أخر تحديث : الأربعاء 8 فبراير 2012 - 1:40 صباحًا

خرائط الليل

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 8 فبراير, 2012 | قراءة

خرائط الليل رواية في ثلاثة أجزاء، وإصدار ثامن للروائي الكبير مصطفى الجباري، هي محطة متقدمة في مسيرة الأديب المبدع، والمفكر العربي العالم بأسرار النفس البشرية، والمريد المتبتل في محراب التصوف، الذي يتبوأ مقعدا متقدما ومتميزا في نادي الروائيين العرب، ولا أبالغ إدا قلت: يتصدر مجلسهم، ولاسيما إذا علمنا أن روايات الأديب مصطفى الجباري هي سرد بأسلوب رفيع ليس فقط للوقائع والأحداث الاجتماعية.  وتجسيد لصراع الأهواء والمصالح والنزعات، ولكنه كذلك غور في أعماق النفس البشرية، وتصوير لتقلباتها في حالات ومواقف متباينة ومتعارضة ومتقلبة، في رضاها وسخطها، في خوفها وأمنها، في فرحها وحزنها، في نزوعها إلى التسلط و السطو والسيطرة، أو إحجامها خلف أستار الخوف والتوجس، أو وراء أقنعة الكبت والتخفي، وفي تأثرها بطبيعتها الغريزية، أو في تحررها من عالم المادة ومظاهره الزائفة، ونزوعها إلى عالم المثل، وتشبعها بقيم السمو والفضيلة.
خرائط الليل شدتني إلى رحلتها بحبال التملك والتشويق، وأسرتني في سراديبها بسلطة الاستقطاب والتأثير، فلم أمانع في الانقياد إلى عوالم الأستاذ مصطفى الجباري، رغم أنني لم أتمكن بعد من “خرائط الليل” وبوصلة الإبحار، وتمنيت عن طواعية أن أبقى أسيرا لهذه القوة الناعمة، وسجينا لعوالم الجباري، أبحر في لجج يمه من جزء إلى جزء، ومن حدث إلى حدث، في رحلة ممتعة عبر تضاريس المجتمع الإنساني، وامتدادات الفلسفة وعلم النفس، وأوراد التصوف المشرقة، ومنابر الفقه والعبادة، خرائطي في هذه الرحلة إصراري على اكتشاف المزيد من كنوز الجباري الفكرية والأدبية والروحية، وزادي وزادك إن أقدمت على الإبحار هو الصبر، والقدرة على الغوص في ما بعد أمواج الحروف والكلمات، وأن نجعل من الأحداث والشخوص مجرد مفاتيح تساعدنا على اقتحام عالم الروائي مصطفى الجباري.
خرائط الليل نقلة نوعية على مستوى طرح الإشكاليات، وتصوير الوقائع الاجتماعية، ورصد لحالات النفس البشرية، أثناء قراءتي لخرائط الليل كنت أعيش روايتين: رواية تجسد صراع الأشخاص، وتصور تطور الأحداث الاجتماعية، وتصف الناس والأمكنة والوقائع، وذلك مبتغى نحصل عليه في مجمل القصص والروايات بصفة عامة، ورواية أخرى أبعد من أن يدركها عامة القراء، ويراها القارئ العادي بالعين المجردة، فقط تدركها النخبة من رواد الفكر، ومن يحسن استعمال المجهر في التقاط النهى في مختبر النفس، وقاعة توليد الأحاسيس والعواطف، فذلك هو من يتغذى على مأدبة الجباري الفكرية، الغنية بمقومات الغذاء الروحي والوجداني والنفسي، وينهل من معينه ما شاء من قيم الفضيلة، ودرر العقل.
خرائط الليل رواية جديرة بالقراءة، نفيسة تغني خزانتكم الأدبية، شمعة تنير زوايا نفس القارئ بسنا الفكر والروح.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع