أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:01 صباحًا

المعربطون

ذ.محمد الحاجي | بتاريخ 31 أكتوبر, 2010 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji

 

مارسيلينو كماتشو نقابي شهير أعلنت إسبانيا وفاته هذا الأسبوع عن عمر ناهز 92 سنة ، الرجل عاش حياة غير عادية من خلال تأثيره في مختلف المحطات السياسية و النقابية التي شهدتها الجارة الإيبيرية خلال القرن الماضي ابتداء بالحرب الأهلية مرورا بالفترة التي أحكم فيها الجنرال فرانكو قبضته على إسبانيا انتهاء بالتحول إلى الديموقراطية أواخر السبعينات .

كماتشو هذا بدأ مساره المهني عاملا بسيطا في سكك الحديد و انخرط سريعا في العمل النقابي و تسلق المراتب فيه حتى أضحى وجها مألوفا لدى الطبقات الكادحة بمراسه الصعب و دفاعه المستميت عن حقوق الشغيلة الإسبانية ، مواقفه كثيرا ما أقتطعها من حريته حيث ذاق مرارة السجن لمرات عديدة آخرها 14 سنة بالتمام و الكمال ، كما لجأ هاربا من دكتاتورية فرانكو إلى الجزائر إبان الإحتلال الفرنسي.
و قبل أسابيع أعلن في المغرب عن وفاة النقابي الشهير المحجوب بن الصديق عن عمر ناهز 90 سنة أو يزيد ، بن الصديق اقترن إسمه بالإتحاد المغربي للشغل الذي كان أحد مؤسسيه أوائل الستينات بعد مسار مهني ابتدأه أجيرا بسكك الحديد لدى الفرنسيس المستعمرين ، فانخرط في العمل النقابي الذي لم يعرف المحجوب نشاطا آخر غيره ، حيث سجل حضوره الدائم في محطات عديدة من تاريخ المغرب الحديث ، مجهزا على كثير من تيارات التمرد التي هدفت إلى إنزاله من عرش نقابته الأبدية .
إذن نحن هنا أمام إسمين يفرقهما الإنتماء الجغرافي و تجمعهما قواسم مشتركة عديدة من حيث السن و النشأة و المسار المهني و النشاط النقابي و الحقبة التاريخية اللذان عاشا فيها .. 
لكن دعونا نلقي نظرة على خاتمة المشوار بالنسبة للرجلين ليس من باب ( اذكروا موتاكم بخير ) لأن التاريخ لا يجامل أحدا ، و لكن لنقف على مفارقات صارخة تجيب على السؤال المحير ، لماذا تقدموا هم ، و سقطنا نحن في الحضيض ؟
مارسيلينو كماتشو بعد وفاة الجنرال فرانكو سعى إلى توحيد النقابات الإسبانية تحت لواء واحد ( الإتحاد العام للشغل ) و بعد تحقيق حلمه أعلن في بداية الثمانينات عن تخليه عن جميع مناصبه السياسية و النقابية مبررا ذلك بضرورة تحمل النخب الجديدة و الشابة لمستقبل البلد وفق منظور حديث ، فوضع صاحبنا يده في يد زوجته العجوز التي قاسمته المشوار الصعب و صعدا إلى قرية نائية حيث يمتلكان منزلا بسيطا و عاش بقية حياته على دخل معاش قليل و اقتصر ظهوره في وسائل الإعلام حينما كان يستدعيه حزب أو نقابة لتجمع خطابي يدخله معززا مكرما و محمولا على أكتاف الشباب في مشهد مؤثر .
المحجوب بن الصديق بعد تناسل التنظيمات النقابية و بعد الإنكماش الملحوظ في تأثير نقابته على المشهد العمالي لم يكن يرى ضرورة في فسح المجال أمام نخب جديدة تعيد للنقابات مصداقيتها ، بل كان يعتبر الإتحاد المغربي للشغل ضيعته الخاصة التي ينبغي للجميع أن يمزق حذاءه فيها من أجل أن يجني هو الثمار ، استمر على هذا المنوال رغم محاولات عديدة للإطاحة به من طرف المقربين لكن محجوبنا كان يستنجد دائما بتجربته الطويلة و دهاءه الفطري في وأد كل الإنقلابات في مهدها و الإستمرار في السيطرة على تنظيم كان يعرفه أكثر من أصابع يده ، تجربة و دهاء لم يجديا نفعا في الأخير أمام عزرائيل الذي دعاه للموعد المحتوم مخلفا وراءه ثروة كبيرة بعدما بدأ حياته كادحا كأيها الناس ، و مخلفا أيضا نقابته العزيزة تعيش آخر أيامها ب ( صويرو ).
إذن نحن أمام حالة من حالات عديدة في مشهدنا المغربي لأناس لا يؤمنون بنظريات التشبيب وتجديد النخب فالتصقوا بكراسيهم على رأس الأحزاب و النقابات و الوزارات و الجمعيات و صاروا يعتقدون أن البلد لن يتقدم بدونهم في حين أنهم يجرونه إلى الخلف بعقليتهم السلطوية البائدة .
أحيانا تصاب بالخجل من جنسيتك حينما يلتقي مسؤول أوربي كبير في أوائل الأربعينات من عمره بنظيره ( أو جده على الأصح ) المغربي الذي وصل إلى أرذل العمر و بلغ من الكبر عتيا ، و الغريب أن مسؤولنا يصرح بعد نهاية المحادثات لوسائل الإعلام أنه اتفق مع نظيره على العمل سويا وفق مخططات على المدى البعيد و أنهما التزما بنظرة استشراقية لمستقبل البلدين ( بلا حشمة بلا حيا )…
إن الإحباط و اليأس الذي يسببه هؤلاء المنتمون لقبيلة المعربطين في أوساط الفئات الشابة الطامحة إلى التغيير يؤدي إلى توسيع قاعدة العزوف السياسي لأن الشاب الذي عايش مسؤولا يثرثر في التلفزة الرسمية منذ السبعينات و لازال ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصدق أنه ثمة هناك إرادة حقيقة للتطور .
فعندما يغيب تداول النخب على المسؤولية و يحضر الشخص و تغيب المؤسسة و تنعدم ثقافة الإستقالة بعد الفشل ، فلا يمكننا أن نؤسس لمجتمع ينظر بعيدا لمستقبله
وفق منهجيات حديثة ، صحيح أن بذور عقليات حديثة متنورة بدأت تنغرس في التربة المغربية شيئا فشيئا ، لكن المعربطون لهم أسلحتهم اللامرئية التي تجهز على أي محاولة للتحديث .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع