أخر تحديث : الأحد 16 يونيو 2013 - 10:54 مساءً

غرفة رقم 302

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 16 يونيو, 2013 | قراءة

و أنا عائد من العمل بعد يوم متعب و شاق رأيت ملعب كرة القدم ، الذي يتواجد قرب منزلي ، كل شيء كان يغري باللعب … الملعب المعشوشب ، الجو الجميل و الأصدقاء ينادون علي .
دخلت منزلي ، لبست بذلتي الرياضية ، لم آكل مند الصباح ، كانت شهية اللعب أكثر إلحاحا على نفسي … بعد دقائق كنت في الملعب أركض و أركض … شعرت بالتعب ،جلست ،أغمضت عيني، فتحتها لأجد نفسي داخل سيارة الإسعاف تقلني الى المستشفى .
تم الكشف علي في قسم المستعجلات بعد ذلك تقرر وضعي في الجناح الخاص بمرضى القلب والشرايين غرفة رقم 302 .
كنت ساعتها منهكا و أيضا منزعجا من كثرة الأسلاك الموضوعة على صدري فلم أكن أتحرك بسهولة و يسر ، وجدت كل العناية و المساعدة من الممرضة و أيضا من جاري الذي يقتسم معي نفس الغرفة … السيد” مشيل “.
السيد مشيل قد يكون في بداية العقد السابع من عمره ، طويل القامة ، نحيل و شعره أبيض كالثلج … إستقبلني الرجل بابتسامة عريضة رحب بي ووجدته يرفع الكلفة سريعا بيننا ، كان يسألني بين اللحظة و الأخرى إن كنت أحتاج إلى أي شيء .
الليلة الأولى كانت موحشة … دخلت الممرضة، أسدلت الستائر ، أطفئت النور … فعم الظلام والسكون … سمعته يهمس لي و يسألني هل نمت؟ أجبته بالنفي ، ضحك و أخبرني أن الأمر عادي خصوصا عند الليلة الأولى … رأيته ينهض، يبحث تحت سريره فيأخد كيسا يفتحه و يخرج منه علبة شكولاطا ، يأخد حبتين واحدة لي و الأخرى له ثم يرجع الكيس إلى مكانه و هو يبتسم قائلا : أحفادي الشياطين لن يخطر ببالهم غدا عندما يأتون لزيارتي أني وضعت الشكولاطا هنا .فصار يحدثني عنه و عن زوجته السيدة ديانا و عن قصة حبهما و زواجهما كان من الواضح أن السيد مشيل يعشق كثيرا زوجته …. أحسست بارتخاء جميل و هو يحكي .. فنمت .
في الصباح استيقظت على صوت الممرضة التي أخدت مني بعض من الدم للتحليل و قاست حرارتي و مستوى ضغطي … أردت أن أقوم إلى الحمام فوجدت جاري السيد مشيل يساعدني على القيام و معالجة الأسلاك الملتصقة بصدري . تناولنا وجبة الفطور … كان يأكل بشهية و سعادة ، سمعنا خطوات آتية من الخارج ، نهض مشيل مسرعا، أخبرني أن زوجته قادمة !!!
إتجه صوب فراشه و أغمض عينيه !!.
دخلت السيدة ديانا ، كانت تصغره بعض الشيء فرغم بياض جزء من شعرها و بعض التجاعيد في وجهها لكنها كانت تحتفظ بكامل وسامتها و رونقها … سلمت علي و اتجهت صوب زوجها … رأيتها تضع يدها على رأسه و تداعب خصلات شعره و تهمس له : صباح الخير أيها العجوز الجميل … كيف أصبح حبيبي هذا الصباح ؟
رأيت السيد مشيل و قد تحول كأنه طفل وديع فأجابها بصوت خافت و منكسر : ليس على ما يرام حبيبتي ، فلم أنم جيدا و أجد صعوبة في مغادرة هذا الفراش الذي سئمته كما أن شهيتي منعدمة … لم آكل مند أن غادرتيني البارحة !!!
إنتبهت لنفسي فوجدتني من كثر دهشتي فاتحا فاهي لا أتحرك ! أما السيدة ديانا فابتسمت له قائلة : لا عليك أيها الكذاب اللذيذ لقد أتيت لك بشربتك التي تحبها …
كان منظرهما جميلا و هو جالس في فراشه كالطفل و السيدة ديانا تضع له الملعقة في فمه !
غادرتنا السيدة ديانا و عاد مشيل إلى طبيعته من جديد ! مرت الأيام و إعتدت أن أرى مشيل بالوجهين و الشخصيتين
أخبرني الطبيب ذات صباح أنه بإمكاني مغادرة المستشفى بعد أن إطمئن على سلامة قلبي و أوصاني بأخد قسط من الراحة … ودعت السيد مشيل و تركت له عنواني و هاتفي لنتواصل في المستقبل … أوصلني إلى غاية باب المستشفى ، عانقته بحرارة و قلت في نفسي : قد لا أراه مرة أخرى خصوصا أنه خضع لعملية جراحية في القلب و ينتظر الثانية!
لم يمضي وقت طويل على ذاك الصباح و أنا أفتح صندوق الرسائل وجدت دعوة لحضور جنازة … تنهدت وقلت : لقد مات العجوز الطيب !! فتحت الدعوة … لم أصدق ما أقرأ !! السيد مشيل يدعوني لحضور مأتم زوجته السيدة ديانا !!
لم أذهب ، لم أقوى على ذلك … مرت بعض الأيام إتصلت بالسيد مشيل لكي أطمئن عليه ، أخبرتني ابنته جاكلين أنه عاد لغرفته رقم 302 بالمستشفى ، إشتريت له علبة شكولاطا و ذهبت إليه … ما إن رآني حتى أخد يبكي كالصبي .. جلسنا نشرب الشاي و نأكل الشوكولاطا … سمعنا خطوات و أصوات أطفال آتية من الخارج ، نهض مشيل بسرعة خبأ الشوكولاطا في كيس ووضعها تحت السرير … صعد إلى فراشه و أغمض عينيه !
جاكلين ذهبت توقظ أبيها و تطعمه من الشربة التي يحبها بعد أن أخبرها بأنه لم يذق الطعام مند البارحة !… الأطفال كأنهم يبحثون عن شيء و علامات الإحباط في وجوههم … السيد مشيل ينظر إليهم و يبتسم .. ينادي على الصغيرة دينا يهمس لها في أذنها فتسرع الى تحت السرير و تأخد العلبة
تركت الغرفة 302 ووجدتني أدعو للسيدة جاكلين بطول العمر و أن يبارك لها الله في عمرها حتى تربي أبناءها الثلات
هولاندا 14/06/2013

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع