أخر تحديث : السبت 10 يناير 2015 - 7:01 مساءً

الكوفية

جمال عتو | بتاريخ 10 يناير, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jamal_atto

يجلس تحت شجرة التين بجوار الضريح …لا يبرح مكانه
من أراد خدمته جاءه راغبا،فهو ينأى بنفسه عن طلب أرجل الزبائن بالمقاهي والمتنزهات.
لا يحب أن تسل قدمك مما تنتعل وتسلمه إياه ….إذا جئته لتلميع حذاءك فإنه يؤثروقوفك مستقيما حتى يستقيم له الحال ويشرع في مراودة الحذاء…
فإذا حل به حذاء مبتذل أتعبه المشي والسعي تبرم …وشبه تلميعه ب ‘’السيراج’’ كمن يضع أحمر الشفاه على شفتي عجوز شمطاء تاه بها العمرعتيا.
كنت ألاحظ أن للمعطي شغف كبيربرائد الأغنية الشعبية الملتزمة المصري الشيخ إمام،ورمز القومية العربية جمال عبد الناصر…يحتفظ بصورتيهما على واجهة محفظة نقوده الجلدية.
ما وقف أمامه زبون ليلمع حذاء إلا خاض معه في أحدث المستجدات السياسية نقلا وتحليلا وتعليقا …ثم ما يلبث أن يقرب اليه المذياع الكبيرليطل على العالم من جديد…
للمعطي كوفية فلسطينية متدلية على صدره في القر والحر…يغطي بها رأسه من وهج الشمس…يجفف بها عرق جبينه…يلوح بها لمن أراده في مارب…
كل خصوصيات الرجل الرمزية كانت توحي أن أمرا ما يسكن اعماقه…
حتى وهو بالمقهى الشعبية قبل الالتحاق بمحراب عمله…ينزوي وحيدا ليرتشف كأسا منعنعا…ويعزف على أوتار عوده **السبسي** نغمات حزينة…واجما كعادته…كل صباح…
اختفى المعطي فجاة…ولم يعد له أثر…رحل عن بيت كان يحل به على سبيل الكراء ب **فندق**…بقي مكانه تحت شجرة التين فارغا…لم يجرؤ أحد على المكوث به …فزاد ذلك تأثرا في قلوب زبائنه ومعارفه…وأضاف كآبة على المكان…
لم يشف غليل استفسارنا عن غيابه أحدمن زملاء مهنته…انتظرناه عله يعود الى مكانه ذات صباح…لكن بدون جدوى…
وحده الجيلالي الذي كان يشاركه السمر في فترات متقطعة حدثنا عنه بشكل مقتضب…كأنه يختلس لحظات من الزمن الغابر…
المعطي رجل مقاوم…شارك في حرب 1967…يحب عمله…مخلص غيور…يحتفظ بكوفية ترمز للنخوة والكرامة…أصيب بصدمة…لم يخبر أحدا عن اختفاءه…..
كان ذلك…وغزو العراق يلوح في الأفق من بعيد……
بقي المكان فارغا تحت الشجرة …بدون جواب.
كفراغ زمن أمة اثخنتها الهزائم…والنكسات………..بدون جواب.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع