أخر تحديث : الأربعاء 5 يونيو 2013 - 5:50 مساءً

أقفاص

نجيب كعواشي | بتاريخ 5 يونيو, 2013 | قراءة

اشتريت قفصا جديدا بدل الذي تسوس خشبه، وصدئت أسلاكه، وجلست في حديقة عمومية. حط بقربي طائر لم أر مثله. لا شك طائر مهاجر. اقترب مني ثم قفز إلى ركبتي. مددت يدي، باحتراس، لألمسه. انتفض انتفاضة خفيفة لكنه لم يطر. أمسكته وأودعته القفص، وهممت بالمغادرة.
اعترضني شابان.
كنت سأتنازل لهما عنه لو طلبا مني ذلك بأدب ولياقة. لا أريد خصاما. تجمهر الناس من حولنا. زعم بعضهم أن الطائر طائرهما. ناصروهما لكي يفوزا بالطائر، وأصبح أنا في ورطة. نطق أحد الشابين:
– لنعلم الشرطة. ما أدرانا أنه لص فار؟
طوقوني. خفت. أية محاولة للمقاومة ستجعلهم يتهورون وينهالون علي بالضرب. توجست. في الطريق إلى مركز الشرطة الصغير كنت أقول لنفسي: إن ادعاءاتهما لن تصمد. أنا صاحب حق، وسيفند التحقيق ادعاءاتهما.
صاح أحد الشرطيين:
– ما هذه الجلبة؟
– سرق قفصنا.
(الله.. أصبح الآن قفصهما)
– بداخله طائرنا، وينكر ذلك لكن معنا شهود.
جوقة الشهود:
– سرق قفصهما،وبداخله طائرهما.
(في خضم الجمهرة انتزعا من يدي القفص بطائره).
قاطعت ادعاءهما:
– وجدته في الحديقة ويزعمان أنه لهما. والقفص اشتريته قبل أن أدخل الحديقة، وإذا شئت سل بائع الأقفاص لتتحقق..
– انتظروا هناك حتى يأتي الضابط، ويباشر التحقيق.
جلت ببصري في أرجاء المكان: حجرتان أكلت الرطوبة جدرانها. مكتبان قديمان على إحداهما أوراق وآلة كاتبة وهاتف ثابت. دولاب قديم صلبت على دفتيه صور المبحوث عنهم، وبيانات حول جرائمهم. على الجدار صورة كبيرة للملك وخريطة للبلاد وساعة حائطية.. بدأ صبري ينفذ، وخوفي يكبر.. سرى بعض الندم في دمائي. كانت عندي الطيور بالعشرات، وتخلصت منها غير آسف عليها..
لماذا سايرت الشابين في لعبتهما؟
الشهود في صفهما ودفاعي لن يقو على تفنيد مزاعمهما وعناصر التلبس بالسرقة متوفرة والأدلة ضدي..
لماذا أصررت على الاحتفاظ بالطائر؟
دخل الضابط وأنا أصارع هذه الوساوس. رفعت إليه بصري. بعد السلام والعناق والترحيب سألني حميد عن أحوالي وأية ريح طيبة أتت بي. ناب الشرطي عني في قص ما حدث. اتجه بهدوء نحو غريمي، وانتزع من يد أحدهما القفص وبداخله الطائر، وزمجر في وجهيهما وفي وجوه الشهود وتوعد بزج الجميع في الزنزانة إن لم يغربوا فورا عن وجهه، ثم التفت إلي:
– حظك من السماء أنني في المداومة.
أعاد إلي القفص، وبداخله الطائر.
قلت له:
– خذه هدية.
أجاب بابتسامة مشوبة بالاعتذار:
– لا أحب رؤية الطيور في الأقفاص. مكانها الطبيعي الأشجار والأعالي.
تواعدنا على اللقاء. عدت بسرعة إلى الحديقة. أفرجت عن الطائر. أركنت القفص الجديد في نفس المكان الذي وجدت فيه الطائر. هرعت إلى البيت. صعدت إلى السطح. جذبت أنفاسا عميقة. وزعت نظراتي على الجهات الأربع. أخذت القفص القديم. مزقت أسلاكه..
وبكل رفق العالم أخرجت منه الطائر.. ومكنته من حريته.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع