أخر تحديث : الإثنين 10 أغسطس 2015 - 12:49 صباحًا

جمال مارتيل

جمال عتو | بتاريخ 10 أغسطس, 2015 | قراءة

jamal_atto

رغم مدخلها البهيج، لكنه يضمر حسب إحساسي سرا ما في أحشائها، لم أكن لأعثر على مدخل للكتابة في مدينة ساحلية شمالية جامعية احتضنتنا يوما ونحن طلبة في عالم المثل لولا مهاتفتي لصديقي المبدع ّعبد الواحد الزفريّ، وأنا رفقة أسرتي في مقهى “ريو”: _”ألو سي عبد الواحد،أين أنت الآن؟” _”أنا في طنجة وأنت؟” _”أنا على شط الأبيض المتوسط في حين أنت بمدينتك الساحرة على المحيط الأطلسي” قهقه الصديق كعادته وعقب: _”لكل بحره بصاحتك مارتيل…”. أعرف أن للرجل قصة مع مدينة البوغاز وكتب عنها قصة” لطنجة لسحر”،لكن أعلم أيضا أن القاص الشهير يكتب عن المدينة بوجدانه كل حين. قبل عشرين سنة كنا نحط الرحال ونحن طلبة في مقهى “ريو”المطلة على البحر بعدما نعود كالفاتحين من عوالم الجامعة المتداخلة،والأفكار العائمة تجوب الذاكرة في كل اتجاه،نقعد قبالة النافذة المطلة على الكرنيش نرتشف قهوة سوداء مرة تشد من عضدنا وتهبنا الحياة لنواصل “الكفاح”،فلربما كان اخر عهد بيننا شعار خالد: “لنا يارفاق لقاء غدا،سنأتي ولن نخلف الموعدا”. في مقهى “ريو” المكتظة تتلاشى اليوم اللهجة الشمالية لتغزو اللهجات المتنوعة المكان في تناغم مثير،يجلس أمامي رب أسرة،يتصل عبر محموله بأهله ليحيلهم على المكان الوديع حيث يجلس:يلتفت الي بدون مقدمات مبتسما:_”أنا كل عام كندوز العطلة هنا،مارتيل زوينة أخويا”،مثل صاحبنا بالآلاف يزورون المدينة اليوم،لذلك فانها تشهد حركية لافتة،وتتنهد طربا لحالها،بقيت بنايات ومآثر على سمتها القديم،ربما معلنة التحدي أو تجهر بأن قوما مروا من هنا: البريد،البلدية،مسجد محمد الخامس،الحديقة المقابلة،مدرسة “لينيس”،السويقة التلقائية بخضرها وسمكها وفواكهها،مربض الطلبة بامتياز،أنحو قليلا عن المدينة الصاخبة لألف الأماكن الخالية ذات يوم وقد اجتاحها الاسمنت المسلح بقوة واصرار،مارتيل تترجل نحوالمدن “الراقية”. نادى البحر ليأخذ لحظات من وقتنا،سماء مارتيل تهدي للناس وهجا على حذر،فهي سليلة تطوان المتقلبة صاحبة قولة “المجدوب” الشهيرة،ويجمع البحر مرة أخرى طوائف قددا،مازال “قنديل البحر”يلذغ الأرجل المرتعشة الوالجة بشوق للماء الهادئ،المصطافون في وجل خفيف لا يرقى الى الذعر. _”ألاترين صغيرتي أن قنديل البحربلدغاته يرحب بنا على طريقته؟”،ألتفت الى ابنتي مازحا وهي الهاوية للسباحة بعشق،أجلس معتدلا ثم ما ألبث أن أسترخي مستلقيا في انتشاء غير خفي،أتأمل البحر ملهم الشعراء وملاذ الذاكرين،البحر المعايش للأجيال بتحد وجلد. كنا طلبة يوما نجلس على مشارفه المترامية في يوم مشمس على خلسة،كانت الأسر التطوانية المحافظة كعادتها تقضي هناك مساءات أنيقة أناقة ملبسها وطريقة كلامها،كنا نرى ذلك امتدادا للحياة الأندلسية في أبهى تجلياتها،نناقش قليلا لنلج لاحقا في مواضيع تاريخية سيميائية،فلن نكون طلاب علم وحقيقة الم نفعل ذلك. العائلات التطوانية اليوم ربما تستجيب للزحف الداخلي،أو ربما تنحني في ثبات للعاصفة،شاطئ مارتيل ممتلئ عن آخره،أنظر الى مشهد وقد استرخى بجانبي ابني ذوالسبعة عشرة ربيعا بعدما انتهى من جولة سباحة،أنظر الى شاب وقد حمل طفله الصغير على صدره يشير الى زوجته لتفتح الأزرار وراء ظهره،ليحتضن الطفل من جديد،يتحسس حفاظته هل بها من بلل،يأخذ الرضاعة ويمنح وجبة الحليب للصغير في وقت تترقب زوجته الوضع عن قرب مبتسمة،تلتفت امرأة تطوانية مسنة الى رفيقتها قائلة :”وهانتي،المرا هانية لضحيك،والراجيل ليرابي”،شخصيا تفهمت أمر الزوج الشاب بصعوبة لكن لم أرفض ذلك، في حين يخاطبني ابني بتلقائية: _”بابا ،هذا شيء جد عادي…”. مارتيل تحتضن كغيرها الأجيال،وعقارب الساعة تمضي …ولا تقف أبدا…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع