أخر تحديث : الجمعة 20 مارس 2015 - 4:49 مساءً

جرح قديم

أحمد الدافري | بتاريخ 20 مارس, 2015 | قراءة

ahmed_eddafri

عندما كنت أدرس أنا وشقيقي محمد جلال في مدرسة مولاي علي بوغالب الابتدائية بمدينة القصر الكبير، كان يوم الجمعة يومٓ عطلة مدرسية.
في قسم التحضيري درّستتا الأستاذة الجميلة الحسناء فطّومة. كانت صديقة لوالدتي. توفيت وهي شابة بورم خبيث فبكت عليها أمي كثيرا. وفي الأولى ابتدائي درّسنا الأستاذ الغيلاني الذي كان يرتدي دوما جلبابا وطربوشا وطنيا أحمر. كان رجلا طيبا وبشوشا ويتحدث بلكنة جبلية جميلة. وفي الثانية ابتدائي درسنا العربية الأستاذ بنكيران، ابن عم الحاج عبد الله بنكيران صاحب البيت الذي كنا نكتريه في حومة سيدي بوحاجة. وقد كان رجلا تقيا ورعا يرتدي جلابيب من المْليفة وطربوشا شبيها بطربوش محمد الخامس، ويحمل دائماً في يده سبحة. أما مادتا الفرنسية والحساب فقد كانت تدرسهما لنا الأستاذة ارحيمو التي كانت تقطن في المنازل المخصصة لمستخدمي محطة القطار في الطريق المؤدي إلى حي دار الدخان، لأن زوجها كان مسؤولا في المكتب الوطني للسكك الحديدية. وفي قسم المتوسط الأول كان يدرسنا العربية الأستاذ الوزاري، الرجل الوسيم، صاحب اللحية السوداء القصيرة، الذي كان يرتدي جلابيب الثوب الأنيقة ذات اللون الكاكي. وكان التلاميذ الذين لا يفهمون مادة الشكل، قبل القدوم يوم الخميس إلى القسم عند سي الوزاري، يحرصون على وضع قطع كرتون فوق مؤخراتهم تحت السراويل، لأنه كان مشهورا بعقاب من لا يعرفون شكل النصوص في السبورة، باستعمال تقنية “أرْبعة صْحاحْ”. وتقنية “أربعة صحاح” هذه التي اخترعها الأستاذ الوزاري، تعني أن يقوم أربعة تلاميذ أقوياء جسديا في القسم بحمل التلميذ الذي لا يحسن الشكل، بحيث يمسكه كل واحد من قدمه أو من يده، ويمددونه في الهواء، ويقلبون وجهه نحو الأرض، قبل أن يشرع الأستاذ الفقيه سي الوزاري في توجيه الضربات لمؤخرته بواسطة قضيب. أما زميل سي الوزاري الذي كان يدرسنا الفرنسية والحساب فهو الأستاذ المربوحي. كان المربوحي طويل القامة، مستطيل الرأس، لا يتوقف عن التدخين، يأتي إلى المدرسة فوق دراجة هوائية، ويثير الرعب في التلاميذ بصراخه عندما ينادي عليهم لإنجاز العمليات في السبورة. كنا ندخل لحصة الأستاذ المربوحي في المساء.
في أحد الأيام أخبرنا تلاميذ فوج الصباح بأن كل من سيقوم لإنجاز عملية حسابية في السبورة سيشبع ضربا. ومن سوء حظي، أنني كنت أول تلميذ نادى عليه سي المربوحي لإنجاز عملية حسابية في السبورة. ربما لأنني كنت أجلس في الطاولة الأولى أو لأنني كنت أحصل على النقطة الأولى في مادة الحساب. حين سمعت اسمي كاد قلبي الصغير أن يتوقف عن النبض. وما أن وقفت قبالة السبورة حتى طار من رأسي كل ما أعرفه عن الحساب، مما أثار غضب الأستاذ سي المربوحي، الذي بدأ يخبط خبط عشواء في كل أنحاء جسدي بقضيبه الغليظ. وعندما كنت أبكي وأرفع يدي لأحمي رأسي من الضربات، تعرضت أصابع يدي اليسرى لضربة قوية بالقضيب. كانت ضربة مؤلمة. سقطت على الأرض أتلوى وأصرخ من شدة الألم. فتوقف سي المربوحي عن الضرب. وطلب مني أن أعود إلى مكاني. كان الألم قويا. نظرت إلى أصابعي فوجدتها خضراء ومتورمة. أما الأصبع الصغير فقد أصبح شكله غير طبيعي. لم أستطع مقاومة الألم. كنت أبكي وأبكي وأبكي. لكن بصوت جد خافت يشبه النحيب. وفي المساء، عندما فحصت أمي أصابعي، بكت هي الأخرى.
كان الأصبع الأصغر قد تكسر. ومازال أثر الكسر باديا عليه إلى غاية الآن.
الله يسامح.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع