أخر تحديث : الأربعاء 10 ديسمبر 2014 - 8:15 صباحًا

قراءة وتأمل في مشهد … يوم حزين

حسن ادريسي | بتاريخ 10 ديسمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hassan_idrisi

عادة لا تكون القراءات سوى في المتن والنصوص، ونادرا ما تنصب على المظاهر والمشاهد، وإذا حصل، فذاك عمل لا يتقنه ربما سوى الحكماء والفلاسفة وحاملو السر الإلهي الذي يمنحه سبحانه لمن يشاء، مثلما لا ينتظر هؤلاء، عند موتهم، أن يضفيها عليهم بنو جلدتهم من البشر بنفاقهم ومجاملتهم الزائدة عن القياس، وتأسيهم المصطنع في كثير من الأحيان في المشاهد المحزنة، وبمجرد ما يختفي هؤلاء الرموز سواء الظاهرة المحتلة للمشهد، أو المغمورة في حياتها والمتخفية عن الأضواء،

وبسببه، حرت في عنونة هذا المقال المتواضع ما بين اثنين إذ هما في الغار… والعنوان أعلاه،
والغار … كثيرا ما نختزل فيه حتى ممراتنا التحتية المهيبة بغض النظر عما يمر فوقها من ناس سيارة، وقليلا ما نتحدث عن قنطرة أو قناطر، وهذه منشآتنا بالصفة، الغنية عن كل توصيف،

والغار … لارتباطه في مخيلنا أيضا بالظلمة والغموض، بدءا مما وقع لأصحاب الكهف والرقيم أو الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وكيف أقفلوا هناك على أنفسهم فبعثوا، لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا،

والغار … داخله عندنا مفقود، والخارج منه أو من فوقه مولود، حال من أفلح في النجاة من هول قناطرنا،
وهو دائما لطف الله وحكمته … والحكمة الربانية، لم يقاسمها الله أحدا،

وإيمانا مني بأن الحديث عن الغار أو القنطرة سيان، وأنه أمر جلل عند السابقين والمحدثين، حار الجميع في لغزه وسكت، عن ذكره، الصفوة والعارفون بالله وكنه البشر،

فكذلك تهيبت واخترت ما اخترت، لما خفت أن أجد نفسي منخرطا بدوري، من حيث لا أريد، في حملة الشك والتوجس لما حدث تحت الغار وفوقه، والتي أعقبت مباشرة موت رجلين طيبين، مسالمين، من ذوي الحكمة البشرية المتحدث عنها، بعد موتهما،

وهو بالرغم من أنه شعور وتساؤل وحق محفوظ للأمم، يحترم، كذلك، للشعب المغربي ومحبي الفقيدين، ليعرفوا آل ومآل شخوصهم العامة من ناس الفكر والسياسة والاقتصاد والفن، خلال حياتهم كما عندما تحيط بفقدانهم سحابات كثيفة وعلامات محيرة من اللغز والضباب، وليس كموت أيها … عسو في الدوار أو واحد من إثنى وأربعين نسمة، توثق على أنها جنازة رجل أو امرأة، أوعادة، مسكين دفن مسكينة فتهنت المدينة …

ووجدت نفسي، من حيث لم أقصد، ألتقي مرة أخرى في عنوان مشابه مع الدكتور عزمي بشارة الذي لا يعجب شخصه الكثير من أصدقائي، بعضهم لمجرد أنه مسيحي يتكلم في أمرنا نحن المسلمين، والبعض الآخر للأجندة الأزلية التي يخلعونها مجانا على هذا وذاك طالما أنه يعارض حقيقتهم،

لذا أعتبرت أن الخوض في ملابسات القضية تعد، بعد التصريحات التي سمعنا، نوعا من التطاول وقلة الحياء على الأسرة الصغيرة والكبيرة للفقيدين، التي يبقى لها، ما لها، من شرعية الحديث والتحري في الأمر أو السكوت عنه، حتى ولو شكك المشككون،

واكتفيت وأنا أتابع الجنازة، بقراءة ساذجة على طريقتي لما وراء المشهد، من إشارات وبرقيات خفية تتقاطع خلالها تلكم الصادرة عن منتحبين ومتأسين بادين للعيان، ومتأسين درجة أولى يجمعهم حب الرجل، وبشر درجة ثانية وثالثة، ممن جاءوا لتسجيل الحضور والواجب وأشياء أخرى، والله يعلم بالسرائر،

غير أن الكثير منهم لا يمكن أن لا تقرأ ما تنضح به مقاقيهم ومحياهم، وترشح به وجوههم الصحيحة … مع حرص الجميع، وللإنصاف، على تمرير خطابه ومساجاته، وبالشكل الذي يتبدى له ملائما،

ولما كان الأشخاص الورعون المبتعدون عن الأضواء، يتركون فراغات كبيرة في حياتهم، بصمتهم وابتساماتهم الوديعة، يملأها الشعبويون والجبهويون كالعادة فيزطمون عليهم، ويحجبون الكثير من مخزونهم الفكري وحكمهم، فلا شك أن وفاتهم هي الأخرى تكون مسالمة، تضم الجميع، وتطلق العنان أكثر للأفواه الناطقة والعارفة بصنع التمثيل وظرفه، وفن الخطاب وفصله ،ثقيله وممله، فيزداد فهمهم للوطنية والديمقراطية والحكمة، وتدبير الخلافات والتوازنات، و لا يتورعون عن رسم السيناريوهات المقبلة، وكيف سيدشن الموت المفجع لتحالفات بصم عليها الشهيدان قبل مغادرتهم، بنفس مخنوقة ودم مستباح،

وكيف لا … وقد عرفوا لوحدهم نية الرجلين وهما يهمان بالموت، ويتوجهان لوحدهما نحو مصيرهم المجهول، فأظهروا لنا، بالفيدباك المرضي، كيف أن الغريق، رحمة الله عليه، بعد أن فكر وقدر، عبس وبسر، وضغط على دواس السرعة ودخل، ولاعب الماء المنساب تحت الغار على خاطره، ومات،
ليأتي الحكيم، كما قالوا، من بعده، فيخرج من بيته ما به ما عليه، يقلب نظره في سماوات ذو العرش العظيم، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا، فيترجل والقمر والنجوم مسخرات … ليلقي النظرة الأخيرة التي لم يسر أمرها، أو يقلها لأحد، فيخطفه الضوء المشع، وتبارك الله رب العالمين …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع