أخر تحديث : الأربعاء 7 مارس 2012 - 3:40 مساءً

الـقـــــــــــــصــــــــــــراوي

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 7 مارس, 2012 | قراءة

تحت شجرة مقهى ‘الواحة’، كنت مع الأصدقاء نبايع حديث المقاهي رسولا بيننا، لما التحق بجماعتنا رئيس جمعية أصلاء “القصرالكبير”، قصير القامة اعتلى الشيب رأسه الصغير ولم يمس لحيته بل تركها تنعم بسوداها، متعنت الطباع هادئ الانفعال، يحبط أفاق انتظاراتك بهدوء الحملان، إذا حاول أحد ما إقناعه بأن العالم أصبح قرية صغيرة، يتفق مع طرحه مستثنيا مدينة “القصر الكبير” عن تصنيفه، فهي تضل مدينة للقصريين ولن تسمى قرية أبدا، فالعولمة في نظره وإن غيرت بتكنولوجيتها الحديثة العالم بأسره، فإنها لن تستطيع بحال من الأحوال تغيير معلمة أو علم ينتسب لهذه المدينة الضاربة في جذور التاريخ.

كان دائما وفي جميع المحافل والندوات والمحاضرات، وحتى في صبيحات الأطفال يصرح ويصر على الافتخار بانتمائه للأصول القصريةالتليدة، وإذا تجرأ أحد المثقفين (مهما كانت مشارب فكره)، إقناعه بالعدول عن عصبيته البريئة يرفع صوته عاليا:
– إن لم تكن قصريا أنا مالي؟.
قبل الجلوس معنا حيانا بتحيته الغريبة:
– سلام على القصرين من رب أسرة “قصراوية” رحيمة:
فأجبته ممازحا:
–  زفر زفرة عميقة وأمسك بأرنبة أنفه وقال:
–  هانحن من جديد نتهيء لإقامة ندوة ثقافية تعرف بالمدينة وأعلامها.
سأله صاحب صاحب رواية “الخوف” صديقنا الوديع الجلولي:
– وما موضوعها؟.
أجاب باعتزاز وفخر:
– مواضيعها مفتوحة على كل ماهو قصري، كما أن عدد المتدخلين لا زال مفتوحا أمام جميع محبي هذه المدينة، وبحوزتي الآن خمسة وثلاثون متدخلا ومتدخلة من العيار القصري الوازن.
باندهاش سألته إن كانت أمسية واحدة تكفي لكل هذه المداخلات، أجابني بوثوقية:
– كل واحد من المتداخلين وقع سلفا على الالتزام بعشر دقائق كحد أقصى لمداخلته.
من جديد استفسره أحدنا:
– كيف ستتصرف إن تجاوز أحدهم الوقت المحدد؟
بعصبية غير معهودة فيه؛ أشعل سيجارة ونفث دخانها في الهواء وهو يجيبه:
– بالطبع سأمنعه عن التطاول على حق الآخرين، وإن شاء أن يكمل مداخلته فأنا مستعد للاستماع إليه ء بعد انتهاء الندوة ء طبعا إلى ما بعد صلاة الفجر.
كان كلامه منطقي يتماشى وتصوره لتدبير نشاط هو الداعي إليه.
– وهل سيشبه هذا النشاط حكايتك مع أنفلونزا الطيور؟.
قالها الجلولي وانفجر مقهقها حتى بانت أضراسه، كانت ضحكته مقنعة حتى أني تماهيت معه وضحكت دون أن أعرف السبب، وحتى لا يصبح ضحكي من قلة الأدب طلبت من القصراوي أن يحكي لنا حكايته، ولم أكن بحاجة للإلحاح عليه، فقد انطلق عن طواعية يروي قصته بعفوية ونشوة قل نظيرها:
– كنت مارا بجوار إحدى المزابل التي لم يكن لها وجود في المدينة قبل غزوها من قبل الغرباء، كما أنها ليست من مخلفات أهل ‘القصرالكبيز، إذا بي أرى دجاجة سوداء الريش وقد توارت وراء الأزبال، وكان أنفها يسيل ماء، وعيونها كعيون الجاحظ وقت غضب، فقلت في نفسي: إنها علامة أنفلونزا الطيور، بمنديلي كممت أنفي، واقتربت منها بحذر، و غطيت المسكينة بقطعة قماش بهت حتى ابيض، ورجوت أحد المارة أن يحرسها في انتظار عودتي بعدما حذرته من خطورة التفكير في سرقتها أو حتى الاقتراب منها، وبالمقابل وعدته بمكافأة مالية كبرى سنتقاسمها معا.
ثم انطلقت مهرولا نحو المستشفى المدني، بسرعة دخلت فناءه واقتربت من أحد الأطباء المكلف بالمستعجلات وقلت له كأني أحمل له خبرا سارا:
– صباح الأنفلونزا يادكتور.
أجابني بعد أن نفخ خديه تأففا:
– انفلونزا في أول كشف لهذا الصباح، فأل خير إن شاء الله تمدد على السرير كي أكشف عليك،
أمسك بمرفقي كي يصحبني نحو السرير، لكنني انتفضت وتراجعت نحو الوراء ونبهته:
– لست أنا المصاب!.
نزع نظارته عن عينيه وقال:
– ومن المصاب؟ أهي زوجتك؟
قالها وهو يشير نحو إحدى المريضات التي كانت تنتظر دورها.
– لا بل الدجاج المسكينة التي تحتضر بالمزبلة يا يادكتور!.
بعصبية أجابني:
– أحمق بالليل وآخر في الصباح يالها من مهنة مريــحة!.
– حذرته من التمادي في الغلط فقلت له:
– أنا لست أحمقا أنا قصراوي قح، والدجاجة التي حدثك عنها موجودة بالمزبلة، هيا أنجدها قبل انتشار الوباء، تحمل مسؤوليتك.
استشاط الطبيب، ورمى سماعته أرضا وفك ربطة عنقه وقض أزرار وزرته، وبعصبية قال لي:
– أغرب عن وجهي الآن قبل أن أرتكب حماقة، فلي من المشاكل ما يكفي وزيادة.
لأهدئه ربتت على كتفيه، أجلسته على الكرسي، ناولته كأس ماء وانطلقت أذكره (والذكرى قد تنفع الأطباء) تنحنحت وقلت:
– ألم تؤدي قسم “أبي قراط” قبل توليك مهنة الطب؟ الذي يوصي بالتدخل لانقاد الأرواح.
طوح بأوراق وأقلام مكتبه، وبنظارته وبالكأس في حركة واحدة:
– نعم أديت القسم لمعالج الإنسان، ولم يرد ذكر الحيوان في قسم “أبي قراط”.
– معذرة دكتور لو نبهتني لذلك ما كنت عكرت مزاجك بهذا الشكل، إن انفعالك هذا يؤكد لي أنك لست “قصراويا” بل من الدخلاء.
تركت الطبيب يتجرع حبات مهدئة، وانطلقت جاريا نحو البلدية لتدارك التأخير الذي أحدثه الطبيب (البراني)، وحتى يتم التدخل لمعالجة الموقف قبل أن يفوت الأوان، وتنتشر الأنفلونزا بين أعلام المدينة ومثقفيها. في الطريق كان “القصرويون” يوقفونني ويستفسرونني عن سبب جريي بتلك الطريقة، إذ كنت أزيح عن طريقي أي شخص يعترضني: صغيرا كان أم شيخا، شرحت لهم خطورة الحالة عن عجل ودون التوقف عن العدو، الشيء الذي جعل بعضهم يتبنون موقفي ويشاركونني الجري، لأن هذا الخبر العاجل لم يأت ذكره بعد لا في الإذاعة الوطنية، ولا حتى في الصحف اليومية.
عندما اقتربت من بوابة البلدية العتيقة، وجدت خلفي مجموعة كبيرة من محبي الاستطلاع، الشيء الذي جعلني أتريث قبل الدخول، وخفت أن أتهم بتنظيم مظاهرة قد تربك أمن المدينة التي لا ينقصها ارتباك، بهدوء انسحبت وأنا أردد:
– مالي أنا والمظاهرة؟!
إلى المزبلة عدت لمتابعة بقية الأحداث، بعدما علمت أن باشا المدينة قد أعلم عامل الإقليم بخطورة الموقف، و الذي أخبر بدوره الجهات المعنية بمراقبة حالات الأنفلونزا التي قد تظهر في أية مدينة، وأعلنت حالة الاستنفار داخل دواليب السلطة، وعين أحد العسكريين لمراقبة الدجاجة، قبل أن تصل عدواها إلى تازة (مدينة مغربية). وقف العسكري على بعد من الدجاجة يراقبها وعلى أنفه وفمه “كمامة” إلى وقت متأخر من ذاك الصباح، وفي المساء من العاصمة جاءت سيارة إسعاف غريبة، بسرعة فتح بابها فنزل منها شخصان لا يمكن التعرف على هويتهما، نظرا لارتدئهما للباس المخصص للتعامل مع هكذا حالات: يرتديان لباس أبيضا يحجب جميع أعضائهما (من الرأس حتى أخمس القدمين)، وعلى كفيهما قفازات طبية، أمسك أحدهما بالدجاجة وألقى بها في كيس بلاستيكي شفاف، وأقفله عليها بإحكام دون أن يترك لها متنفسا، ألقت المسكينة نظرة أخيرة نحوي وكأنها تقول لي:
– أهكذا أردت أن تراني؟!.
بسرعة خارقة انطلقت سيارة الإسعاف نحو المجهول. تحسبا لأي انفلات أمني قد يحدث، بالليل أقيمت ندوة حول أنفلونزا الطيور، استدعيت لها فعاليات ذات تخصص في مجال التوعية بهذا المرض، حضره ثلة من سكان المدينة، كان العرض صوتا وصورة تنول فيه “كرونولوجيا” تطور هذا المرض، مع شرح مستفيض لمسبباته وطرق الوقاية منه، بعد انتهاء عروض المحاضرين، فتح باب النقاش لأجد نفسي مسحوبا من قبل بعض الأصدقاء نحو المنصة قصد التدخل، نزولا عند رغبة الجمهور الذي شجعني بحرارة، وبكل تواضع أمسكت “الميكروفون” وقلت:
– تحية معطرة بلقاح أنفلونزا الطيور أيها القصريون، سبق لي أن أكدت لمجموعة من الأخوة أن لا وجود لهذا المرض، وأنها مجرد تسميات كعمر وزيد وخالد، وأن الطيور فقط متهمة بنقل العدوى إلينا معشر القصريين الملقحين فطرة ضد أي مرض قد ينتجه التقدم الحضاري، لقد سبق لي أن عشت مثل هذه الحالة لما كنت في “ألمانيا”، في ستينيات هذا القرن، حيث كنت بمعية بعض “الألمانيين” نجمع طيورا أصيبت بنزلة برد شديدة جعلتها غير قادرة على التحليق، كنا نجمعها ونضعها قرب مدفأة عملاقة، ونتركها هناك إلى أن تستعيد دفأها، وبعد ذلك نحملها ونطلق سراحها على الحدود الألمانية، فتعود للتحليق من جديد بشكل طبيعي.
وإن كانت الدجاجة مصابة بالأنفلونزا أو البرد، أنا مالي؟
مادام الباشا قد عين عسكريا لحراستها، واستقدم المختصين للتدخل، أنا مالي؟
وإن ماتت الدجاجة داخل الكيس المغلق وجاء صاحبها يبحث عنها وأنفه هو الآخر يسيل ماء. مالي أنا؟
إذا كانت هي التي نقلت له العدوى، أو هو من عاداها، أنا مالي؟
أصلا إن لم تكن الدجاجة قصراوية الأصول مالـــــــــــــــــي أنا؟!

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع