «مولاي عبد السلام، قريبا من حالة الخوف الجماعي التي يعيشها سكانه، حكى مزارعون في قرية «باب برد»، القريبة من كتامة، لـ»المساء» كيف أن رئيس الجماعة أراد أن يُنشئ جمعية للآباء فكلّف أحدَ أطر الجماعة بتنظيم جمع عامّ، لانتخاب مكتب مسيّر للجمعية. إلا أنه عندما طلب منهم الإدلاء ببطائقهم الوطنية لتكوين الملف الإداري وإيداعه لدى السلطات، خرج كل أعضاء المكتب بدون استثناء ولم يعودوا»…
في مدشر «الحصن»، التقت «المساء» بـ«علي ك.»، الذي كان مزارعا للكيف، قبل منعه في 2005، وهي السنة لم يغادر فيها المدشر إلى الآن، بسبب اعتقال قريب له في معبر سبتة، الحدودي، وهو يحمل في سيارته 42 كيلوغراما من «الحشيش». يحكي«علي ك.» قائلا: «عندما اعتُقِل ابن عمي عبد السلام، رفقة ابنه، المختل عقليا، رفض إطْلاع الشرطة على مصدر الشحنة، لكن ابنه دلّهم إلى المدشر ومنه على مسكني. فتّشوا البيت، ركنا ركنا، وعندما لم يعثروا على مرادهم، أخذوا صورة كبيرة لي كانت مُعلَّقة في إحدى الغرف وعادوا أدبارهم. الآن، ومنذ 2005، لا أتوفر من الوثائق الثبوتية إلا على الحالة المدنية. ولم أتوجه، طيلة هذه المدة، نحو أي مدينة ولا إدارة ولا أغادر المدشر إلا في اتجاه الغابة، حين أعلم بمقدم الدرك».
غير بعيد عن مدشر «جهجوكة»، الذي سحر موسيقيوه كبار المشاهير في عالم الفن والأدب، من أمثال الكاتب الأمريكي الشهير بول بولز ومايك جاغر، نجم مجموعة «رولينغ ستون»، الموسيقية… يوجد مدشر «الدلم الغميق»، التابع لإقليم العرائش، والذي لا يفصله عن قبيلة «رهونة»، التابعة لإقليم وزان، غير سد وادي المخازن. لكن الفرق بين مداشر الضفة الغربية والشرقية للسد أعمق من عمق السد نفسه… هناك، في مداشر «رهونة»، لا تُنبت الحقول إلا الكيف.. وهنا في «الدلم الغميق» وفي المداشر المجاورة له: صخرة القط، صفّ تراولة، تفّر، ودار عطار.. لم يعد لهذه النبتة من وجود منذ 2005، ما يعني أن الناس هناك في «رهونة» يعيشون في بحبوحة، فيما الفقر هنا «وصل إلى العظم»، بتعبير أحد أبناء «الدلم الغميق». هناك، في «رهونة»، المداشر مُجهَّزة بالطرق والماء والكهرباء، هنا ما يزال الناس يضيئون بقناديل الغاز… هناك، عندما يَزُور رجال الدرك مداشر «رهونة»، يعودون مُحمَّلين، بدل رجال رجال مطلوبين للعدالة، بالمال.. هنا، لا يقصد رجال الدرك المدشر إلا عندما يأمرهم وكيل الملك باستقدام أشخاص مبحوث عنهم.
في سنة 1975، اقتطعت الدولة جزءا كبيرا من أراضي مدشر «الدلم الغميق» لتقيم عليها سد وادي المخازن. وقد قيّمتْ «لجنة مختصة» ثمن الأرض بـ50 سنتيما للمتر المربع بالنسبة إلى الأراضي الخاصة! أما أراضي الجموع فلم يتسلم عنها أهالي المدشر أي مبلغ إلى الآن… اضطر هذا الأمر أهالي «الدلم الغميق» إلى اجتثاث أشجار الغابة لاستصلاح أراضٍ زراعية. ولمّا كانت أغلب مزروعاتهم، في سنوات الثمانينيات، من الكيف، فقد أصبحوا موضوع مذكرات بحث من طرف الدرك الملكي، بتهمتين «كبيرتين»: اجتثاث أشجار الغابة وزراعة الكيف.. فكنت تجد أن الواحد مُطالَب بأداء مَبالغَ تبدأ من مليون سنتيم لفائدة إدارة المياه والغابات، وإذا ما توفرت له وذهب لتأديتها، يُلقى عليه القبض بتهمة زراعة الكيف…
إضافة إلى مذكرات البحث، بسبب زراعة الكيف، وغرامات قطع أشجار الغابة، يعاني سكان المدشر من تبِعات غرامات خيالية جراء قيامهم بحرث الأراضي التي ينحسر عنها الماء في سنوات الجفاف، «عندما يفرغ السد في الأعوام التي تعرف قلة في التساقطات، نهبط للحرث هناك، فتنزل المياه والغابات علينا بغرامات قد تصل إلى 10 ملايين. أنا، شخصيا، هل كنت سأبقى في هذا المدشر لو كان عندي هذا المبلغ؟!»، يحكي «عبد العزيز ك.»، وهو يسحب نفَساً عميقا من «السّبْسي». ويتابع جليسه عبد السلام: «لم يتبقَّ في المدشر كله سوى «سْميطة» من الأرض، مساحتها 30 هكتارا غرسوها بأشجار «البينيا» وتركونا عرضة للضياع والخوف. الآن، كل رجالها الدائرة الـ3، المشكلة من دواوير (الدلم الغميق، صخرة القط، صف تراولة، تفّر، ودار عطار) مُطارَدون ويعيشون بين فكّيْ الفقر والخوف».
لا يكون الخوف، الذي يتكرّس بين سكان هذه المداشر، بالضرورة، من فعل سياسات «غير حكيمة» اتُّبِعت في هذه المنطقة أو بفعل زراعة الكيف، التي يقول بصددها المزارعون «هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا».. بل يعود، أيضا، إلى أمزجة الناس، العنيدة هنا، فـ»جْبالا» يشتهرون بالعناد والتصلّب، اللذين تجسدهما مقولة «ولو طارتْ.. معزة». وهُم يُخزِّنون أحقادهم كما تُخزِّن الجبالُ أسرارَها، حتى إذا رأوا الوقت مناسبا هرعوا للانتقام بلا شفقة من خصومهم…
جعلت زراعة الكيف الطريق سالكة لمثل هذا الانتقامات: «قد يكتب الواحد ضدك شكاية كيدية مفادها أنك تتّجر في المخدرات لمجرد أنك لم «تُواسِه»، بالشكل الذي يُريده هو، في اعتقال قريب له».. يقول شيخ التقتْه «المساء» في إحدى مقاهي القصر الكبير. أصْدقُ مثال على هذا النوع من تلفيق التّهَم والشكايات الكيدية هو ما حدث لـ»الهاشمي م.» من مدشر «أناسل» في «سوق القلة». حكى الهاشمي، مثل كائن قدَري منذور للتراجيديات، قائلا: «في 2007، «كتب» بي أحد خصومي رسالة كيْديّة إلى الدرك. ومن حسن حظي، أنّي رأيتُ في إحدى الليالي شخصا يحمل مصباحا يدويا يتحرك في حديقة بيتي. عندما غادرها، ذهبت إلى المكان الذي كان يتواجد فيه فعثرتُ على كمية من «الحشيش»، الرديء، وعلى خراطيش رصاص حي، فسارعتُ على رميها بعيدا. وللحظات، حل الدرك ببيتي وراحوا يبحثون في نفس المكان»…
لم يتوقف استهداف عائلة «الهاشمي م.» عند هذا الحد بل، يقول الهاشمي، «لقد وصل الأمر بالكائدين إلى حد محاولة تعليق دم إحدى السيدات اللواتي عُثِر عليها قتيلة في مدشر «أناسل» في رقبة ابني، حيث ساق الدرك ابني، بناء على شكاية وشاية كاذبة، إلى سرية العرائش ووضعوا أسلاك الكهرباء في عُضوه التناسلي، لكي «يعترف» بقتله الضحية، لكنه لم يفعل»…
وإذا كانت هذه القبائل وتلك العائلات قد استسلمت لخوفها واستكانت إليه، فإن القبائل المتاخمة لـ«كتامة»، والتي تقول إنها تزرع الكيف بظهير من السلطان محمد الخامس، كسرت حاجز الخوف، عندما انتفضت في نونبر من السنة الماضية، في مسيرة انطلقت من قيادة «باب بْرّد»، شارك فيها المئات من المتظاهرين من قبائل «بني خالد»، «بني رزين»، «تامورات»، و«الجبهة»، الذين رفعوا شعار «هذا عارْ.. هذا عارْ.. المخزن ولاّ شْفّارْ»
مافيا الرسائل المجهولة
في أحد مداشر باب برد (أصر 5 مزارعين بحضور النائب الجماعي عبد الله الجوط على عدم ذكر أسمائهم ولا اسم مدشرهم)، وبين حقول الكيف حديثة الحصاد، حكى شاب في الأربعينات من العمر، اقترح أن نناديه يوسف، قال «في فبراير المنصرم جاء دركيان يسألون عني، قالوا إنني متهم في صفقة كبرى لتهريب المخدرات. فالتقى بهم عمي وأكد لهم أن الأمر لا يتعلق بي بل هو محض تشابه في الأسماء، أعطاهم مبلغا ماليا فانصرفوا. بعد شهرين، داهموا بيتي على الساعة الثانية بعد الزوال وجدوا «الخدامة» (الذين ينفضون الكيف ويحولونه إلى «حشيش») عثروا على عبوتين من زريعة الكيف، وعلى مبلغ ثلاثة ملايين سنتيم. اعتقلوني وذهبوا بي لمسافة 3 كيلومترات. في الطريق قالوا لي إنهم مطالبون بأن ينجزوا لي تقريرا ويقدموني إلى وكيل الملك، لكن (يضحك) الهاتف سبق «الرابور». أعادوا إلى مليونين ونصف وأخذوا 5 آلاف درهم وتركوني عائدين أدراجهم».
صمت (يوسف) وتحدث، على منواله شاب في مثل سنه. اقترح تسميته سعيد. قال سعيد: «أنا عندي فدان صغير من الكيف. لثلاثة مواسم متتالية، عندما تأتي حملة محاربة الكيف يحرقون حقلي ضاربين المثل بجدية أفعالهم، بينما هم لا يمسون الحقول الشاسعة التي تظهر سنابلها الخضراء من مدخل المدشر». يتحدث سعيد إلى «المساء» كما لو أن صحافيَها خبير بتفاصيل المنطقة وأبنائها: «في السنة الماضية انفرد عبد الشافي بـ»لاجودان» وأعطاه 2000 درهم طالبا منه ألا يحرق فداني الصغير، قال له: سعيد فقير ويشتغل مع الناس… لكن اللجنة كانت قد قررت تصوير غلتي الصغيرة من الكيف تحترق. الله غالب».
وعندما رأى يوسف أحد جلساء «المساء» ينسحب بعد أن ظل صامتا طيلة اللقاء، حمل رزمة كيف وضربه بها على سبيل المداعبة، وأردف «أنت لن تحكي قصة الـ7000 درهم؟» علا الهرج بين الجالسين، مطالبين محمد بغمز ولمز لا يخلو من شماتة، خفيفة أن يحكي ما حدث له. جلس محمد، وهذا اسمه الحقيقي، يحكي بجرأة غير متوقعة، قال: «سأحكي لك باسمي وبالمكان الذي وقع فيه الحادث… في السنة الماضية، كنت أحرث قطعة أرض صغيرة توجد في دوار بني عمر في «الأخماس». عندما رأيت سيارة الدرك قادمة، لذت بالفرار تاركا سترتي وفيها 7000 درهم كنت سأقتني بها أسمدة فلاحية. حملوا السترة بما فيها وعادوا أدبارهم».
عاد يوسف ليحكي، بطلب من المستشار الجماعي عبد الله الجوط، الذي قال له «عاود لينا القصة للي وقعت نهار الخميس في دار بورخا». فانطلق يوسف «يوم الخميس الماضي، دخل ثلاثة دركيين إلى مدشر «دار بورخا». أول ما صادفهم شاب يقتعد صخرة ويلف لفافة حشيش «جوان»، فتشوه فلم يجدوا لديه مالا. وضعوا له «المينوط»، وبالرغم من أنه ترجاهم ليطلقوا سراحه فقد رفضوا بشدة. وللحظة، انفردت بكبيرهم قائلا: فك عني القيود حتى أنادي على من يأتيني بمبلغ مالي أسلمه لكم. وكذلك كان، عندما فكوا قيوده، نادى على أحد أصدقائه من عتاة شباب المدشر، فجاء هذا الأخير مصحوبا بـ15 شابا مسلحين بالعصي وطوقوا الدركيين الثلاثة، فأصبح هؤلاء هم من يتوسلون إلى الشباب ليتركوهم يغادرون المدشر، ولم يخلصهم من أيديهم إلا مجيء القائد الذي تدخل بخيط أبيض…
بعيدا عن المداشر المتاخمة للريف في باب برد، استمعت «المساء» إلى حكايا أغرب من الخيال عن جرائم ارتكبها أناس يفترض فيهم محاربة الجريمة إنهم رجال الدرك الملكي. هنا في قبيليتي أهل سريف وبني يسف، التابعتين إداريا لإقليم العرائش، بدأ عناصر من الدرك الملكي، مع بداية التسعينيات، يدخلون إلى المداشر ليلا. يداهمون البيوت بعد أن يكون أصحابها مستسلمين للنوم. تارة يدلون بأمر النيابة العامة بالتفتيش وتارات لا يسمح الخوف وهول المفاجأة والأمية، للعديد من المداهمة بيوتهم بمطالبة عناصر الدرك بما يبرر فعلتهم. «أحد أشهر رجال الدرك هؤلاء في «تاريخ» سرية الدرك الملكي في «تطفت» اسمه عبد الرزاق. كان يحرر الشكايات بنفسه ويبعث بها إلى وكيل الملك في القصر الكبير وإلى سرية الدرك في «تطفت»، ثم يدبر ليلا عمليات مداهمة الدور واعتقال المزارعين ثم ابتزاز. كان يشتعل لصالحه عدد من «الشكامة» في هذا المدشر أو ذاك، يخبرونه أن فلانا أدخل الكيف إلى بيته فيسارع بكتابة شكاية مجهولة يوقعها بـ»فاعل خير»، وبناء عليها يتحرك لاعتقال هدفه المحدد، وعوض كتابة محضر له وتقديمه إلى النيابة العامة، يبتزه بالملايين ويخلي سبيله، ثم يسجله في عداد الفارين، ليظل ذلك الشخص مبحوثا عنه طيلة حياته»، يحكي «أحمد ع.»، من مدشر القلوع التابع لجماعة سوق القلة، ويستطرد أصدقاؤه تفصيلا في مقالب الدركي عبد الرزاق. كيف توصل الأهالي إلى حقيقة هذا الدركي؟ «بناء على اعترافات «شكامة» تائبين. لكن ذات يوم جاء ذلك على لسانه. فبعدما لم يعد يشتغل في سرية تطفت، التقيناه مرة في حالة سكر بيّن فاعترف من تلقاء نفسه بذلك». بعد الدركي عبد الرزاق، سلك نفس مسلك الرسائل المجهولة قائد سرية الدرك الملكي في تطفت «لجودان لحلو» والذي قضى في حادثة سير بالمنطقة. يحكي «رشيد ح.» قائلا: «لاجودان لحلو كان يقود مافيا مشكل من عناصر في محكمة القصر الكبير، وعضو حالي في المجلس الإقليمي للعرائش، وضابط استعلامات في القصر الكبير. وقد كان يبعث للنيابة العامة برسائل مجهولة تتهم بعد الأشخاص بزراعة الكيف والاتجار في المخدرات، وعندما كان يقصد رفقة عناصر سريته أحد «المبلّغ عنهم» كان يداهم بيوت أخرى في طريقه، ثم يبتز أصحابها بإطلاق سراحهم مقابل ملايين السنتيمات». حقد ساكنة مداشر جماعتي «تطفت» و»سوق القلة» على «لاجودان لحلو» جعلتهم يقيمون حفلات نحروا فيها الذبائح عندما وصلهم خبر موته في حادثة سير قرب قنطرة طريق لخروف بالقصر الكبير. يضيف «رشيدح.» قائلا: «عندما مات، كنت حاضرا، عثروا داخل سيارته على رشوة بـ10 ملايين سنتيم كان قد تسلمها لتوه. أنا أعرف مزارع الكيف الذي سلمها له».
 
العفو قبل التنمية..

في منطقة مولاي عبد السلام، التقت «المساء» أحمد الوهابي، عضو «الجمعية المغربية للصحافة والإعلام». قال الوهابي إن العفو الملكي الشامل هو الحل لهؤلاء المزارعين البسطاء، الذين يعيشون على الكفاف. وأضاف الوهابي أن العامل السابق للعرائش، ماء العينين بن خليهن، الأمين العام الحالي لـ»كوركاس»، سبق له أن وعد بأن جميع المتابَعين في ملفات الكيف في الإقليم سيستفيدون من «العفو» بعد الحملة على الكيف، التي قادها سنة 2005. «لقد قال هذا الشيء لحكيم بنشماس ولصحفية فرنسية، بحضوري، عندما سأله بنشماس قائلا إن كل رجال مدشر «الفدان الكبير» متابَعون في ملفات مخدرات، لحظتها، أجابه العامل بأن كل هؤلاء سيعفى عنهم».
وإذا كان بنشماس قد تحدث مع العامل قبل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، فإن مؤسس الحزب، فؤاد عالي الهمة، وأمينه العامّ، الشيخ بيد الله، والرجل القوي فيه، إلياس العماري، طالبوا -جهارا نهارا- أثناء الحملة الدعائية للانتخابات الجماعية لسنة 2009، بوضع حد للمتابَعات القضائية في حق مزارعي الكيف. حين قال الهمة «اللي هاربين خاصهومْ يهبطو من الجبل ونجلسو معاهومْ وتدار أيام دراسية في الموضوع.. والكيف خاصّو يْبقى.. وسنسعى إلى أن يبقى، ولكنْ في إطار القانون، ويستغل لأمور طبية، أنتم مجرد ضحايا، والفلاح الصغير يتقاضى عن الكيف مثل ما يتقاضاه عن الزراعات الأخرى.. واللي كيستغلوكوم هوما المهربين الكبار»…
في رحلتها نحو منطقة «جبالا»، سفوح سلسلة جبال الريف، التقت «المساء» محمد الوهابي، رئيس جماعة تازروت، المنتمي إلى «البام»، في مقر الجماعة. وتحدث الوهابي عن «معاناة الهاربين من العدالة» من مزارعي الكيف، رغم قوله إن جماعته لا تتوفر إلا على عدد قليل منهم. لكن الرئيس قال إنه من غير المعقول أن يظل الواحد محط مذكرة بحث محروما من كل حقوقه الوطنية، رغم أنه ترك زراعة الكيف منذ سنة 2005.
وكان المسؤول الثاني الذي التقته «المساء» هو عبد السلام الوهابي، النائب الأول لرئيس جماعة «بني عروس»، التي يرأسها عبد الهادي بركة، عم نزار بركة، الوزير المكلف بالشؤون الاقتصادية والعامة. وأول ما قاله هذا المسؤول هو «إنني ألتمس من الملك، باسم السكان، أن يصدر عفوه الكريم عن أبناء هذه المنطقة، الذين لم تعد تهُمُُّهم المشاريع التنموية أمام ما هم فيه من خوف يلازمهم». كما قال الشيخ بيد الله، خلال نفس اللقاء في جماعة «إيساكن» (كتامة) إنه «لا يعقل أن يظل آلاف رجال المنطقة في حالة فرار.. الآن فقط، فهمت لماذا عندما كنت وزيرا، لم أكن أرى على الطريق نحو كتامة سوى النساء، فجل الرجال مطارَدون من قِبَل السلطات بتهمة زراعة الكيف» .أما إلياس العماري، ابن المنطقة، العارف بتفاصيلها، فقد قال إن «في كتامة حوالي 60 ألف مواطن، 50 ألفا كلهم في حالة فرار بتهمة زراعة الكيف»، مضيفا أن «الناس هنا يزرعون الكيف منذ عهد الحسن الأول.. ولمّا جاء الاستعمار رخّص لهم بهذه الزراعة بظهير شريف من السلطان، وكانوا يُؤدّون الضرائب عن هذه الزراعة، وفي سنة 1960، كانت الدولة تشتري من المزارعين بضاعتهم وتحرقها… وبعد 3 سنوات من هذا التاريخ، حُرِّمت زراعة الكيف وتُرِكت المنطقة لمصيرها».
  
عبد الله الجوط ناشط حقوقي ومستشار بجماعة باب برد: الهاربون من العدالة هم في الحقيقة هاربون من الظلم
– ما مدى معاناة الفارين من العدالة بسبب ملفات زراعة الكيف والاتجار في المخدرات؟
> هؤلاء الهاربون من العدالة هُم، في الحقيقة، هاربون من الظلم، لأن أغلبيتهم من الفلاحين البسطاء الذين لا يملكون المال الكافي للدفاع عن وضعيتهم ويعانون من التشتت العائلي ومن تراكم المشاكل الإدارية والاجتماعية والنفسية. كما يتعرضون، باستمرار، لاستغلال السلطات التي ترغمهم على دفع «ثمن الاختفاء عن الأنظار».. وفي أغلب الأحيان، يتم «العثور» عليهم بمجرد عجزهم عن أداء «مقابل» بقائهم فارين من العدالة.. لذلك أطلب من الجهات المسؤولة العفو الشامل عن هؤلاء المزارعين، لأن أغلبية المبحوث عنهم هم ضحايا الرسائل الكيْديّة، التي تكتب من طرف رجال السلطة أحيانا.
– لديكم مقاربة تقوم على تقنين إنتاج الكيف، ما هي أهم مرتكزاتها؟ وإلى ماذا تهدف؟
> لقد أثبتت المقاربة الأمنية فشلَها في محاربة زراعة المخدرات والمتاجرة فيها، كما أوضح التقرير الأممي الأخير، فالبرتغال، مثلا، أدخلت تعديلات مهمة على قانون محاربة المخدرات، حيث لا يُسمَح بسجن المستهلك، مع إجراءات مهمة أخرى. وقد أثبتت الممارسة نجاح السياسة. كما سمحت ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، في سنة 2009، بزراعة الكيف ورخّصت لفتح جامعة تُعلّم تقنيات زراعته، مع إعطاء دبلوم متخصص.. وتسمح 13 ولاية في الولايات المتحدة باستعمال الكيف في العلاج. كما أن فرنسا تعرف نقاشا حول اقترح دانييل فيون، وزير الداخلية السابق، والمتعلق بزراعة مساحات مهمة من الكيف وخلق وكالة مختصة لتدبير ذلك، ويشاركه الرأيَ كثيرٌ من البرلمانيين وعمداء المدن. وحسب إحصائيات موثوقة، يوجد في فرنسا 150.000 مزارع للكيف يلجؤون إلى الزراعة المغطاة..
لذلك أؤكد لك أن الاتجاه التشريعي العامّ في العالم يرتكز على عدم معاقبة المستهلك، وفي المقابل، تقنين زراعة الكيف، لذا أطالب بتقنين الكيف في المغرب، لأن المستفيد الآن ليس هو المزارع. كما أن على أوربا أن تكُفَّ عن الضغط علينا في هذه المسألة.
– ما حقيقة الظهير الملكي الذي يسمح لسكان منطقتكم باب برد بزراعة الكيف؟
> هذا الظهير حقيقي، وقد صدر يوم 6 فبراير 1917 ويسمح لثلاثة قبائل، وهي بني خالد (باب برد) وبني سدت وكتامة بزراعة الكيف.
– أكدت، مرارا، أن زراعة الكيف في المنطقة يتم استغلالها سياسيا، أين يتجلى ذلك؟
>  يجب على الدولة أن تمنع ترشيح مجموعة من الناس المتورطين في الاتجار في المخدرات، وإلا فإن جهة طنجة -تطوان ستصبح أول «منطقة مُحرَّرة» للبارونات، خصوصا بعد أن تم، مؤخرا، إلحاق موظفين من الجماعات التابعة لقيادة باب برد بإدارة الجهة، لاستعمالهم، ربما، كوسطاء، نظرا إلى معرفتهم بـ»الأشخاص المُهمّين» انتخابيا، نظرا إلى كون الانتخابات على الأبواب وكل هذا يحتاج إلى تمويل.. إن بعض هؤلاء الموظفين راكموا ثروات هائلة بطرق مشبوهة،
 لذلك يجب فتح تحقيق في هذا الباب.. يجب إلغاء قرارات الالتحاق إلى أن تمر الانتخابات المقبلة، كما يجب معاقبة كل من يتحايل على المواطن وعلى القانون، ونحن، كفاعلين مدنيين، لن نصمت على هذا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع