أخر تحديث : الثلاثاء 3 مارس 2015 - 8:26 مساءً

جبان

جمال عتو | بتاريخ 3 مارس, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_atto

فجأة…تراءى لي حاملا عصاه الغليظة المزينة بالحلوى كالعجين…”جبان”..حبيب الطفولة والصبا..وقد غزى الشيب رأسه ووجهه..واختفت أمور من عالمه العفوي…فألقت عليه مسحة قريبة إلى الكآبة :ملامحة الوامضة وخفة حركته..وذلك الصوت الرخيم الذي يطلقه فيسمع من بعيد…:”…جبان..كول وبان…حلي باش تولي..جبان هنا…”.
كنا صغارا نتحلق حوله وهو حامل لعصاه كعلم الضريح..حتى إذا باع للبعض منا ب”السباعية” للقطعة بعد أن يجزءها بإتقان عبر موسه الحاد..تبعناه في الدروب والأزقة فرحين..كأننا نلنا المنى..وحققنا الحلم المنشود…
لكن اليوم لم أر “المعلم صلاح” كما عهدته في الطفولة..رأيته وحيدا يكاد يذوب بين ضوضاء المدينة وزحامها..وبين أكشاك الشوكولاطة والحلوى المتنوعة وعلب العلكة المتميزة……
ما أنظر لحظة لمشهد يذكرني بطفولتي..والزمن الجميل حتى أقتحمه بتلقائية وعفوية..ومن دون استئذان…لأني أحسبه عالمي الخاص ….وكفى….
أسرعت وراءه مناديا: “…عمي صلاح…عمي صلاح…”
استدار ببطء وهو يحتضن العصا وما تبقى من “جبان”…ليس هو عمي صلاح الذي كان يملأ الحي مرحا وخفة ونشاطا…وليس ذاك “جبان “نفسه…تمعنت فألفيته خاليا من رونقته الأخاذة..وبياضه الصافي..مفتقدا ل “الجنجلان”وقطع صغيرة من الحلوى الملونة..عديم رائحة المزهر المثيرة……خاطبته : “عمي صلاح…هل تذكرني ؟”..نظر الي بعينين ثابتتين وابتسم:
_”لا…من أنت ؟…”
_”أنا زبونك الصغير…في السبعينات بحي المحلة قرب القوس المحادي لمدرستي المنزه ومولاي علي بوغالب ومدرسة البنات…..”.
تنهد الرجل بعد تفكير قصير لكنه عميق…كأنه طلب للتوي تلك الحقبة لتحضر أمامه كما أحضر هدهد سليمان عرش بلقيس…أبت دمعتان عصيتان أن تزورا خذيه المتجعدين فهمس:
_”الله يرحمو زمان أولدي…زمان البركة والرزق…”.
خاطبته بصوت عال غير مكثرت للمارة:_”عمي صلاح…سباعية ديال جبان…”.
سل موسا من جيبه بخفة حزينة…فجزأ قطعة بإتقان..وسلمته درهمين…رجعت وسط الزحام وهو يردد بخشوع………:
_”الله يرحم بها الوالدين……….”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع