أخر تحديث : الجمعة 23 نوفمبر 2012 - 12:38 صباحًا

سُنّنُ الحياةْ

مراد المساري | بتاريخ 23 نوفمبر, 2012 | قراءة

 

أكثرُ ما يُوجعُ قَلمي، دهاليزُ الحياة أو “سُنّة الحياة” ، كلّ ألم ونحنُ نُردّد بحياءٍ وخجلْ شدِيدَين ” سُنن الحياة” ، نُغنّي على وقعها كلّ ألحاننا الشجيّة، ونمسحُ فيها زلاّتنا و نُعلّقُ على مِشجبها الدنيء هَفواتنا و عثراتنا الّتي لا تنتهي معضلاتنا وكلّ شيء، حتّى صارت تتبرأ منّا عُنوةً .
وعلى ذِكر الألم ماذا فَعلنا حتّى نُبتلى بكلّ هذه الآهاتْ، وحتّى تُغتالَ أحلامنا و تُصادر ضحكاتنا في مهدها الأول وقَبل التّكون ، ليبقى الفرحُ تفاصيلَ صغيرة تتخلّلُ أياماً كثيرةً من الحُزن الّذي لا ينتهي ، ونحنُ حتّى لم نَختر القُدوم إلى هذا العالمْ بل جُبلنا عليهِ عنْ غير طيبِ خاطرٍ منّا .
ماذا صنعَ الفقيرُ المُعدم حتّى يتّكأَ على سُورِ المَقبرة في ضاحيّة المدينة وعلى مسمعٍ من الأصيلْ الشّاهدِ على تضجرّهِ بينَ الفينةِ والفينَة، وهوّ يندب يومهُ العاثر الّذّي لم يُحالفهُ جمعَ قوتِ عيّاله الكُثر، وهل هُنالكَ أقسى من وجههِ المُحمرّ خجلا وهوّ يتسللُّ ناحيةَ البابْ ، لا يكادُ يُحدثُ نقعاً لِخطواتِ حذائه خشيةَ أن تُعلنَ ضوضاءهُ خبرَ مجيئهِ خاليَ الجيوبِ من فرحة انتظرتها عيالهُ أطرافَ النّهار المُمتدّ .
أو تلكَ العجوزُ الطّاعنةُ في السّن ، على كِبرها تتوسّدُ بعضَ رؤوسِ الفجلِ، تنتظرُ نفاذَ الكمّية لتعودَ إلى مضجعها في زاويةِ البيتِ البئيسْ ، بعدَ أن هجرها أولادها باسم ” سُنّة الحياة ” وتُوفيّ زوجها بنفسِ الاسم أيضاً، منْ يمسحُ دُموعها عِندما يُسدلُ المساءُ بُرقع السّوادِ على اللّيل، وتَطوفَ على مَرقدها وجوعهُ الرّائحينَ الواحدَ تلو الآخر، أو وهيّ تتلوا صلواتها الأخيرة على بقايا أشياءهم .
ومنْ يغفلُ منظرَ الطفل الصّغيرَ ، يحملُ بينَ ذراعيهِ الصّغيرتينِ خيبتهُ البِكر ، وصَفحاتِ الجرائدْ لا يكادُ يفكّ حُروفها ، والأخبار الثّقيلة والمُناقصات العظام، أينَ هوّ منها كلّها، يناشد المارّينَ المُسرعينَ إلى أشغالهم ” سَجائر !! سَجائر !! ” ، بينمَا تُتابعُ عينيهِ الدّاميتين وُقوفَ سيّارة المرسيدسْ على الجَنبْ ، ينزلُ طفلٌ في نفسِ عُمره من المَقعدِ الخلفيّ يتأبّطُ مِحفظته وبعَضَ عُلبِ التّلوينْ ، بينما بائعُ الجرائدِ الصّغير لا يملكُ غير الأسود الدّاكن ، ويا ليت الأسودَ يليقُ بأحلامهِ ، فمن ياُ ترى اغتال مناياَ هذا الشّريدِ الصّغيرْ ، “سُنة الحَياةِ ” أليسَ كذلكْ ؟
فلتكُن إذن ما تشاءْ أن تكُون. مُجبرونَ نحنُ على مُسايرةِ هذا النّاموسِ الأزلي، لم نخترْ ، لكّننا نعترضْ ، ونقولُ حياُتنا ملكٌ لنا فلنصنع بها ما نشاءْ ، قبلَ أن تُفصلَ تلكَ الرّوح عن هذا الجَسد ، باسمِ ” سُنّة الحيـــــــــــــــاةْ ” .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع