أخر تحديث : الأربعاء 13 مايو 2015 - 6:42 مساءً

جهوزية حدو

جمال عتو | بتاريخ 23 أبريل, 2015 | قراءة

 

jamal_atto

دخلنا كعادتنا بانتظام الى قسمنا بمعاطفنا الزرقاء الذاكنة..مثنى..مثنى..وقفنا منضبطين حتى ولج المعلم..أنيقا نشيطا..أدينا تحية الصباح الخالدة بصوت واحد:”..صباااااااح الخير”.
ثم أخذنا أماكننا وكأن على رؤوسنا الطير…واختزالا للوقت الذي قد يكاد يكفي لكثرة المواد .. فان المعلم في أغلب الأحيان لا ينشغل بسرد أسماءنا من اللائحة حتى يسجل من غاب..بل ينظر الى الأماكن الفارغة فيعرف من لم يأت بعد…وفي ذلك الصباح المتميز لم يكن الا مكان واحد يشكو لوعته من غياب صديقنا “حدو”…التلميذ صاحب المستملحات والفرادة ..والزميل الذي بحاول جاهدا اللحاق بركب المجتهدين بدون جدوى….
بدأ برنامج المواد الصارم يشق الزمان ببطئ..لا توازيه الا حيوية المعلم..وتجاوب “الداكين”..
مرت عشرة الدقائق تقريبا..فتوالت على مسامعنا خطوات متسارعة بحذاء نسائي انتهت خلف باب القسم ثم طرقات محتشمة..اعتقدنا جازمين أن تلميذة جاءت عندنا لقصد..أشار المعلم لواحد منا بفتح الباب..فاذا بصديقنا “حدو” يدخل وملامح الذعر بادية على وجهه المائل الى الصفرة..وقد تأبط محفظة كساعي البريد وارتدى سروالا قصيرا وجوارب..في حين انتعل حذاء بكعب عال…أوقفه المعلم أمامنا..وسأله عن سر الغياب..وسر ذاك الحذاء..
فجمع المسكين كل ذلك في سلة مبرر واحد..وهو أنه بات مع المحفوظات يراودها وهي عنه متكبرة لم تخضع لذاكرته..فنام متاخرا وهو يموت غيظا وظيما..وعندما استيقظ ورأى عقرب الساعة يأذن بالبوار..لم يجد أمامه الا سروالا قصيرا وحذاء أخته..أخذ محفظته وأطلق ساقيه للريح…..لم ينقد صديقنا البئيس في ذلك الصباح من فلقة مشهودة سوى صدقه وقوة طرحه ل “قضيته” العادلة..وخصوصا بعدما راجعه المعلم فيما حاول أن يحفظ فوجده قريبا من مناله……
اليوم عندما أريد أن أزور الحي الذي كان به يقطن “حدو”..وأنا أمتطي وسيلة للتنقل أتعجب كيف قطع صديقي تلك المسافة جاريا في صباح بارد بسروال قصير وحذاء بكعب عالي…..
لا أجد الا تفسيرا واحدا…وهو أن الهيبة من المعلم كانت تفعل فينا الأعاجيب…..
رحم الله صديقي وأسكنه فسيح جناته…فقد كان يذكر تلك اللحظة المتميزة بكثير من الانتشاء والحبور…ورحم الله ذلك الزمن الجميل…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع