أخر تحديث : الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 10:04 مساءً

صكالا و أنا… كما عرفته -9-

ذ. عوض إبن الفقيه | بتاريخ 17 سبتمبر, 2014 | قراءة

 


بعد انتهاء السهرة اتجهت نحو السي محمد صكلا و عانقنه بحرارة، التقطت صور جماعية مع بعض الأصدقاء، ثم تركت جميع أعضاء الفرقة مع صديقي أحمد الدافري الذي دعاهم إلى منزله، و توجهت بسرعة إلى منزلي حيث أخذت بعض أغراضي و استقلت القطار صوب مدينة فاس قصد التسجيل في كلية الحقوق. مكثت يومين هناك و بعد ذلك استلمت وثيقة انتقالي من تلك الكلية لأجل الدراسة بالعاصمة الرباط، إذ كانت كلية الحقوق بفاس تشهد صراعات دموية وعنيفة بين القاعدين و الإسلاميين.

عند رجوعي إلى القصر الكبير اتصلت بالسي محمد صكلا، كان هدأ بعد العرض الباهت الذي قدمته تلك المغنية الشابة، تناقشنا كثيرا في موضوعها و تفهم أن الأمر يفوق مقدورتها بسبب نقص تجربتها.أخبرته عن انتقالي للدراسة في مدينة الرباط بسبب الأوضاع الغير المستقرة في كلية فاس، وافقني على هذه الفكرة بشدة. فبقدر ما كان يشفق على الطلبة الذين كانوا يتناحرون فيما بينهم ، كان يمقت العديد من السياسيين و يعتبرهم السبب الرئيسي لكل هذه التطاحنات الدامية. الرجل كان عاشقا للفن و لم يكن يحب السياسة.

استمرت اتصالاتي بالسي محمد صكلا بشكل منتظم و متواصل، و أصبحت تتعمق يوما بعد آخر. ذات مرة أسر لي أنه بدأ يعاني من الوحدانية المرة، خصوصا بعدما سافرت تلك الفتاة الخنيفرية إلى أسبانيا، فهو لم يتعود أن يعيش وحيدا. كانت تؤنس وحدته، و تقوم بأشغال البيت. تحمل الرجل إشاعة أطلقها أحدهم عن وجود علاقة مشبوهة بينها، وصله الخبر ذات يوم فتألم كثيرا، لكنه كان يخفي ذلك، كان يريد تقديم المساعدة لهذه الفتاة لاقتناعه الراسخ بالقيم الإنسانية البعيدة عن الغرائز الحيوانية، لكنه لم يسلم من ألسنة التافهين.

ذات مرة تجرأت و سألته عن سبب الغياب الطويل لزوجته و أبنائه فانفجر صارخا: هل تعرف أن أسرتي غدرت بي؟ لقد سافرت رفقتهم إلى مدينة برشلونة قصد قضاء عطلة الصيف كما دأبنا على ذلك كل سنة تقريبا، و الان يخيروني بين الالتحاق بهم للعيش هناك، أو أن يتركوني وحدي في المغرب. أهذا معقول يا عباد الله ؟ واش نخلي الخدمة ديالي و نمشي نغسل الطباسل عند السبنيول؟؟ نخلي مدينتي للي زدادت و كبرت فيها، و نمشي نتغرب؟ حاولت أن أهدأ من روعه قليلا، كان غاضبا جدا، أحس بطعنة في الظهر من من كان يعتبرهم عائلته الصغيرة.

في حقيقة الأمر فوجئت بما باحه لي السي محمد، فالرجل كان معروفا برباطة جأشه و كتمانه لأسراره، و لم يكن هينا عليه أن يفتح قلبه لأي شخص، كان حريصا على أن لا يتحدث عن خصوصياته أو خصوصيات الآخرين. ربما كانت هذه اللحظة بداية علاقتي الإنسانية بهذا الشخص التي تجاوزت العلاقة الفنية. منذ تلك اللحظة بدأت أكتشف صكلا الإنسان الشهم و الأب الحنون، و أيضا الأب المكلوم الذي ربما لن يرى أسرته إلى الأبد، و للأسف كان ذلك باختيارهم كما اكتشفت لاحقا.

حاول السي محمد صكلا التأقلم مع الواقع الجديد ، واقع كما وصفه ذات يوم عندما سخر قائلا : أن زوج أعزب . أظهر حيوية استثنائية كانت تبهرني بشدة ، فرغم بلوغه سن الخمسين في أواسط التسعينيات من القرن الماضي فقد كان حريصا على الحفاظ على نضارة الشباب ، لم يدخن أو يشرب الخمر قط في حياته. وزع حياته بين الاشتغال كمعلم للتعليم الابتدائي بمدرسة المنزه، ممارسة كرة القدم كل يوم أحد بملعب دار الدخان أو منتجع GARCIA، و بين المشاركة في الأنشطة الثقافية.


للاطلاع على الحلقات السابقة .. المرجو زيارة الموضوع التالي : صكالا و أنا ـ كما عرفته ـ

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع