أخر تحديث : الجمعة 14 أغسطس 2015 - 4:21 مساءً

” شوفينية ” !

محمد الحاجي | بتاريخ 14 أغسطس, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji

يحدث كثيرا أن تقمع في نفسك شوفينية الإنتماء لمسقط الرأس .. و قد تعصر معظم آليات تفكيرك كي تبقي مدينتك التي ولدت و ترعرت فيها ضمن سياق الوطن بأعطابه و مشاكله التي تشترك فيها كل المدن و القرى .

لكن في لحظة ما تقع عيناك على جملة من سطرين تجرك تلك الشوفينيا لإعادة التدقيق في تاريخ مدينتك منذ ” الإستقلال ” إلى اليوم لتسائلك سؤالا فلسفيا عميقا : هل يبالغ أبناء القصر الكبير في حب مدينتهم ، و هل هم على صواب حينما يصرحون أن مدينتهم التي تحولت من أحد قصور ألف ليلة و ليلة كما وصفها شاعر الشام الكبير نزار قباني ذات زيارة تاريخية مطلع الستينات إلى تجمع إسمنتي بشع تصعب معه كل الحلول اليوم ، قد تم ذلك بفعل مخطط مدروس لتهميش مدينة عرفت بالتمرد و عدم الخضوع !؟؟
كرونولوجيا التاريخ و معطياته الدقيقة قد تجنح بك لكي تتبنى نظرية المؤامرة فيما يقع للقصر الكبير .

من يخزنون تاريخ المغرب الحقيقي في دواليبهم و يحكمون اليوم وفقا لمعطياته يعرفون أن القصر الكبير هي مدينة التمرد .. هي مدينة الزوايا التي كانت تقرر فيمن سيحكم الإيالة الشريفة .. هي مدينة المعركة التي اندحرت على مشارفها أعتى القوات الاستعمارية عبر التاريخ … هي مدينة المتمرد الأخضر غيلان الذي جعلها آخر قلعة في المغرب الأقصى يسيطر عليها العلويون بعد مقاومة ضارية و حصار طويل فرضه جيش السلطان إسماعيل عبيد البخاري انتهى باقتحام المدينة و الفتك بسكانها و بقائدهم المتمرد .. هي المدينة التي فاجأت نظام الحسن الثاني عندما انتفضت ضد قرار الزيادة في أثمان المواد الغذائية إثر تداعيات سياسة التقويم الهيكلي سنة 1984 و التي لعلع فيها الرصاص الحي ضد المتظاهرين و عسكرت شوارعها و قتل من قتل و جرح من جرح و اعتقل من اعتقل … هي المدينة التي عرف أبناؤها الفقراء منهم و الأغنياء على حد سواء منذ الاستقلال بشراهة المعرفة و تلقي العلم و تلك النزعة الواضحة في الإنتقاد و الوعي السياسي الكبير بمجريات السياق الوطني .. هي المدينة الصغيرة التي لم تتوقف منذ خمسين سنة عن إنجاب عشرات المثقفين و الموسيقيين و الرسامين و الشعراء و المسرحيين و الصحافيين و الرياضيين و أطر الدولة الكبار !!
هل في نظر عاقل يحلل الأشياء بمنطق سليم و بمعرفة بتاريخ الدولة و ألاعيبها في وأد البؤر ” الخارجة رجليها من الشواري ” ألا تصل به الخلاصة أن ” المخزن ” عمل منذ القديم على ” تشثيت الشمل ” لهذه المدينة التي لا يبرد رأسها مع حال ؟؟!!

نعم لقد كانت أولى الخطوات هي إفراغ المدينة من نخبها التي تؤطر الساكنة و من أبنائها الذين كانت تسمع لهم مساحة المدينة الضيقة في الإجتماع و التنشيط و تلاقح الأفكار عبر الجمعيات و فروع الاحزاب و المنتديات و الروابط .. كيف ذلك .. بتفقير المحيط القروي للمدينة و دفع البدويين البسطاء إلى الهجرة إليها و ممارسة أنشطة فوضوية غير مهيكلة تضرب وجهها الثقافي المتحضر ، التهجير الذي ساهم في بروز أحياء هامشية فقيرة على أطراف المدينة ولدت و نشأت فيها أجيال عنيفة و غير متعلمة تخصصت في أنشطة السلب و النهب و اعتراض الطريق !!

الوضع الإجرامي و الفوضوي الخطير كان أولى نتائج السياسة المعلومة التي دفعت الكثير من أطر المدينة و مثقفيها و فنانيها و كل من بيده لجام جماهيرها إلى حمل أمتعته و عياله و الهروب من مسقط رأس زحفت عليه البشاعة من حدب و صوب.. و هكذا تفرق قصراوة في مدن المغرب و العالم على مضض حاملين معهم مدينتهم داخل صدورهم يتذكرونها و يتحدثون عنها في كل مناسبة و حين … و بذلك ارتاح خبراء تركيع المدن ” غير المخزنية ” طالما أن المدينة المزعجة ” طجت ” أدمغتها إلا من قلة قليلة منهم لا زالوا يعيشون فيها بعدما رفضوا الرحيل !!

بالإضافة إلى ” تقنية ” التهجير تم اللجوء إلى استثناء القصر الكبير منذ انتفاضة 1984 من أي مشروع وطني تنموي أو اقتصادي كبير يرقى بها و بسكانها إلى درجة المواطنة و العيش الكريم ، أو حتى إعادة للنظر في العقوبة التي تم بموجبها عزل المدينة عن محيطها الوطني بإحداث طرق تتفادى الدخول إليها و إحداث عمالة بالعرائش و جعل القصر الكبير تابعة له رغم أن الأخيرة هي ثالث مدن جهة الشمال من حيث عدد السكان بعد طنجة و تطوان ، و الغريب أن القصر الكبير لم ترد إسمها حتى حقوقيا ضمن توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة كمنطقة وجب استفاذتها من عملية جبر الضرر الجماعي !!
واش نزيد فالشوفينية و لا باراكا ؟!

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع