أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:00 صباحًا

رئيس الحكومة القادم

ذ. محمد الحاجي | بتاريخ 16 نوفمبر, 2011 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji
أثارتني صورة للمرحوم عبد الله ابراهيم رئيس أول حكومة تقدمية في مغرب ما بعد الإستقلال و هو يسلم على الملك محمد الخامس في مراسيم تعيينه سنة 1958.. رئيس الحكومة يتحدث مع عاهل البلاد بكل ثقة و بساطة مثل ما نشاهده اليوم في أعرق الملكيات الأوربية .

عبد الله إبراهيم السياسي و المفكر و رجل الدولة الذي عرف بنزاهته و ووطنيته الصادقة و زهده في المناصب قاد حكومة تضم خيرة الأطر في البلاد و التي اشتغلت على أوراش كبرى و مخططات خماسية في مجالات التعليم و الصحة و التجهيز و الأمن ، و شكلت تجربة نموذجية خلال فجر الاستقلال، لكن خصومها العديدين حاصروها من كل جانب وأضاعوا على المغرب أكثر من نصف قرن، دخل فيها مرغما مرحلة “التيه” الدستوري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي التي لازلنا نعيش تبعاتها حتى يومنا هذا .
اليوم والمغرب يعيش هذا المخاض السياسي المشوب بالترقب بعد إقرار دستور جديد يوصف بالديموقراطي الحديث و الذي منح الحكومة صلاحيات كثيرة كانت قد سرقت منها في خضم الصراع السياسي بين المؤسسة الملكية و الأحزاب خلال فترة حكم الحسن الثاني ، هل يمكن أن نجد رجالا في أحزابنا من طينة الوطني الكبير عبد الله إبراهيم ليقودوا حكومة ما بعد اقتراع الخامس و العشرين من نونبر ؟
هل يمكن أن نجد كارزمية علال الفاسي ؟ هل نتوفر على جرأة عبد الرحيم بوعبيد و نبوغ المهدي بنبركة ؟ هل نتلمس اليوم وطنية امحمد بوستة و نزاهة عبد الرحمن اليوسفي ؟
كلها أسئلة مشروعة لا يمكن أن نختصر أجوبتها في تباين زمن هؤلاء مع ما نعيشه اليوم ، فزعماء الأمس مارسوا السياسة و تحملوا المسؤوليات و روحهم فوق كفهم ، لقد واجهوا بشجاعة منقطعة النظير مراكز النفوذ التي كانت مستعدة لطحن كل من يقف في طريقها بدم بارد ، كان هؤلاء الرجال مستعدين لقلب الطاولة على كل من يقايض الوطن بطموحاته الإستبدادية .. الزعامات التاريخية للأحزاب الوطنية الذين منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر لاشك أنهم يتأملون خلفاءهم اليوم و هم يمارسون اللعبة و قد انقرضت تلك الأخطار المحدقة بالعمل السياسي نتيجة تغير المعطيات الوطنية و الإقليمية و الدولية .. المخزن وضع قفازات بيضاء على أيديه الخشنة التي كانت تفتك بالمعارضين و صارت المقالب السياسية ” غير بالفن ” ..
المشكل أن الزعامات الحالية قد تغير معدنها إلى شيء يشبه ” الكارطون ” أي قابلة للطي في أول المنعطف .. ترضخ بسهولة عند أول تهديد .. تبسط جناحها عندما يريدون ” تقزيبها ” .. تصفق عندما يطلبون منها ذلك .
الدستور الجديد لن يكون له معنى برئيس حكومة من ورق ، و إلا سنكون أمام تكرار ممل لسيناريوهات وزراء أولين وضعوا في الواجهة ليأكلوا ” الطرش ” نيابة عن الذين يحركون المشهد من وراء الستار .. المغرب في حاجة إلى رئيس حكومة من حديد .. قادر على ثقل المسؤولية .. قادر على إدخال العصا في أوكار الفساد .. قادر على مجابهة خصومه السياسيين ببرنامج حزبه و أن يترك الملك في ” التيقار ” .. قادر على إغلاق خط الهاتف في وجه سماسرة التعليمات .. قادر على قول ” لا ” في وجه أي كان .. قادر على الدفاع عن حصيلة حكومته بعد ست سنوات أمام الناخبين .. و أيضا قادر على أن يصفق خلفه الباب و يستقيل إذا اتضح له أن كل هذه الإصلاحات مجرد مهدئات حقن بها الشعب على عجل حتى تمر حمى الشارع العربي .
ببساطة المغرب في حاجة إلى رئيس حكومة يكمل ما بدأه المرحوم عبد الله إبراهيم منذ أكثر من نصف قرن.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع