أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:17 صباحًا

الهجرة إلى الجنوب

ذ. محمد الحاجي | بتاريخ 11 يوليو, 2012 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji

في بداية الألفية الثالثة و مع أوج ذلك الزحف الكبير الذي كان يقوم به المغاربة نحو ” الفردس ” الأوربي طلبا لظروف عيش أحسن من التي ٱكتووا بنارها في بلادهم ، كان الحديث عن هجرة إسبانية إلى المغرب كمن يتحدث عن إمكانية إدخال فيل في سم الخياط ..

كان الفرق الشاسع بين ضفتي مضيق جبل طارق يغري الجميع بركوب أي شيء هربا من الجنوب الفقير نحو الشمال الرافل في نعيم الطفرة الإقتصادية و الإستقرار السياسي .

اليوم صار الجميع يرى بالملموس ذلك المستحيل القديم بدأ يلامس الحقيقة على الواقع ، إسبان يحزمون حقائبهم و يتوجهون رأسا إلى أقرب ميناء أندلسي للعبور إلى الجنوب ” الواعد ” .. الهدف هو البحث عن لقمة عيش في بلاد قريبة غير بلادهم التي أصبح مستقبلها مخيفا في ظل السرعة الكبيرة التي تسير بها المؤشرات الإقتصادية نحو الهاوية و انعدام فرص الشغل و ارتفاع تكاليف الحياة .

في إسبانيا اليوم ، كثير من النقاشات التي تدور بين الإسبان و المهاجرين المغاربة تمرر فيها الرسائل المشفرة و الواضحة من طرف أهل الأرض إلى القادمين من الجنوب .. ” لقد تغير كل شيء ، و أصبح المستقبل في بلادكم يعد بالأحسن على عكس بلادنا التي أصبح غدها يخيف ” .. هي الجملة الجاهزة على لسان الإسبان و التي تؤكد التغير الكلي في نظرتهم نحو الجار الجنوبي الذي طالما اعتبروه مزعجا لهم بمظاهر فقره و تخلفه و شروره .
هجرة الإسبان إلى المغرب ليست وليدة اليوم ، فسكان مدن طنجة و تطوان و الحسيمة لازالوا يتذكرون سنوات الخمسينات و الستينات حيث كانت شوارع هذه المدن تعج بالإسبان الهاربين من الفقر و قمع أجهزة الجنرال فرانكو . كان معظمهم من إقليم أندلوسيا الذي كان عكس اليوم أرضا خلاء لا يتنتج سوى الجوع و ” بورقعة ” كما كان يلقب مغاربة الشمال جيرانهم الفقراء المتلحفين بالأسمال المرقعة .

التاريخ يعيد نفسه اليوم ، فكثير من الإسبان الذين استقروا في المغرب خلال الأربع سنوات الأخيرة معظمهم من مدن إقليم أندلوسيا ، جاؤوا مستعدين لأي شيء مقابل أجر زهيد لم يعد متوفرا في بلادهم . ” أنا من إشبيلية و أشتغل نادلا في حانة في مرتيل ” يقول مانولو بملامح جامدة قبل أن يضيف ” أتقاضى ألفين و خمسمائة درهم في الشهر إضافة إلى بقشيش الزبناء ، أسكن في غرفة خاوية فوق الحانة و آكل هناك و هذا ما يجعلني سعيدا ” .
كارمن ، إسبانية من مالقا في الثلاثينات من عمرها أجبرتها الأزمة على مغادرة مدينتها بحثا عن عمل ” جئت إلى سبتة بحثا عن عمل في التجارة لدى إحدى قريباتي التي تنكرت لعلاقتنا العائلية ، فقادتني الأقدار إلى التعرف على سيدة مغربية من مدينة المضيق عرضت علي العمل كخادمة في بيتها و هو ما لم يكن ممكنا رفضه ” .

حالتنان من ضمن كثير من الحالات أصبحت تؤثت مدن شمال المغرب ، إسبان يشتغلون في البناء و المصانع و الفنادق و الحانات و البيوت .. الظاهرة مرشحة للتفاقم ، و أرقام الوافدون مرشحة للإرتفاع بعد موسم الصيف في إسبانيا و نهاية فرص الشغل الموسمية ، إضافة إلى المؤشرات الإقتصادية التي تذهب إلى أن عدد العاطلين سيصل إلى ستة ملايين خلال النصف الثاني من هذا العام , و هو ما يعني أننا إزاء بداية انقلاب جذري في معطيات الهجرة بمضيق جبل طارق … فعلا بدأ الفيل يدخل في سم الخياط .. و لم يعد من حرج أن نقول كلنا في دورة التاريخ سواء

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع