أخر تحديث : السبت 11 أبريل 2015 - 5:23 مساءً

الشمس لا تغرب هناك

جمال عتو | بتاريخ 11 أبريل, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_atto_jamal

ألفى نفسه هكذا..وسط الشارع العام..كانت الشمس تأذن بالغروب..الضوضاء من كل جانب تغمر الأمكنة.. أبواق السيارات تكسر مع أصوات الباعة المتجولين هدوء المدينة وعذريتها …
أجساد من كلا الجنسين متداخلة ونظرات تائهة زائغة..هرولات من هنا وصيحات من هناك…
أجسام جالسة بواجهات المقاهي..كأنها محنطة..فقط تلتفت يمنة وشمالا..تتعقب كل متحرك… وكل خصر كذلك…أحس بحنين يجلبه قصرا للولوج الى درب طويل…ينتهي بحي في المدينة القديمة..
كان الحي باردا يعاكس مساء صيف دافئ..بعض الفتيان يراودون كرة مترهلة بائسة.. وهم في قمة النشوة.. رجل مسن جالس على “فرتالة”يقرب مذياعا أسودا الى أذنه ليسمع بالكاد نشرة الأخبار في زمن الشبق الإعلامي.. ترجل الشاب قليلا.. كانت رائحة الخبز تطلق عنانها من فران تقليدي..التفت إلى المكان.. رأى “المعلم”في الحفرة ينظر بتوأدة في عجائن ببيت النار.. فيما شرع المساعد في ترتيب “الموايد”.. تمعن فيه “المعلم” الذي سد فوهة الفرن بغطاء حديدي ..فعلم بفطرته أن الواقف مجرد متطلع صاحب فضول..لم يهتم..أخذ “السبسي”و”المطوي” وجلس على عتبة ل “يضرب الشقيفات”……
أمام الفران..دكان محتشم به نتف من البضائع التقليدية..شاي..سكر..ملح..شمع..دقيق..
قنينات المزهر..حلويات..كان حينها صاحب المحل يرش الماء من سطل على ربطات النعناع و”الشيبة”و”المعدنوس”..حياه..لأنه يعرفه..ابن المدينة العصرية لا يحيي إلا من يعرف..التقط البقال الإشارة بفراسة..منح الشاب كرسيا خشبيا ليجلس..أمده بكأس شاي..اعتذر..فأمده
بقهوة سوداء..التقفها بشوق…كانت قهوة فريدة..تعلن عند ارتشافها انتماءها الأزلي للحي القديم..على ما تبين من نكهتها أنها معصورة ببطئ شديد..ممزوجة ب”القرفة”و”الزعتار”…
كان الناس بانتظام يفدون على الصديق البقال يقتنون “سلعة ” الليل..بقناعة واضحة…
أخذت حركة الأرجل تزداد جيئة وذهابا..النسوة يهرعن من حمام “بلدي”..وإلى الفران..
مطالبات بالإسراع..الولدان يجرون.. يقفزون..بعض الوجوه الغريبة تلتفت في سعادة ظاهرة..
بدأ صوت دقات منتظمة تسمع من بعيد..ما إن اقترب صداها المجلجل..حتى علم أنها جوقة فرح… وصل الموكب.. أوله عجل على جبهته منديل أخضر..ووسطه فتيات على رؤوسهن صواني..ومنتهاه فرقتا الدقة المراكشية وكناوة….التفت إليه صديقه البقال مبتسما:
_”العرس عند الجار المعطي…راه زوج بنتو الأستاذة نوال..”
دخل الموكب كله إلى الدار..وقف على الشاب رجل ستيني..وقد بدت على ملامحه آثار الفرحة..فخاطبه:_”أتفضل أولدي ..نتا ومول الحانوت..مرحبا بكم..تفرحو معنا وتعشاو..”
وقف الشاب العصري في حبور..عانق الرجل..هنأه..اعتذر له بلباقة..وغادر بعدما رد الكرسي لصاحبه..هامسا:
_”…لن تجد التلقائية إلا في مثل هذه الأحياء…التي تصمد في وجه زيف المدينة..بعناد…”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع