أخر تحديث : الثلاثاء 13 أغسطس 2013 - 2:18 صباحًا

العشاء الأخير

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 13 أغسطس, 2013 | قراءة

لا تغضبي ياسيدتي فوالله ما استبذلتك إلا بحريتي:
– إلى أين ذهبتَ؟ مِنْ أين أتيتَ؟ مع من كنتَ؟ من صاحبة هذا العطر ؟…
تلك أسئلة كانت تخنقني، تمزقني، فأخال نفسي غير نفسي؛ أصاب ب ” شيزوفرينيا” فأجدني زير نساء بل”كازانوفا” وإن لم يكن لي أنف بطول أنفه، وأراني محاطا بالنساء أينما حللت وارتحلت، وكل حسناوات الدنيا تبحثن عني. لكنني بعد التأمل والتبصر أعود لشخصيتي السوية، وأتذكر أني ما كنت أبدا بجمال وطول يجعل كل النساء اللواتي رأينني وإن لم أراهن يغرمن بي، بل كنت شخصا قصيرا بملامح كما لباقي الخلق؛ وليس لي ما يميزني ويرفعني عنهم حسبا أو نسبا، مالا أو جمالا. بل كنت: بسيطا، قنوعا، أنظر إلى ما تملكه يدي ولا أتلصص أبدا على ما في قبضة الآخرين.
أكلما أَجبتكِ – بصدق – عن سؤال، في ظرف رمشة عين تتعارك في حلبة فمك آلاف الأسئلة مدججة بالشك والظنون، وعندما تملين من مطارحتها لأني كنت أدحضها، تهزمينني بأن ترابطي في غرفة النوم وتضربين عن الطعام، فأجدني ذليلا، خانعا، أرفع راياتي البيض وقرب أذنيك أوشوش لك أحلى الكلام وأقبلك وأعتذر، وأعود لتقبيلك والاعتذار… إلى أن ترجعي – تدريجيا – إلى هدنتك في انتظار ميقات يوم معركة ضروس آتية لا ريب فيها، تكون أشد بطشا بحقيقتي كي تنتصر جيوش ظنونك.
يا لغرابة خيالك في الشك! ثمانية عشرة سنة وأنا أمشي إلى جانبك، بل غالبا ما أكون عالقا بأحد ذراعيك، وأحيانا كثيرة بهما معا، لكنك ترفضين أن تتقبلي أني كنت معك، بدعوى أنني حقا كنت ملتصقا بك قالبا أما قلبي فكان مع أخرى.
أتذكرين يوم دعوتك بمناسبة عيد زواجنا – الذي تعمدنا أن يصادف عيد “الفالنتاين” حتى يحتفل العالم بنا – رافقتك إلى تلك المقهى المتخصصة في توفير أجواء رومانسية رائعة للمغرمين وكأنها حقا رياض للعشاق؛ نغمات تحدثها عازفة البيانو فتزيد المكان هدوءا، وخرير النافورة التي تتوسط المكان يتواطأ مع السكون، والشرفة المطلة على غروب شمس البحر تريح المزاج والعيون، وتفتح الشهية لقول أشعار في الغزل. وكل العشاق مرتكنون يتعانقون وبين القبلة والأخرى يتهامسون بأحاديث الغرام. وحتى لا أبدو نشازا في ذاك المكان المخصص لمثل هكذا أمور؛ أمسكت بكفيك الموضوعتين على تلك المائدة التي كانت مكسوة بثوب “الساطان” الأحمر، وعليها حُطَّتْ بعناية فائقة مزهرية بكل ألوان الورودـ تعبق عطرا ، آنها قلت لك:
–    أنا أسعد خلق الله وأنتِ قبالتي. عندما أنظر إلى عيونك أغرق؛ لأنني لا أجيد السباحة في زرقة عينيك. حبيبتي؛ معا سنظل سعداء طول العمر…
ولما صوبت شفاهي نحو شفاهك بلطف كي أصادق على تصريحاتي، استجمعت غضبك ونهضت، شمرت على ساعديك وصرخت:
–    لست بلهاء؛ حتى تنطلي علي ألاعيبك، أنا فقط كنت أجاريك وأنت تمرر كلامك المعسول من خلالي إلى تلك الشقراء المائعة، الرابضة خلف ظهري .
ثم أهرقت كأس مشروبك المثلج نحوي، وبٍرَدَّةٍ غير إرادية إلى الوراء تقهقرنا أنا والكرسي الذي كنت أجلس عليه، ولم يَطَلْ مشروبك إلا ما تحت الحزام فبرد ما برد وتبلل ما تبلل، ولما وقفتُ سخر مني كل العشاق المتواجدين هناك وقهقهوا؛ نكاية بمن فشل في جلسة غرامه، أو ربما ضحكوا لما بدوت لهم كأني من شدة فزعي، تبولت على نفسي. ثم حملتِ يا سيدتي حقيبة يدك وانصرفت، وفي الطريق بدفعة قوية بكتفك قلبت النادل وعليه عشاؤنا وانصرفت. استسمَحتُه نيابة عنك فسامحك المسكين، وأديت له ثمن العشاء وبعض الدراهم فوق الحساب ردا لاعتباره.
ولما تفحصت المكان؛ بحثا عن الشقراء التي نغصت علينا الأجواء، وسدت لنا شهية العشاء، وجدت أنها لم تكن سوى صورة كبيرة للفنانة الشهيرة “مارلين مونرو” التي انتحرت منذ سنوات مضت.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع