أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:06 صباحًا

عقيدة البارصا و الريال

ذ.محمد الحاجي | بتاريخ 11 أكتوبر, 2010 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji

عندما نتأمل ذلك العشق الجارف و المتزايد لمتابعة الدوري الإسباني و ذلك الإصطفاف المثير إلى فسطاطين لدى فئات عريضة من المغاربة بصفة عامة و الشماليين بصفة خاصة .. معسكر لمحبي البارصا و معسكر لعشاق المدريد .. سنقف على أشياء غريبة و مضحكة تتسلل يوما عن يوم إلى ثقافتنا اليومية في غفلة من السوسيولوجيين و فقهاء علم الإجتماع ..  الظاهرة شملت بجنونها الجميع .. دخلت إلى قعر البيوت بعدما كانت مقتصرة على المقاهي .. تسلقت جدران المؤسسات التعليمية للأطفال و المراهقين بعد أن كانت شأنا خاصا بالكبار .. الفتيات أصبحن يعرفن تشكيلة البارصا و من يكون عميد ريال مدريد بعدما كن سابقا يعتبرن كرة القدم حكرا على الذكور … الأمهات في المطبخ يعرفن بالتدقيق موعد الكلاسيكو المرتقب بين الغريمين لذلك يحرصن على الإنتهاء من أشغالهن باكرا حتى يشاركن في ( الحيحة ) العائلية .. ظواهر كثيرة ترافق هذا العشق الأرتودوكسي لنشاط رياضي سقط على رؤوس المغاربة من سماء أخرى و شطرهم إلى نصفين ، بل و تعدى الأمر إلى تفرغ الكثيرين إلى ( بليتهم ) بشكل كامل ليصيروا عارفين بتفاصيل تافهة تدور في محيط ناديي برشلونة و ريال مدريد وجعلها محور أحاديثهم و ملاسناتهم من طلوع الشمس إلى غسق الليل .. تصوروا أن تجد شخصا يخصص صباحه بالكامل للحديث عن راتب كوارديولا في وقت يعيش هو حالة بطالة مزمنة .. أو أحد يملأ المقهى افتخارا بالمستوى التعليمي لكاسياس مع العلم أن صاحبنا لا يفرق الألف من الزرواطة .. أو تاجر يدافع عن السياسة المالية الناجعة لريال مدريد في وقت أفلست تجارته هو بسبب إدمانه على ( الكينيلا ) .. أو شيخ صار مشجعا للبارصا بسبب وجود كيتا المالي المسلم بالفريق ، و إذا اطلعت على سيرة شيخنا تجده لا يعرف للقبلة اتجاها . و الخطير هي تلك الإنزلاقات العنيفة التي تجعل المعسكرين يضطران إلى خوض نزالات دامية في المقاهي و الشوارع دفاعا عن ( عقيدتهم ) الكروية ، و يذهب ضحيتها أحيانا عابرو سبيل لا يعرفون أن للكرة فدائيوها المجانين . إن هذا التعصب المبالغ فيه للبارصا و الريال يظهر أعطابا كبيرة في الإحساس بالهوية لدى فئة كبيرة من المغاربة ، لأن فقدان الثقة في كثير من مقومات و هياكل البلد الأم يدفع الكثيرين بشكل مرضي إلى البحث عن نماذج في بلدان أخرى تشفي الغليل و تمنح هامشا و لو ضئيلا للتعبير عن لامبالاتهم وهروبهم من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي لا يرضي طموحاتهم . وإذا نظرنا إلى إسبانيا حيث الموطن الأصلي لبرشلونة و ريال مدريد و بغض النظر عن التوابل السياسية و العرقية للصراع القائم بين الغريمين ، فالمواطن الإسباني عموما لا يجعل من هذا الموضوع هاجسه اليومي ، و لا يتخده فاكهة حديثه طوال اليوم ، فقلما تجد إسبانيا يقضي ساعات عمله في الحديث عن ( ربحناكم و ربحتونا ) ، ربحه الأول هو نجاحه في عمله و نجاحه في المساهمة في تنمية دولته و الثأثير الإيجابي في مستقبلها على جميع الأصعدة ، فكرة القدم و البارصا و الريال بالنسبة للإسبان هي المتنفس الهادئ الذي يتخلصون فيه من رواسبهم العرقية و السياسية و يضمنون فيها راحة في نهاية الأسبوع أو وسطه من ضغوطات حياتهم الشخصية و المهنية . نعم كرة القدم اليوم أصبحت لغة عالمية من حق جميع سكان المعمور أن يعشقوها ، لكن ليس من حق كرة القدم أن تشعل فينا حروب داحس و الغبراء الجاهلية ، و أن تضرب على أعيننا غشاوة مخدرة تلهينا عن قضايانا المصيرية الملحة .{jcomments on}

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع