أخر تحديث : الجمعة 3 أغسطس 2012 - 8:40 مساءً

سخرية القدر

ذ. القدميري محمد | بتاريخ 3 أغسطس, 2012 | قراءة

استلقيت على قفاي تحت ظل شجرة، أبتغي برهة من الراحة بعد كدح دام وقتا طويلا تحت أشعة الشمس اللافحة في الضيعة التي بدأت أشتغل فيها بوصية من عمي لصاحبها الذي عهد إلي بأن أقوم بعملية الزبارة لأشجار التفاح. راودني النوم عن نفسي بكل ما يمتاز به من لذة و حلاوة، فوجدني له مستسلما و لتأثيره صاغرا.

ضبطت أمواج أوداجي على أعلى دبدبات الشخير بحيث بات عرنين أنفي نفيرا يتردد صداه عبر الأثير. بينما أنا كذلك، سمعت دويا صاخبا يلعلع قمت على إثره مذعورا فتراءت لي على مقربة مني سيارة في وضع غير طبيعي، إطاراتها تنظر للسماء و سطحها فوق الأرض، مسرعا هببت صوبها أريد الاستطلاع عما حدث فتبين لي أنها تقل شخصان، رجل و امرأة في مقتبل عمريهما غارقين في دمائهما وقد تشوهت سحنتهما بفعل الصدمة.

كل هذا و مذياع السيارة يردد بأعلى نبرة أغنية – إني أغرق، أغرق، أغرق…..!!! بدون تفكير، ومن سذاجتي وجدتني أطلب النجدة بهاتفي الخلوي من رجال الوقاية المدنية. تجمهر حولي حشد من الناس لم أدري من أين أتوا؛ قال لي أحدهم بازدراء: كيف حدث كل هذا و لم تصب أنت بأي أذى؟ – عقبت عليه بكل ذهول: أنا يا سيدي لم أكن من ضمنهم، بل كنت وسنانا تحت هذه الشجرة و ما أفاقني إلا وقع حادثتهم هذه.

و هل طلبت النجدة؟ أردف الرجل…- نعم لقد فعلت يا سيدي و ما أضنهم إلا في طريقهم إلينا. مر ردح من الزمن ليس بالهين حتى سمعنا نفير سيارة إسعاف رجال المطافئ و هي تشق الغبار صوبنا متبوعة بسيارة من نوع “الجيب” على متنها رجال الدرك الذين و بمجرد وصولهم بدؤوا بالقيام بواجبهم ، بينما حُملت بواسطة رجال الوقاية المدنية جثامين الضحايا إلى سيارة الإسعاف التي هرولت بهم صوب مستشفى المدينة القريبة. فوجئت بدركي يتكلم عبر جهازه اللاسلكي يقول: إنها نفس السيارة يا سيدي و حتى الأرقام المدونة على لوحتها مطابقة للتي عندنا في التقرير، شخصان ممن كانوا على متنها لقوا حتفهم و الشخص الثالث تم القبض عليه و البحث عن البضاعة جاري تنفيذه (حول) و عندئذ تحول الدركي نحوي، و بصوته الأجش صرخ في وجهي بنبرة الآمر: لو أخذتك المنية أنت كذلك معهم لكنا ارتحنا من وجع مشاكلكم يا حثالة القوم، ألا تستحيي من نفسك و أنت في هذه السن !؟ صرخت في وجهه بأعلى صوتي – ولكن يا سيدي، أنا بريء منهم، لا أمت لهم بأي صلة، القضية و ما فيها أنني كنت…..قاطعني قائلا: دونك و المحكمة يا فاجر، اصعد إلى سيارة الجيب.

انتابتني نوبة من الهلع نضب على إثرها ما تبقى من دم في عروقي، خارت قواي ووقعت على الأرض مغمى علي. لما استفقت، وجدتني في مخفر الدرك محاطا بثلة من بشر شداد غلاظ لو تطلعت إليهم لوليت منهم رعبا. اقترب مني أحدهم و بقبضة يديه صوْب نحو وجهي لكمة عنيفة تداعت لها سائر أعضاء جسدي النحيل قال لي لما استويت واقفا أمامه: من الطبيعي أنك ستمتنع عن الاعتراف بجريمتك أيها الوقح، و عليه سيتم نقلك إلى المركز الآخر حيث سيتم استنطاقك بمعرفة من هناك. بواسطة آلتهم الكاتبة حرروا لي محضرا، و من دون علمي بفحواه أمروني بأن أقوم بتوقيعه عن طريق البصم.

قضيت في ضيافتهم ليلة لم تخطر على بال شهرزاد لما كانت في رحاب الملك شهريار. المكان الذي أودعوني فيه، عبارة عن قبو مُدْلهم تغزوه الدياجير من كل جانب، ما عرفتْ له أشعة الشمس طريقا مند تشييده. أما وسائل التعذيب الموجودة بداخله فهي بيولوجية محضة من قبيل الفئران و الصراصير و حشرات أخرى زاحفة و طائرة.

الغريب في الأمر إنها مدربة على تنفيذ المهام المنوطة بها على أعلى مستوى؛ ما إن وطئت قدماي القبو، حتى استشعرت هذه المخلوقات وجودي ثم سارعت إلى إكرام وفادتي و العمل على عدم راحتي.

و في الصباح الباكر تمّ ترحيلي هناك، حيث المركز الآخر الذي هو نسخة طبق الأصل من سابقه؛ ساقني الدركي عريض المنكبين إلى أحد المكاتب، حرر معصمي من الأصفاد ووضع المحضر على طاولة رئيس المكتب، أدى التحية لهذا الأخير ثم انصرف.

تفحص رئيس المكتب المحضر ثم قام من مكانه و الشرر يتطاير من عينيه الجاحظتين و صرخ في وجهي قائلا: و أخيرا وقعت في يد العدالة أيها المجرم الخطير، ستمتثل أمام والي الأمن الوطني لاستنطاقك، و أنصحك بأن تعترف بجرائمك لكي تخفف من وطأة الخطر المحدق بك و لو أنه أمثالك لا يستحقون الرأفة و الشفقة.

بإذلال و خنوع توسلت إليه أن يدع لي مجالا للدفاع عن نفسي ولكنه أبى و بقبضة يديه أمسك بزمارة رقبتي و اقتادني حيث مكتب والي الأمن. ما إن وقفت أمام هذا الأخير حتى صاح في وجهي: أهذا أنت ؟ من الذي أتى بك إلى هنا و قد تركتك في الضيعة تزبر أشجار التفاح ؟ تنفست الصعداء لما تبين لي أن السيد والي الأمن هو ولي نعمتي الذي أعمل عنده و طفقت أسرد له ما حل بي….وما كان منه إلا أن استلقى على قفاه فوق أريكته من شدة الضحك و كأن كل الذي جرى لي كان مجرد دعابة أدخلت السرور عليه. و أعطى سيادته أمره المطاع بأن يخلى سبيلي و أن يرجعوني للضيعة لاستكمال العمل…..بكيت من سخرية القدر ثم انفجرت ضاحكا لما تبين لي أنه من كان مثلي لا محل له من الإعراب في لغة الأرستقراطية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع