أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:18 صباحًا

التاريخ المهدور

ذ. محمد الحاجي | بتاريخ 27 نوفمبر, 2012 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji


في قصر تارانتولا بالعاصمة البرتغالية لشبونة يرقد جثمان سيباستيان آخر قادة الإمبراطورية البرتغالية الإستعمارية الذي كان قد مات مقتولا في معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة التي دارت رحاها على مشارف مدينة القصر الكبير في المغرب سنة 1578..

الإمبراطور سيباستيان القتيل كانت جثته قد نقلت في نفس سنة المعركة الى لشبونة بحرا عبر سبتة ليتم دفنها داخل قاعة أنيقة في قصر أسطوري .
البرتغاليون حينما أصروا على استعادة جثة إمبراطورهم المهزوم و دفنها في مكان بارز ، إنما أرادوا فقط لأجيالهم القادمة أن تتذكر أن دولتهم كانت في التاريخ الغابر قوة استعمارية وصلت جيوشها إلى أقصى بقاع الكرة الأرضية و انهارت على يد هذا الإمبراطور الصغير السن الذي قاده الزهو بعرشه إلى قيادة جيش جرار لاحتلال المغرب الأقصى و منه إلى إفريقيا ، لكن لم يتوغل كثيرا حتى نصبت  ساكنة القصر الكبير له و لجيشه كمينا عسكريا اندحرت خلاله أعتى قوة عسكرية في العالم خلال تلك الحقبة من التاريخ .
هذا حال المهزومين ، إذن تعالوا لنعبر المتوسط و تحديدا إلى المنطقة التي دارت فيها المعركة قرب القصر الكبير بالمغرب لنرى حال المنتصرين و ما فعلوه برجال و مكان هذه الملحمة البطولية التي غيرت مجرى التاريخ و أكسبت المغرب في عهد السعديين هيبة كبيرة .
لا شيء يدل على مكان تلك المعركة سوى نصب زليجي كالح يكسوه الغبار و على بعد مسافة قصيرة منه  توجد قبور متهالكة لبعض المجاهدين الذي ماتوا في المعركة و قد اختفت وسط أشجار الصبار الطفيلية و أحاطت بها أكوام من الأزبال و قنينات الجعة الفارغة ، أما بقايا القنطرة التي هدمها المجاهدون  للإيقاع بخصمهم فيلزم حضور خبراء اكتشاف الأدغال للوصول إلى مكانها من كثرة الأشواك و القصب المحيط بها .
هي صورة تكشف عطبا فضيعا في نظرتنا لتاريخنا و ما الذي يمكن أن تقدمه مثل هذه الأماكن للأجيال الحالية من إحساس بالهوية المغربية و أننا شعب لم ” يقطر به السقف ” و كيف يساهم الموروث التاريخي في تنشيط السياحة الثقافية و كسب احترام الشعوب المتقدمة و المتأخرة و ما الذي يمكن أن تجنيه الدولة من أموال إن توفرت لها إرادة حقيقية للإعتناء بمآثرها .
مؤسف حقا أن ترى مآثرا عريقة خلفها الأجداد الأشاوس في فاس و مكناس و القصر الكبير و مراكش .. ،  يتبول عليها السكارى في كل ليلة و يتخدها المشردون مآو لهم و السكان القريبون مزابل لهم بغير ربع ضمير و لا إحساس بإهانة تاريخ الوطن !
و فظيع أيضا أن يحمل مواطن يسكن ملتصقا بسور تاريخي عتيق ” مطرقة و مكدي ” ليبدأ في هدمه لفتح دكان يبيع فيه ” الحرشة و الملوي ” .. أو أن يشتري ” منهش ” عقاري بناية عمرها  قرون عديدة و يحضر  ” الطراكس ” ليساويها مع الأرض ليبني فوقها صناديق إسمنية تدر عليها ملايين الدراهم في غياب تم لسلطة الدولة و وصايتها على الموروث الثقافي للشعب .
وزارة الثقافة الموكول لها قانونيا العناية بمثل هذه الفضاء ات التاريخية يقتصر دورها على صرف بعض ” البقشيش ” على مآثر معدودة في المغرب فيما البقية تبقى عرضة للإهمال ليفعل فيها الزمان و جهل و جشع الإنسان فعلته ، فلا عجب و الميزانية المخصصة  للوزارة بكاملها بالكاد تغطي أجور ” كمشة ” موضفيها بالإضافة إلى أنشطة صغيرة   هنا و هناك .
مرة سئل صاحب رواية ” مجنون الحكم ” الوزير السابق في الثقافة بنسالم حميش في البرلمان عما قامت به وزارته من أجل المحافظة على المآثر التاريخية في المغرب فلم يجد جوابا سوى أنه ذكر نواب الأمة أنه بصدد طبع كتيبات صغيرة لتوزيعها على الأجانب في بعض المدن السياحية ..  نعم بمثل هذا الإجراء  سنجلب احترام  السياح لعظماء التاريخ المغربي الذين خلفوا وراءهم حضارة قائمة ، لكن في نفس الوقت سنجلب لنا كورثة لهذه الحضارة الغابرة احتقار شعوب أخرى حينما سيكتشفون أننا نهدم و نرمي الأزبال و نتبول على هويتنا و مجدنا .
الشعوب التي لا تعرف من أين اتت .. لا يمكنها أن تعرف إلى أين تسير !

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع