أخر تحديث : الأحد 30 نوفمبر 2014 - 12:08 صباحًا

صكالا و أنا… كما عرفته -16-

ذ.عوض إبن الفقيه | بتاريخ 30 نوفمبر, 2014 | قراءة

anawsakala16

تمر الأيام بتثاقل في حياة السي محمد صكلا، كنت في أحس الكثير من الأحيان أن الرجل يعيش معاناة رهيبة عنوانها الفراغ الأسري.منزله يكون في العادة مملوء بالعديد من الزوار، لكن ما أن يرخي الليل سدوله حتى يتبخر الجميع، و يجد المسكين نفسه منزويا بين أربعة جدران ، لا مؤنس له غير تلفزة تبث القناة الاسبانية TV1، طوال الليل حتى الصباح.
في سنة 2000 و بإلحاح من بعض الطلبة و الموظفين، ابتدأ السي محمد صكلا في إعطاء دروس تقوية في مادة اللغة الاسبانية، بعد أن كان يعطيها في دار الشباب. لم يكن يهدف إلى جمع المال، بل إلى طرد الملل و الوحدة اللذان كانا يؤرقانه، و كذا إلى مساعدة الراغبين على إتقان هذه اللغة الحية. قام ذات يوم بتوزيع جميع الأثاث الموجودة في إحدى غرف شقته على بعض المحتاجين، و اشترى بالمقابل كراسي بلاستيكية و سبورة متوسطة الحجم تكفي الغرض. في حقيقة الأمر أزعجني هذا قليلا، إذ أصبحت أجد صعوبة في لقاءه من أجل متابعة مشاريعنا الفنية، فهو إما مشغول في مدرسة المنزه، دار الشباب أو في منزله مع ثلاميذه.
تعرف السي محمد صكلا في هذه الفترة على العديد من الأطر، سواء من كانوا يشتغلون في القطاع العام أو الخاص، و كان من بينهم د.خليل فرحات الصيدلاني، الذي رافقه لاحقا في كل أزماته الصحية و قدم له خدمات انسانية جليلة لن تنسى.
بين الفينة و الأخرى كنا نذهب سويا للممارسة رياضة الجري رفقة أحد أصدقائه يسمى عبد العالي. كان معلما في أواخر الأربعينيات من العمر، بلحية خفيفة رمادية اللون، شكله نحيف مثل أصحاب اليوغا. نمر عليه في منزله بدوار العسكر في الصباح الباكر، و نذهب جريا سويا نحو طريق تطفت، نخترق بعض حقول قصب السكر، ثم نعرج على دار الدخان. السي محمد صكلا كان يتمتع بلياقة بدنية هائلة و جسم ممشوق، كان يمازحني قائلا: شوف الفخديين ديالي مفتوليين بحال حسن من ديال الخدروف- الخدروف هو أحد الأبطال السابقين لرياضة كمال الأجسام القصريين في الخمسينيات و الستنيات ، و قد توفي قبل سنتين-.
في بعض الأحيان كنا نتوجه معا صباحا إلى مقهى أوسلو لتناول فطور دسم. السي محمد كان يتناول الاغذية المشبعة بالسكر بدون أي احتياط يذكر، شاي، قهوى بالحليب، حلويات، عصير..كنت أسأله عن عدم تخوفه من الإصابة بمرض السكري: فكان يجيب بثقة زائدة: الرياضة كتحرق جميع السكريات الزائدة في الجسم، و أنا دائما كنعمل الرياضة. كان هذه الفكرة قاتلة، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، و أثرت بشكل مباشر على صحته بعد ذلك.
مع مرور الأيام أصبح السي محمد أكثر عصبية، أحيانا كنت أشاهده وهو يحملق في صور طفليه المعلقة فوق أحد الجدران و هم يلعبون فوق صخور شاطئ ميامي بالعرائش، يتنهد طويلا، يبتسم بسخرية لحظه العاثر، لقد كان يحبهم كثيرا، يحس بجرح كبير تركه غيابهم، كان حساسا لدرجة كبيرة، أنسحب إلى شرفة المنزل تاركا إياه في تأمل عميق.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع