أخر تحديث : الجمعة 17 أغسطس 2012 - 4:01 مساءً

“رُوميو وَ جُولييتْ ” في بحث عن ” بُوسلهام وَ السيندريلا خَدُوجْ”

ذ. محمد الشاوي | بتاريخ 17 أغسطس, 2012 | قراءة

من أروع ماكتب المؤلف والكاتب المسرحي ” وليام شكسبير”  قصة “رُوميو وَ جُولييتْ “، الحب الذي حطم الصراع والتنافس بين أسرتين إيطاليتين ثريتان يكنان لبعضعما الكراهية والحقد ( أسرة “مونتاجيو “التي ينتمي إليها روميو وَ أسرة “كابوليت” التي تنتسب إليها جولييت )


إنه حب نشأ على شرفة نافذة “جُولييتْ ” التي كان “رُوميو ” يذهب إليها ،لمناجاة و معاشقة حبيبته “جُولييتْ ” .
لكن ما قصة ” خَدُوجْ وَ بوسلهام ” ؟
وهل سبق لشيكسبير أن عالج هذا الموضوع..؟

لو كان  ” شكسبير” حيًا  لما  قال : “إن الدنيا مسرح “،  بل   لقال  :  “إن الدنيا قصة حب” بدأها العشقان المتيمان ” خَدُوجْ وَ بُوسلهام” ،  فهي قصة حب ليست في إحدى مدن إيطاليا الراقية ك”فيرونا” التي يقطنها الأرستوقراطيون والبورجوازيون ، بل في إحدى قرى شمال المغرب، إنها قرية ” الشليحات ” التابعة لقيادة” زْوَادة”، عمالة إقليم العرائش.

يزاول “بُوسلهام ” عمله على الأرض التي يحرثها ، لصاحبها الذي يشاركه العمل كمزارع ومالك في نفس الوقت ، بينما يبقى هو مياوماً بسيطاً يشتغل مقابل بعض النقود المعدودة التي يتقاضاها كل يوم كأجر لعمله الشاق والمُضمي ، ربما هو بؤس القدر والفقر هما اللذان جعلاه يتوقف عند استكمال دراسته بعد حصوله على شهادة الباكالوريا في شعبة الآداب العصرية ، بالإضافة إلى فقدانه لوالديه في حادث مريع وقع في الطريق الرابطة بين القصر الكبير و العرائش.
أحياناً تفعل بنا الظروف ما لم يكن في الحسبان ، وفي هذه الحالة يكون الإنسان مسيراً لا مخيرا، وكما يقال:”مُجبرًٌ أخاكَ ،لا بطلُ ” .

عند ظهر كل جمعة وبعد الصلاة مباشرة ، كانت تأتي ” خَدُوجْ ” إلى الأرض لكي تقدم لأبيها وجبة الغداء ” قصعة الكسكس” التي يتناولها مع رفيقه في العمل “بُوسلهام ” ،
هذا الأخير الذي كان كان ينتظر بفارغ الصبر قدوم “خَدُوجْ ” لكي يرى محبوبته التي طال إشتياقه لها طوال الأسبوع ، فهو لا يراها إلا يوم الجمعة .
كان يقول في نفسه أبيات شعرية دون أن يسمعه أحد حينما يرى وجههُ وجْهَ  حبيبته ” خَدُوجْ ” وفي صمت غريب ، وكأن عيناه من تتحدث عوض فمه :
إنًّي أحبُّكِ خَدوجُ       حُبَّ بُوسلهام ِ لِروحِهِ
وبدونِ حُبِّكِ خَدوجُ      فَقَدَ بوسلهامُ  رُحَهُ
إن هذا الحبَّ يساوي الكثير عند المُحب “بُوسلهام” فهو حبُُّ إرتبط بروحه وليس بجسده،حبُُّ لمعشوقته ” خَدوجُ ” وقُرةَ عينه ، حبُّ الروحِ للروحِ ، وكأنِّهُ حبُّ الصوفيين والعارفين بالله ..! أو ذاك الحب الذي نجده عند من إعتنق البودية ، وسار على طريق “بودا”وطبق ما في كتابه ” الغيترا” الذي يتحدث في بعض فصوله عن هذا الحب الروحي الذي لا يموت بموت الجسد، بل يتناسخ  مع الروح ، ويبقى بجوارها مصداقاً لنظرية ” تناسخ الأرواح” الموجودة في الحكمة الهندية الصينية.

فهل تستحق “خَدوجُ ” كل هذا الحب من مُثيمِها “بُوسلهام “…؟
يقال إنها فتاة من أجمل ماخلق الله في تلك القرية ،يحبها جميع السكان لرقتها وطيبوبتها، وكما يقال في المثل الشعبي المغربي الذي ينطبق عليها : ” زَيْنْ كِحْشْمْ عْلَى زَيْنُ وْ لْخَايْبْ غِيرْ إِذَا هْدَاهْ الله” ، هناك من ساكنة القرية من أكمل دراسته و تعليمه ، فهؤلاء يلقبونها ب: ” الأميرة ديانا”، نظراً للشبه الكبير بينهما ، وهناك من نساء القرية من يلقبونها ب :
“عَيْشَة رْمَادة ” أو ” السيندريلا خَدوجُ ” إن صح التعبير،نظراً للأعمال الكثيرة التي تقوم بها ( شغل المنزل ، الذهاب لسقي الماء ، رعي الغنم و البقر ، إطعام الدجاج و البط ،وكذلك الإوز و البهائم ، طهي الخبر في الفرن التقليدي …)

“خَدُوجْ ” تحب بُوسلهام دون أن تبوح له ،إلا بنظرات عينيها الخضراء المشعة كالبرق الخاطف ، في شدة الظلمة ، هذه النظرات التي يجيد “بُوسلهام “فن فك شفرتها و بإتقان، دون أن يصاب بصاعقة الرعد. المسكين  كما سبق وأن أشرت يشاركها نفس الإحساس دون أن يوضح لها عن ولعه وغرامه..
لكن هل تحس به وتعرف شعوره ؟
غريب أمر هذا الحب ؟ و الأغرب أنه حب في صمت ، ليتك كنت حياً يا”شكسبير”..؟

إنه يا أعزائي القرائ حب حقيقي وليس مزيفاًً أوليس “بُوسلهام” هو الذي نظم لمحبوته قريضاً  حينما إعتبرها كالروحِ في جسده..؟ هذا الحب ليس بورجوازياً أو أرستوقراطياً ، إنه حبُُّ بروليتاري لا يمكن أن يستشعره وأن  يحس بحلاوته إلا الكادح منا.
حب يعبر عن بساطة عيش هؤلاء القرويون الذين يحبون بصدق وبدون أي نفاق أو إنتهازية عمياء ما زال يُرَوَّجُ لها في أوساطنا، للأسف الشديد .
فهو حب لايمكن أن يختتم إلا بالزواج وليس ب ” الكونكوبيناج ” أوحب النزوة المسمى ب ” الأنتيم” الذي نجده بين شبابنا اليوم، والأمثال كثيرة يطول علينا سردها وكما يقال في أمثلتنا الشعبية الجميلة لوضوحها ولبساطة لغتها :”نْتَا تْبْرْچْمْ وَنَا نْفْهَمْ ” .

ذات صباح قرر “بُوسلهام” أن يتقدم إلى طلب يد محبوبته “خَدُوجْ ” من أبيها ، الذي لامكنه أن يقبل بأي كان عريساً لإبنته ، فما بالك بالعاشق المجنون ” بُوسلهام ” .؟ ” لِي بْغَاهَا الله هي لِي تْكونْ ،نْوا لْخيرْ تْلْقَا لْخيرْ ، حْنَا طَالْبِينْ  لْحْلالْ ،  لْحْلالْ  أرسول الله”
هكذا كان يخاطب بُوسلهام نفسه في ” مونولوغ” (monologue ) صامت و كانَّهُ سيؤدي دوراً مسرحياً لإحدى المسرحيات العالمية و على خشبة المسرح ، لكن هذه المسرحية لم تكن ل ”شيكيير” أو ” سوفوكل”، بل لرجل بسيط لم يُعْرَفْ من قبل  في الأوساط الثقافية و المسرحية   ، إنه ” سي عبد الله”  أب “خَدُوجْ” وحيدةُ أمها وأبيها التي ستشاركه العاشق “بُوسلهام ” دور البطولة .
فهل سيقبل ” سي عبد الله ” “بُوسلهام ” زوجاً لإبنته المصونة ؟ أم أنه سيرفضه كما رفض الكثيرين من شباب القرية الذين سبق وأن تقدموا إليها..؟
خرج  “بُُوسلهام” من صمته فنظر إلى السماء وتنهد ،ثم جمع أنفاسه وكأنه يريد أن يتحدث بصوت جهير ، ليخرج عن صمته ورفع يده اليمنى ، أظن أنه سيقول شعراً أو زجلاً؟ ربما يستذكر ما يريد أن يقوله…؟
عَجبْتُ لحاله كيف لممن لا يتكلم إلا سراً أن يتكتلم جهراً؟
يقول :
“خَدوج” يَا بْنْتْ ” سي عبد الله”
حُبْكْ مْعَشْعَشْ فْقَلْبِي
سَاكْنْ فِيهْ دْخَلْ لِيلو
وْشَدِيتِي عْلِيهْ
بْلْقْفْلْ وْساروتْ
وْنْتِي لِي تْفْتْحِيهْ
لا ” روميو” وْ لا ” جولييت”
لا “قيس” وْ لَا ” ليلى”
أنا “بُُوسلهام” وْ لْحْبيبة ديالي”خَدوج “
يا رْبي سَهْلْ ما صْعَبْ
أنا ناوي لْحْلالْ
لْحْلالْ أَ رسولْ الله
بَركْةْ “مولاي عْلي بوغالْبْ مْعَانَا
وْ “للا مْنانة ” لمصباحية ماتْنْسانَا
كان ذاك اليوم ، يوم  ” المولد النبوي”وجل سكان القرية فرحين بمولد خير البرية ،ويستبشرون خيراً في هذا الشهر ،إنه شهر “ربيع الأول” لعل الله يجعل هذه السنة فلاحية بامتياز يعم فيها الخير على جميع المزارعين  و ملاك الأراضي الفلاحية…
دق “بوسلهام” باب منزل “سي عبد الله” ، سلم عليه صاحب المنزل و طلب منه أن يتفضل بالجلوس ، فبارك له قدوم المولد النبوي ، ودار بينهما حديث عن الأرض و السنة الفلاحية و مقارنتها بالسنة الماضية …
__ “بوسلهام”: أود أن أفاتحك في موضوع يتعلق بي و بك على وجه الخصوص ، أتمنى أن لا ترفضه .
__ “سي عبد الله”: تفضل يا بني لا تخجل ،
نحن أسرة ، أفصح القول لقد إزداد قلقي أتمنى أن يكون خيرا..؟
__  “بوسلهام”:(يجيب وعلى وجهه احمرار وخجل ، مطأطأ الرأس وفي حيرة من أمره )
كما تعلم أن أبي وأمي قد توفيا ، وليس لي في هذه الدنيا عائلة ،سوى عمتي “السلامية”
بالقصر الكبير ،أعيش على ما أجنيه من عملي
معك و أسكن في منزل أبي و أمي رحمهما الله.
__ “سي عبد الله”: نعم أعلم يا بني ،فأبوك رحمه الله كان بمثابتي أخ لي و أمك “أمينة” رحمها الله كانت صديقة زوجتي ” الباتول” وجارتها ، تابع يا بني ..
__ ” بوسلهام”: لقد جئتك طالباً راغباً في إبنتكم المصونة ” للاخدوج ” على سنة الله ورسوله .أتمنى أن تقبل طلبي وأن لا تردني خائباً، فحبي إليها لا يعلمه إلا خالقي ،
إذ يساوي كل الوقار و الإحترام .
__ “سي عبد الله “: لقد فاجئتني يابني ، أنت شاب مخلق و مؤدب ، كل فتياة القرية يتمنونك لمكارم أخلاقك و لنسبك ، فأسرتك كل كبار وصغار القرية كانوا يكنون لهم الحب والإحترام وما زالوا….
لقد جاء الكثيرون من شباب القرية يطلبون يدها كما تعلم وكنت دائماً أرفض لأنها لم ترد. ماعلي سوى أن أستشير معها ومع أمها “الباتول” ثم أجيبك . وفي صمت رهيب ، تظهر “خَدوج ” رفقة أمها لتقديم الحلويات و الشاي واجب الزيارة ، وعلى محياها فرح وسرور .
وكأن” سي عبد الله ” إستشعر شيءاً من ظهورهما معا بعد الحوار الذي دار بينه وبين “بوسلهام”.
يقول: هل كنتما تسترقان السمع؟
تجيب “الباتول” مبتسمة : قد يكون كذلك،
يا ” سي عبد الله” وما قولك أنت يا “خَدوج”
فيما قال أبوك لي ؟أو فيما قال ل “بوسلهام”
إذا لم يخني التعبير ؟
لم تقل “خَدوج”شيء ، يظهر على وجهها الخجل و الإحمرار … عادت مسرعة إلى الحجرة التي كانت فيها و كأنها تجيب بطريقة غير مباشرة.
قال الأب : السكوت علامة الرضا ، فل يبارك الله لكما .
في النهاية طلب ” بوسلهام” من “سي عبد الله” أن يقرءا الفاتحة حتى يبارك الله ورسوله هذه الجلسة ،وفي الزيارة المقبلة سيذهب لإحضار عمته “السلامية”  من مدينة القصرالكبير رفقة زوجها ” بوجمعة” لخطبة  محبوبته” خَدوج ”
__  إن الساعة  السابعة و النصف ، إستيقظ
يابني لقد تأخرت عن عملك .
تخاطب ” السيدة أمينة” إبنها ” بوسلهام”
الذي لا يذهب إلى عمله إلا متأخراً كعادته.
__ “السيدة أمينة”: إستيقظ لتتناول فطورك،إن تلامذتك ينتظرونك..
متى تتزوج و تريحني من تعبك..
__ “بوسلهام”: دعيني أمي أنام…أوووووف
إنه حلم جميل ..
__ ” السيدة أمينة”: حلم جميل ؟ههههه
بمن حلمت ؟ هل بأرسطو أم بأفلاطول أم بذلك
المسمى ب إسبانيوزا ..!
__ “بوسلهام”: إسمه إسبينوزا يا  أمي  وليس إسبانيوزا ، لقد حلمت
ب “السيندريلا خَدوج “

***  ***   *** ***

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع