أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:18 صباحًا

الكلاسيكو الإسباني .. أو عندما تتداخل الكرة في السياسة

ذ. محمد الحاجي | بتاريخ 26 أغسطس, 2012 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji

رغم أن الأمم العظيمة لا تصنع نفسها بكرة القدم فهي على الأقل قد تشكل لها عنوانا لانعكاس تجاذب سياسي أو اجتماعي يؤرخ لمراحل التحول الكبرى في تاريخها وخير تجسيد لهذا الطرح في عالم اليوم يبقى فريقا الريال مدريد وإف س برشلونة الإسبانيين، وهو مثال حي للصراع السياسي المتجسد في مجال الرياضة على مدى عقود طويلة

بدأت أولى شراراته مع وصول الجنيرال فرانكو إلى حكم إسبانيا، حيث تسود علاقة الغريمين عداوة تاريخية على مدى عقود وأجيال بعيدة عن المنافسة المعهودة في دنيا الرياضة وذلك راجع لإعتبارات سياسية محضة سيما بعد الحرب الأهلية الإسبانية (1936 – 1939) فقد كانت برشلونة المدينة آنذاك آخر قلعة استطاع جنود الجنيرال فرانكو دخولها أواخر الحرب الأهلية وذلك بالرغم من كل ما كانت تحتضنه من هياكل وإيديولوجيات (الحمر، الجمهوريون، والوطنيون الجهويون…)، كما منع النظام الفرانكاوي الشعب الكاطالاني حتى من إستعمال لغته ولهجته المحلية خارج البيت (لغة الكاطالان هي عبارة عن شبه خليط بين اللغتين الإسبانية والفرنسية) فكان لزومه إستعمال لغة مدريد القشتالية بمثابة عبودية ثقافية لا تطاق خصوصا وأنه شعب فخور بترابه وأمجاده وتاريخه، فضلا عن أنه شعب المنطقة الراقية والمزدهرة والتي تلعب دورا هاما ورئيسيا في إقتصاد عامة البلاد… تلك هي إذن الخلفية الأساسية وراء عداء وكراهية الريال مدريد الذي كان يرتبط بنظام القمع ورمزا (للكاودييو) وهو لقب الجنيرال فرانكو الديني، حيث كان علنيا من أشهر عشاق ومناصري الريال .

ومن الجانب الآخر المناقض للطرح الديكتاتوري الفرانكاوي كان ملعب نيو كامب القلعة الصامدة للبارصا، والمتنفس الوحيد في كثير من الأحياء والمكان المباح للتظاهر، ومنبر لأصوات الشعب المقهور ضد أساليب الجنيرال فرانكو الديكتاتورية، وهذا بالفعل ما أثار عداء وعقدة في قلوب أنصار البارصا عبر العقود والأجيال حتى باتت عادة ذات طابع كلاسيكي تعطي للكرة الإيبيرية محيطا حاميا لصراع البطولة .

وإستمرت هذه “الحرب الكروية” بن عملاقي وهرمي الكرة الإسبانية والعالمية وتتجسد مرتين في الموسم في لقاأت الكلاسيكو العملاقة والتاريخية لعقود متتالية، حيث غالبا ما تختلط أوراق السياسة وحسابات السياسيين بنتائج المباراة وإنعكاساتها على الفريقين والأنصار، ففي إحدى مباريات الليغا الإسبانية بين البارصا والريال رفع الجمهور الكاطالاني لافتة عملاقة مكتوبة باللغة الإنجليزية وسط الملعب تقول “كاطالونيا ليست إسبانية”، جمهور برشلونة لم يشأ أن يرفع تلك اللافتة مكتوبة باللغة الإسبانية لأنه لا يعتبر نفسه إسبانيا، ولم يرفعها أيضا باللغة الكاطالانية لأن قليلون جدا يفهمون هذه اللغة ففضل أن يرفعها باللغة الإنجليزية لتكون ميساجا سياسيا يقرأه العالم كله، خصوصا وأن المباراة يشاهدها أكثر من ملياري ونصف شخص عبر العالم كله، ولكي يعرف أن إقليم كاطالونيا حيث توجد مدينة برشلونة لا يعتبر جزأ من إسبانيا رغم أن هذه المنطقة جزء من إسبانيا جغرافيا وتاريخيا ودينيا .

ربما يندر أن توجد بلاد أخرى في العالم تختلط فيه الكرة مع السياسة مثلما يحدث في إسبانيا خصوصا عندما يلتقي فريقي الريال مدريد والبرصا الإسبانيين، ومنذ نهاية الحرب الأهلية في إسبانيا (1936 /1939) فإن كل إقليم من أقاليم إسبانيا أصبح يشكل قطعة متراصة مما يسمى بالأمة الإسبانية، وأصبحت البلاد كيانا واحدا بعدما أن كانت دعاوي الإنفصال والتميز ترفع فيها بين الفينة والأخرى، وإقليم برشلونة خلال الحرب كان آخر إقليم يسقط في يد الوطنيين من أتباع الجنيرال فرانكو، لذلك فإن هذا الأخير لم يكن كبير إمتنان لفريق برشلونة حيث كانت التهم تنزل بلإستمرار على الفريق الملكي ريال مدريد بوصفه محضي الديكتاتور وأنه الفريق الذي كان يحصل على دعم الحكام والإتحاد الإسباني أيام الحكم الفرانكاوي، وبعد موت الجنيرال سنة 1975، حاولت الكرة الخروج من قلاع ومستنقعات السياسة لتدخل شيئا فشيئا مجال الإحتراف، وحاول المسؤولون الإسبان الجدد أن يبعدوا الكرة عن المناقرات السياسية لكن ذلك كان مجرد أحلام وإستمرت كرة القدم في شبه الجزيرة الإيبيرية تمثل التعبير الأبرز عن تجاذبات البلاد وإختلافاتها السياسية والإيديولوجية والجغرافية .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع