أخر تحديث : السبت 25 أغسطس 2012 - 3:55 مساءً

الحنظل

القاصة نادية بنمسعود | بتاريخ 25 أغسطس, 2012 | قراءة

بعد قضاء أزيد من ساعتين ، في إحتفاء أدبي بأحد أبرز أعمدة الأدب داخل المدينة ، نظرت الى ساعة يدي ، فوجدتها الثامنة والنصف بالضبط ، وقت من الزمن يفرض علي المغادرة الى البيت ، احتراما لما تفرضه علينا الأصول داخل القصر الكبير.

وعليه وضعت مذكرتي في حقيبة يدي وودعت الأصدقاء وخرجت أحث الخطى باتجاه البيت ، الشارع شبه خال من البشر ، والبرد يعصف بكل الأشياء ، مخلفات الباعة من ورق الكارتون والأكياس البلاستيكية ، الأشجار العالية ، ملابس العشاق ، ووجوه البؤساء والمحرومين ، وضعت يداي في جيوب معطفي علني أحس ببعض الدفئ وأتممت الخطى…….
انها هناك ، كما رأيتها أول مرة عند باب الوكالة العمومية التي كنت أشتغل بها منذ 5 سنوات ، ظهر مقوس ، كتلك الأحلام الحزينة التي تتدمر فينا كلما ازداد العمر عمرا ، وجه شاحب ، كعجوز خانها زوجها بعدما نهال منها المرض ، ملابسها جلباب وردي اللون هو نفسه الجلباب اللذي كانت ترتديه وهي ذاهبة لانجاب ابنها رضى ، اللذي لو رحمة الله لكانت قد انجبته في الشارع الرئيسي للمدينة.

وبضحكة البراءة الخجولة ، تقدمت كريمة نحوي ، كانت تعلم أنني غاضبة منها ، لهول الخطيئة التي ترتكبها كل عام ، خطيئة لاتنتج لنا سوى أطفال أبرياء ، مصيرهم الوحيد ، التخلي عنهم عند أول لحظة صرخة لهم داخل هذا العالم ..
كل ذنبهم أنه ولدوا من رحم أمهات حمقى ، متسولات ، متسعكات ، أمهات لم يستمتعن بمنظر بطونهن وهي تكبر شهرا تلو الشهر ، أمهات لم يتلذذن باحساس الأمومة وهن يلاحظن أن أطفالهن يكبرن داخل أحشائهن ، أمهات خانتهن الأقدار ، فحطت عليهم رجولة العجول ، وكانت النتيجة ، صبية يلهون بالتراب ، أصواتهم تطرح ألف سؤال كل يوم ، كيف ؟ ومتى ؟ وأين ؟ ولماذا؟
وبعد ابتسامة عابسة معها ، أكملت الخطى والرياح تزداد هبوبا ، تعصف بكل هذا الألم اللذي يوجد بداخلي .
وهكذا الى أن وصلت الى شارع مولاي علي بوغالب ، تملكني الخوف من فراغ الشارع من البشر ، والسيارت والدراجات ، لاأحد يوجد بالشارع ، غيري انا والأشجار الذابلة ، وصوت رضى الطفولي ، وهو يفرك يديه الصغيرتين على بعض الدفئ يتسرب اليهما .
سرواله القصير وقميصه الصوفي مع حذائه الصندلي ، كان دليل على أن درجة البرد القوي تغزو جسمه النحيل .
طلبه ليس غريبا عني ، كل يوم أسمعه وأنا أمر بشوارع هذه المدينة ، قطعة خبز أو بعض الدراهم ، أو شيئ من الشكولاته التي توجد في جيبي ……
تذكرت كلمات الشعراء والمثقفين ورؤساء الجمعيات الاجتماعية وهو يتحدثون ملئ الأفواه عن أطفال في البؤس يولدون .
وتساءلت أما لأطفال مدينتي شيئ من ذاك اللذي يتحدثون عنه……
في كل ليلة بعد قضاء يوم في التسول والنشل ، تحتضنهم زوايا دروب المدينة ، ونفقها اللذي يعتبره منجزوه أنه أكبر انجاز في المملكة ، فعلا هو انجاز لهؤلاء الأطفال المهمشين ، اللذين يتخذون منه كل ليلة بيتا للنوم ونسيان بعض من لحظات الحنظل التي يعيشونها كل يوم.
هنا كان رضى يقضي ليله ، مفترشا الكرطون ومغطى بكيس خيش داخل هذا النفق ، ينتظر طلوع فجر يوم جديد ، لاجديد فيه غير تصاعد نسبة القهر والذل من سيئ الى أسوء.
وككل صباح يتجه الى مقهى لغزاوي يسأل عن الندوات والوقفات الاحتجاجية وموكب العروس ….فالبنسبة له مثل هذه المواقف كفيلة ببيع جزء لابأس به من علب لكلينيكس وبعض العلك واستعطاف بعض الضمائر الحية في منحه بعض من الدراهم.
وعند كل مساء ، تحط عينيه اللوزويتين على عيني أمه كريمة وهي تتسكع في أحد المقاهي تبتسم بمرارة للرجال الجالسين في المقاهي، لعلى مكبوتاتهم الرجولية تحركها ابتسامتها المريرة فيمنحونها بعضا من الدراهم.
وهكذا يزداد احساسه بالذل نخورا في نفسه الصغيرة ، فلايجد غير الكولا ، حلا لنسيان هذا الذل ولو لساعات معدودة.
وكهذا نمضي ….شعارات واهية ….. نصوص زائفة……..لغة سفسطائية ….ومشاعر مزيفة………
لاحب، لاحلم ، لاتسامح ، لاسلام….
والكثير من القهر داخل هذه المدينة الأسطورة ………..

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع