أخر تحديث : الأحد 27 أكتوبر 2013 - 7:32 مساءً

مقام الإظلام *

د. مصطفى يعلى | بتاريخ 27 أكتوبر, 2013 | قراءة

يروى والعهدة على الراوي، في زمن آخر، قد يكون العصر السدومي، أو العصر الذري، أو العصر الجرثومي، أو العصر السرطاني، عصر يصدق عليه بامتياز(والعصر إن الإنسان لفي خسر..)، حيث كان بعض الناس لا يزالون يحتفظون بحاسة الخيال والدهشة، فيصيبهم الاستغراب والتعجب أمام كل غريبة وعجيبة.
بالمناسبة، هل تصدقون أنتم حدوث الغرائب والعجائب في عصرنا هذا؟. ألا تشكون مثلي في عقلي، إذا أفضيت لكم بأن خفاشا في حجم الفيل شديد السواد، ظهر في الليالي الأخيرة بالسويقة؟، أو أنني شاهدت مومياء حقيقية التصق جلدها القديدي بعظامها الناتئة، تتهادى في ساحة الكلية بمشية ألعازر المستعاد إلى الزمان بعد أن أقصي منه؟، أو أن صومعة حسان انقلبت صدرا على فخذ، فأصبح اعتلاؤها من فوق إلى تحت، والنزول منها من تحت إلى فوق.. لكن، ما شأنكم أنتم؟. ثم مالنا وأساطير الأولين والآخرين؟. عفوا، إنني أرى الراوي قد قلق مني.
عجبا كيف تتغير الأحوال!. أنت الذي تنذلق النظريات والمقولات والمعادلات من لسانك في سحر سجع الكهان، تشرد نحو عالم الخوارق وما شابهها من العجب العجاب، متجاهلا أنها تنتمي إلى بشر آخرين، عاشوا بها ومن خلالها آلافا من السنين الضوئية!؟. فهل هناك خوارق والعياذ بالله، أكثر من اليورانيوم المخصب، والاحتباس الحراري، والجمرة الخبيثة، وبرلمانات العرب، وزوارق الموت، ودور الصفيح، واجتياح الدبابات السداسية لأوطان بني يعرب ؟!. ثم هل تمكنت أنت حقا من مشاهدة خفاش في حجم الفيل مجلل بالسواد، في السويقة، أو في مكتب البريد، أو في بنك، أو متجر كبير، أو مسجد، أو مخفر الشرطة؟.. ألا تكون واهما؟. أكيد أنك واهم.
إذن، أفرغ قنة رأسك من هذه الخرافات، وانزل إلى ضفاف أرضك. يجب أن تكون حاضرا كليا، شاحذا لأدق جوارحك، وألياف أعصابك، وتلافيف دماغك. ألست الآن في حالة حرب ضروس هي أخطرعليك من حروب الجن الماضية والآتية؟.
حسنا، ها أنت تضع رجلك وعقلك، كيانك.. على عتبة الكلية. من المؤكد أنك ستتمكن هذه المرة من مناقشة أطروحتك أمام لجنة مكتملة، بعد سنتين من الانتظار.
ـ ياه.. سنتان!. فهل يصدق أحد إن لم يكن ممن يصدقون بوجود خفاش في حجم الفيل؟.
ولم لا يابطل؟، ألسنا نمتطي ذيل العقد الأخير من القرن العشرين، الذي تنبأ المنجمون في بومباي وطوكيو وبوردو وطورنطو ونيويورك ووذاغودو، بسقوط الدنيا في خضم حلكته من فوق قرني الثور، الذي انفلتت السمكة التي يقف عليها منذ الأزل من تحت حافريه حسب قولهم، مؤكدين أن علامات الساعة قد تراكمت كالنمل على الخطوط الحمراء والسوداء؟. ومع ذلك لا تقلق، فالأمر يبدو هذه المرة جدا في جد، وليس هزلا في جد كذي قبل.
أما زلت تذكر، عندما تنفست الصعداء بتسليم نسخ أطروحتك إلى المصلحة المعنية، كيف كانت نفسك تمتلئ خصبا؟. شجرة موعودة كانت. منذورة لطرح ثمار من نور اللؤلؤ والزمرد والمرجان. أما الآن فلا شيء غير قتامة الشيخوخة المبكرة، وتضخم الغصة في حلقك وروحك، فملأتهما عن آخرهما. لقد شيب أولاد الحرام روحك قبل الأوان. ضربوها إلى الأرض، شققوها، ثم هشموها. لم تكن مثل هذه المعجزة عليهم بعزيزة، في وقت يقول هذا الزمن الرديء: (إذا غلبت لا تعف).
انس يا أخي. ألست عربيا؟، فالعرب ينسون بسرعة كما يقال. ألا تريد أن تنسى بحق السماء والأرض بعد اليد الخفية التي عينت وأجلت موعد المناقشة خمس مرات على عين الشيطان الحرامي، إلى إشعار آخر بلا أدنى حرج، ودون ما افتعال حتى لأي تبرير بارد، أحرى الاعتذار المنافق !. ولماذا العجب؟ أليست المبالغة من منطق ترفنا في السراء والضراء؟. فهذا الفرع المنخور من تلك الدوحة التي أمست غير مباركة.
أيامها اختلط عليك الجد بالهزل والهزل بالجد. لم يهدوك فرصة لالتقاط أنفاسك. فتملكك جوع شرس متأجج، لمعرفة أين تكمن مغالق اللغز. كنت تكتوي بنفثاتها المكروبية، من غير أن تتمكن من تحديد الأقنعة المشفرة ذات الشعر المستعار، المحركة لخيوط لعبة القراقوز اللعينة، أو التعرف إلى أسمائها المكتومة على الأقل. لا شيء بالمرة. لم تفهم، وحاولت جادا أن تفهم، فلم تفهم. إنما وجدت نفسك تغوص إلى قرارتها في أخاديد ظلمة شيطانية أكثر وأكثر، ممتلئة إحساسا بحاجتها لمن يعزيها مواسيا في مصابها الجلل. في حين جعل الكابوس الذي لا يطاق يزكو أضعافا مضاعفة، مثلما أولاد الحرام. حينئذ قلت لنفسك: الآن عرفت لماذا يهاجر كثيرمن فلذات هذه البلاد إلى غابات العالم الدانية والقاصية، مخدري العقول مسحوري القلوب، كمن يمشي نائما ليلا على حافات السطوح الشاهقة.
اسمع ، بكل جبن أريق في أذنيك هذا الهمس: ضع أعصابك المحمومة في ثلاجة الشجعان، أحسن لك. فأنت قد دخلت في غفلة منك، إلى متاهة الجن والإنس، لا قبل لك بها. اعتصم بالنسيان رحمة بأعصابك، حتى لا يفضي بك الأمر إلى إحدى السكتتين القلبية والدماغية، أو هما معا، فتموت موتة سريرية لا قومة لك بعدها. فماذا يتبقى منك حينها؟.
عفا الله عما سلف حسب رأي المغلوبين على أمرهم، فبعد قليل ستنتهي اللعبة إلى الأبد؛ حتى وإن كانت أوردتك تتفصد جمرا حارقا، لأنه لم يكن بوسعك سوى الانتظار، وليس الإفراج عما يثقل رصيد أعصابك من القذائف والحمم الملجومة بين فكي الوحش الكامن في أعماقك، مثل البركان الخامل الموشك على الانفجار، ولأن لا أحد أحس بمعاناتك، ولكونك أيضا لم تكن تدري بما يخـبئه لك المجهول. فتفاجأت ببعض الكيد الذي يملأ العالم في كل لحظة، بسبب فقر معرفتك بحقائق الأكاذيب وأكاذيب الحقائق، نظرا للعزلة الصوفية التي حشرت نفسك فيها، فقصرت مداركك، وأنت الراسخ في العلم من الجمجمة إلى الكعبين، الجامع المانع مثل الحاسوب، عن وضع أصبعك على معميات العجب الذي يرى في رجب وغير رجب.
إنني مضطر لأن أصارحك بما أراه ولا تراه: مصيبتك أنك كلما فارقت الأنشوطة التي نصبتها لذاتك طواعية، وأرغمتك المناسبات العنيدة على الانفتاح على عش الثعابين وضيافة خلية التماسيح، وجدت نفسك وكأنك تكشف الغطاء عن صندوق المفاجآت، لما يواجهك من بعض رشاش العجائب والغرائب التي لا تصدق وقوعها، رغم أن أضعافا مضاعفة منها تحدث آلاف المرات في اليوم لغيرك.
ـ ومع ذلك، أتيت في المرات الخمس على شفير طائر أبيض ملتاع، عاشق لسطوع الشمس، ألقمه قطعا من لحمي النيء، وجرعات من دمي الخاثر، لكي يضاعف من سرعته أكثر، عبر سحب الظلام المتكاثفة، حتى يصل قبل الموعد إلى الكلية، التي أقامها من لا علاقة لهم بالعلم خارج المدينة قصدا، لأسباب أمنية موهومة.
على كل حال، سيكون لك بعد قليل لقب جديد: ( دكتور!)، قيل إنه ينفخ الأوداج والبطون، و يطيل القامة واللسان.. وستجد نفسك تريد أن تجري في الشارع متصايحا: أنا دكتور.. أنا دكتور.. دكتووورررر… وبذلك ستكون قد فزت بالشهادة المرموقة، وبتجربة المناعة تجاه الغرابة في آن.فماذا تريد أكثر؟.
رفع يده بالكاد إلى جبهته يدلكها، معاودا محاولة التأكد مما إن كان قد شاهد الخفاش إياه فعلا. لكن صه، هاهو المنطق يشرئب بعنقه المديد ولسانه الطويل كالأفعوان. يجتاب أغوار نفسك بمنجل حارق الضربات:
((لقد ظلمت نفسك حين رهنت كل عمرك من أجل هذه اللحظة المضخمة. أما كان عليك أن تنصرف منذ البداية إلى الاتجار في الفحم أو النعناع أو المرطبات، لكنت اليوم موزعا لها عبر طول جغرافية الوطن، ومن يدري؟، فقد تكون أصبحت صاحب مركبات تجارية عملاقة، وربما صرت أيضا عضوا في البرلمان بقدرة قادر، على غرار ما فعله كثير من أغبياء العصر الأذكياء؟.)).
نفسك تجيب مثل طفل مرضي الوالدين:
ـ لن أتواطأ معك. وسأعتبر هذا العرض دعابة حريرية ماكرة. لأنني راهنت على صفقة أخرى مختلفة.
أشداق المنطق فاغرة لا تتراجع، ولسانه لا يتكتم، بل يخرج من فواهته طويلا ملتويا في سخرية:
((أعرف أنك تتظاهر بالإصغاء، بينما أذناك قد صكتا بالشمع الأحمر. ومع ذلك لا بأس. إنما يجب أن تتأمل نصيحة العصر هذه: لو كنت يا عم فيهم.. أحزاب وازنة، أو شلل نافذة، أو قبائل مكينة، وغيرها وغيرها.. لأتيح لأطروحتك أن تناقش بالليل قبل النهار، خلال تمثيلية صورية تكون بطلها المغوار المتألق، تصفق لك فيها الأيدي، وتزغرد الألسنة، لفوزك بأعلى الميزات، والتوصية بطبع الأطروحة، ليتداولها القراء الكرام، تعميما للفائدة وتوسيعا للإشعاع.. فلو حاولت لوجدت الأمر عاديا، ولا يستحق كل هذا العناد . لكنك تركب علمك. فلينفعك علمك إذن. أحسن لك أن تعرضه في سوق الخردة عسى أن تجد من يبتاع منك أقله..)).
ـ قصدك لو كنت علقا لازقا بمزية الإسراف في التمسح بالأعتاب؛ يحمل حقيبة يد هذا، وينادم ذلك، ويحرق البخور لذاك، ويتقن أساليب الحواة في الاستمالة بالاسترضاء، والتبرك، وتجميل وجوه القردة بتوابل العطار التي تفسد الدهر، ومساحيق السند والهند المزيفة، وأحمر الوجنتين والشفاه المستعارمن وجه مدينة باريس الشمطاء!.. فيكون العلم هو اليتيم الوحيد في المأدبة إياها؟.
((أجل، بل وتتوسل بولائم شهريار، وتتشفع بالنذورالثمينة كذلك، استدرارا للرضى والحظوة. اجعل شعارك يا أخي: الضرورات تبيح المحظورات والمحظورات تبيح الضرورات، وسوف ترى.)).
ـ تعسا لك!. وأين العلم في محراب العلم أيها الصفيق؟.
((هناك.. وراء البحار، حيث شاء العلم أن يحط رحاله بعد عصورمن الصعلكة.)).
ـ ونحن!.
((أتقارن بين الجمل والقنفذ؟. وكأني بك لا تعلم أننا مرمى بنا في وادي الموتى المهجور، المليء بالسباع والضواري، الذي لا يسمع فيه سوى نعيب البوم ونعيق الغربان وهدير الغيلان.)).
ـ وما معنى هذا؟.
((أنت من عليه أن يجيب. فاللبيب بالإشارة.. كّمل من رأسك أيها اللبيب الأريب…)).
عينك ترف . طوال الصباح وهي ترف. أمك كانت تقول إذا ما رفت إحدى عينيها: ((إن ضيفا عزيزا سيزورنا)). فمن سيزورك أنت؟. إنك تمخر عباب العمر وتخوم الحياة وحيدا، على متن زورق راش مثقوب، بلا ظل ولا مظلة من أي نوع، سوى ظل قلبك ومظلة عقلك.
بعد أن غيبت ظلمة القبر والديك، حينما لم يعودا صالحين للوقت، أو بالأصح لم يعد الوقت صالحا لهما، ذهبت معهما حمايتهما، وتسابيحهما، ودعواتهما التي لـم تكن تنقطع أنفاسها أبدا: (الله يحفظك يا ولدي من أولاد الحرام.. الله يرضي عليك دنيا وآخرة..الله ينجحك، ويرفع من قدرك..اللهم اجعل له في كل خطوة سلامة، إنك سميع عليم…)، ولم يتبق منها سوى رجع مرير يتردد داخل جوارحك كفعل الأقراص المسكنة. قبل أن تجف تربتهما، خاصمت أختك أخاك، أخوك خاصمك، وأنت خاصمت أختك. ولا تدري أية ضربة ستأتيك منهما، ولا كيف. لذلك تضاعف إحساسك باليتم.
حواؤك المفترضة هي الأخرى، في لحظة غفلة وعنفوان، أسقطت عن عورتها ورقة التوت المتلألئة نعومة واخضرارا، خرجت من برعمها الضيق عارية كما ولدتها الطبيعة . وضعتك بين قوسين مع الحية الرقطاء تمضغ تفاحة مسوسة . وشرعت في تخريب حلمك الفردوسي المقبل المدبر قبل أن يحدث . لملمت عطرها وألحانها ومرابعها ، ثم شردت آخر الشوط، مستجيبة لجاذبية صوت صاخب صخب الموسيقى الإلكترونية ، فانطلقت مختالة على متن أفعى صاروخية مجنحة ، مضمخة بلألاء النجوم الاصطناعية الزاهية، حطت بها على سطح جزيرة الكنز، النائية نأي السماء عن الأرض، لتتفيأ ظلال الجنة والنار، تاركة إياك تحبو عبر سن الرشد الزائد، مجدفا في بحر المعقول والرصانة والاتزان وباقي سلالاتها. فاضطررت رغم صياح قلبك واحتجاجه ، إلى تفكيك منمنمات شهرزاد ، التي نسجتها لها بالحيرة والشرايين والثواني، على مقاس أحلام يقظتك دون زيادة أو نقصان، ولم تصر سندبادا لاهثا وراء سرابها في ظلمات المستحيل بين الوديان والجبال والغيران والغابات والبحار، وفي كل فج عميق وغير عميق، مع أنها كانت في طراوة سنابل الشتاء، ورونق ورد الربيع، وبهاء شمس الصيف، وطزاجة البرتقال في فصل الخريف؛ بل وتستحق كل التضحيات من أجل استرجاعها من مدينة الغيلان المسحورة ؛ بل استأنف شراعك أنفته في مقاومة كتل الثلج الطافية.
فمن سيزورك وتزوره إذن؟. أحرى أن يحضروا يوم المناقشة هذا بثياب العيد الجديدة، ويدفئوك بالزغاريد والتصفيقات والعناق الحار، ويقيموا على شرفك حفلا ساهرا مشهودا، تمتد بهجته حتى مطلع صباح الأحد، مثلما يحتفل بالعرائس في ليالي الزفاف.
هيا.. تقدم في صراط مستقيم، إلى ساحة الكلية، خاشعة أبصارك، متيقظة بصائرك. أليست الكلية حرما مهما يكن؟.
ـ لكن، أليس المسجد الأقصى حرما كذلك، ومع ذلك؟..
السماء المربدة لا تشي بأي انفراج قريب، فهي مكفهرة بجحافل الغيوم الرصاصية المتسخة المتقلبة في هيجان، وكأن مهمتها أن تجهش ببحارمن الأحماض القاتلة، وليس الفيض بماء زلال يحيي الزرع والضرع وهما رميم. أرضية الفناء مفروشة بالحصباء الرمادية المكشوطة. تتوسطها شجرة توت سقطت كل أوراقها، وهجرتها الطيور. وتتخللها مربعات ودوائر، جفت شجيراتها الكسيحة وورودها الذابلة ثم ماتت، فأحاطت بها بعض الطفيليات الملتوية في انتعاش وعنفوان لافتين، ولم يتبق منها إلا بقية من دلالة على أيام عز خضراء، مأسوف على نوارها وورودها البهية، المختلفة الألوان والأشكال والأحجام.. فذكره المشهد بمقبرة عشوائية مهجورة تملأها الأزبال والأوحال على مدار السنة، في قلب مدينته المنتحرة لأسباب تاريخية.
دعك مما فات، وأجب أولا، لماذا هذه الهشاشة؟. وأين تكمن؟. هل هي فسولة تنخر في ركبتيك، وكأنك تقف أمام غول حقيقي، في ليلة غير مقمرة؟. أم تراها رخاوة مقرها الأرض الحصباء الواخزة؟. أقسم إنه لشيء غريب على صفاتك وعاداتك. حاول أن تتماسك يا هذا. احترز كما لو كنت تسير على حقل ألغام. فأية مشية، أو حركة، أو نظرة، أو ابتسامة، ستحتسب عليك. لا تنس أن هنالك عيونا وآذانا رقمية خـبيرة، لها قدرة الميكروسكوب والرادار والباربول، تتصيد بدقة مغناطيسية الصغائر قبل الكبائر، ولا تنقصها مهارة السحرة الخارقة لاختلاقها اختلاقا، ونسج شبكتها بخيال متفوق ولا خيال كبار المبدعين، ثم تنقلها في كابسولة مصفاة، عبر الفاكس أو البريد المستعجل، أو الهاتف المحمول، من أجل تدميرأعتى القلع، إذا ما اقتضت الحاجة ذلك وغير ذلك، أو التحرش بها في أحسن الأحوال وأرحمها. إنني أراك تفتح عينيك على سعتهما تعجبا، وكأنك لا تنتمي إلى أقاليم البداوة في أقوى محطات ديمومتها، أو كأنك تشاهد في انبهار أحد أفلام جيمس بوند أو شرلوك هولمز، بينما شتان بين الواقع والخيال.
ـ أجل شتان بين الواقع والخيال.
انتبه أمامك. فهاهي طلائع المتقاطرين تتدفق ناحية بوابة المدرج. بعض الطلبة والطالبات يمرون سريعا. يختفون في الدهليز الإداري، أو في المدرج. طالب وطالبة يظهران من بوابة المدرج متعانقين، يتبادلان الوشوشات. انظر إلى الجانب الأيمن للفناء. هناك حلقة متنافرة من الكائنات الكلامية، ينتصب في صدارتها الكائن السيميائي، مثل دون كيخوطي دي لامانشا طولا وجلدة على عظم، وكل طاقم فمه مركب من أنياب وليس من أسنان، يتحدث كما لو كان يلقي خطبة من عل في تعال وجهامة مصطنعين، وكأنه أعرف عارفي عصره، وقطب أقطاب زمانه. إلى جانبه الأيسر الكائن المقارني ذو الوجه الأنثوي، وقد مشط شعر رأسه بعناية، يضحك مثل بطل فيلم هندي، متعمدا التظاهر باللامبالاة، وكأنما يريد أن يقول إن حجر الحكمة مستقر في جيبه. بجانبه الأيمن الكائن اللساني يتهجى في تأتأة متوترة جملا تحسيسية معطوبة عينها على منصب مهم سيشغر قريبا. وعلى مسافة من الجميع، يقف الكائن الفرانكوفوني الأشهب بجسمه المعلف، باديا في وقفته المتخشبة مثل (الجوكر)، ذاهلا عن الحديث وعن الضحك معا، كما لو كان موجودا في مكان آخر، وهذا ظله.
يالها من تشكيلة مفخخة؟. ها هي إشارة من الغيب السري المتآمر، تنفذ إلى صدرك. ترعش أنقاضك. تجعل دقات قلبك المتسارعة تصعد إلى طبلتي أذنيك. أكيد أنك انتبهت إلى الكائن السيميائي، يشهر من أعينه الحمراء طلقة منذرة تجاهك، مدججة بالعداء لوجه الله. إنني أدرك أنك تود لو تخرج له لسانك، على الرغم من انطلاق دوي دقات ناقوس هائل يصم أذنيك. لكنني أقول لك ناصحا: أحسن ألاّ تبالي، سلم عليهم بانحناءة من رأسك، وتابع طريقك في هدوء.
ـ السلام عليكم.
لا تعبأ إذ لم يرد أحد عليك السلام، لا بأحسن ولا أسوأ منه. وكأنما الذي مر بجانبهم سلحفاة، أو ضفدعة، أو شبح غير مرئي، وليس أنت. فمن تكون أنت يا أنت؟. لحظة إظلام سريعة. لكنها مرت شاسعة. تكمكمت خلالها سحابة سوداء في أحشائه. ملأت أنفه برائحة دخان قوية متبخرة من أعواد نخرة. فشعر أن شيئا ما في أعماقه يذبح. لطالما ظننت أنك أصبحت تملك العالم، فصارت تقدم لك فروض الاحتفاء أنى حللت. لكن هاأنت ذا لا تستطيع التصديق أنك تعامل معاملة ورقة زائدة طوح بها إلى سلة المهملات.
لماذا تنفعل بطريقة كاريكاتورية مضحكة؟. ما لك أنت؟. حثّ خطاك نحو المدرج. ودعهم يهمعون في حرب داحس والغبراء، التي يخوضونها بأسلحة يرونها، ولا يراها أمثالك ممن يكونون حطبها عن حق أو باطل. المهم أنك الآن مستعد لكل شيء، وضع في حسابك أن الجميع أيضا مستعدون لك بكل شيء، من غير أن تخشى شيئا، مادمت تحمل في أقراص دماغك مكتبات الإسكندرية، والقاهرة، وبغداد، واسطنبول، والإسكوريال، ولاهاي، درعا يقيك السهام الظاهرة والباطنة على السواء. فاسترح ملء عقلك.
لكن عفوا أيها الراوي الذي يملك قدرة ومواظبة مذياع عربي على الثرثرة المستمرة، من يقنعني بأنني لم أر خفاشا في حجم الفيل؟. ومن يصدق أنني قطعت البرزخ الضيق المقلص بين عتبة الكلية والمدرج، خلال تغريبة دامت عقدا كاملا من الزمان، هو زهرة عمري المقضوم، كما لو كنت أقطع سور الصين العظيم، بعد أن فرش سطحه بشتى أنواع الأفاعي والعقارب؟. هل كنت وأنا أدمن اللهاث شتاء وصيفا، جريا من بلد إلى بلد، وراء تفاصيل التفاصيل، مثل متيم مفتون يطارد حواءه الهاربة منه، أو صائم جائع يكرع الجوع والحرمان، وأنا أربض في المكتبات العامة كل النهار، وأعتكف في مكتبتي الخاصة معظم الليل، أسود بعمودي الفقري المحدب تلالا من الأوراق العذراء، أعصر نسغ الروح، ودم الشرايين، وعرق المسام، مكتويا بالحاجة الملحة إلى ثمانية وأربعين ساعة في اليوم الواحد، حتى نضبت جميعها، فانتهيت إلى مجرد كائن منهك، يشبه حطام كرسي قديم متهالك، وأنا لم أتجاوز الخامسة والثلاثين.. ألم أكن حقا أعاني قلق ما قبل الولادة، من أجل إضاءة شمعة أخرى في هيكل الوطن الكابي؟، وهل كنت أقف على رمال متحركة، متوهما أنني أقف على أرض صلبة؟، أم أنني كنت مجرد ممثل موشوم بالفشل رغم أنف موهبته، يؤدي دورا ثانويا بفيلم في غاية الرداءة لا يشاهده أحد، بينما كان على بوصلته أن تتوجه صوب ميدان آخر قد تتحقق فيه قدراته؟. أيكون منطق العصر المنكود على حق؟. وماذا عن سحر جزيرة المغناطيس، الذي كان يشدني بلمعانه ورنينه دوما نحو بهاء الكهف الجبلي المهيب مثل منجم ذهب، وكأنني صوفي متنسك وهب روحه للتبتل؟.
ليس من مهمتي أن أجيب على أسئلة هذا البطل المأزوم، بل إن مهمتي هنا أن أرصد حركاته وسكناته، لذلك أتابع ما أنا بصدده: جعل يتـنزل في بطء، ملتفتا يمينا ويسارا في بطء أكثر مثل الإنسان الآلي. أرجله تطأ درجات المنحنى المفلولة بحذر. يملأ أنفه فحيح لسعات، هي مزيج من رطوبة وغبار ولحم فاسد، وكأنه ينزل إلى قبو غميق، استنقع في عمقه بول وقطران ولحم خنازير حائل، وسرحت فيه قطعان من الصراصير والجرذان الشرهة. سمع صدى صوت حاد مشوب بحشرجة: (محكمة). ورأى رئيس المحكمة يدلف، وفي أثره قضاة في هندام أسود مهيب ، يوحي بالتهديد ، ويذكر بالنوافذ المسيجة بالقضبان الغليظة السوداء. ووجد نفسه مسلسلا، يصيح بصوت مبحوح ملء رئتيه ويديه، داخل قفص من حديد على مقاسه، ذي شبابـيك من عيار شديد الصلابة، لا تقوى عفاريت سليمان على تكسيرها: ((إنني بري.. والله بريء..))، دون أن يسمعه أحد، وكأنه يؤدي حركات ميمية خرساء.
وجوه يعرفها؛ زملاؤه، أصدقاؤه، تلاميذه، طلبته، جاءوا من مدن قريبة وبعيدة. وجوه غائبة حاضرة كراسيها فارغة. وجوه كثيرة لا يعرفها، ولكنه استشعر تضامنها، فأحس ببعض الارتياح، سرعان ما شوش عليه انتباهه إلى فرط شحوب الضوء، وتلبد الجدران بالبقع السوداء الكبيرة، مما سمح لسديم الظلام الكامن أن يكفهر أكثر، ويعسكر متراقصا في فضاء المدرج، على شكل رغوة داكنة تعشي الأبصار بكثافتها، وكأنما هناك مضخة سرية لا تتوقف عن نفث الظلام في المدرج. إذ أمسى مؤخرا لا يستطيع القراءة إن لم يكن ضوء الكهرباء قويا شديد الإضاءة، أو نور الشمس ساطعا وهاجا. وهو ما جعله يتوقع أنه لن يستطيع قريبا رؤية كفه وهي ممد وده أمامه. فكيف يتصرف خلال المناقشة في هذه العتمة؟.
ـ عليك أن تمني نفسك هذه المرة بكل خير..
ـ الخير! وأين هو الخير؟. أما يزال في قاموس الواقع حقا؟.
ماذا دهاك يا هذا؟ ألا ترى كل شيء على أحسن ما يرام؟. المناضد مصفوفة في مكانها فوق الحلبة بصدارة المدرج؟، مستورة بأغطية فضفاضة وإن حال لونها، ركنت عليها مكبرات الصوت السوداء، القادرة على التقاط أي صوت، بما في ذلك أزيز الذباب ولهاث الأنفاس ووشوشات اللجنة المتسترة، مما يؤكد شفافية المناقشة.
فهناك سيتبوأ فرسان اللجنة الصدارة مزهوين، ليصولوا ويجولوا صولات وجولات مزبدة مصلصلة، من أجل إفهام المدرج بأنهم أولى بجائزة نوبـل، وتحسيسك أنت بمدى ضآلتك، حتى تكون عبرة لنفسك ولمن قبلك وبعدك الآن ومستقبلا.
وهنا في الهامش ستتسمر أنت ، لتلقى الصواريخ العنقودية الموجهة، ومباركة الملاحظات المعصومة التي ستوجه إليك. وإياك ثم إياك أن تتطاول فتتجرأ على اختراق الجدار الرابع بينك وبينهم، بإبداء أي اعتراض أو تفنيد، حتى وإن سمعت كفرا، محترما قواعد لعبة المناقشة المتفق عليها سريا. اتركهم يقولون ما لا يفعلون، في حرية ونقاش (ديموقراطي)، ما دامت النتيجة ستكون في النهاية واحدة: فوزك بالشهادة العليا. أنعم وأكرم بهذه الغنيمة!.
لماذا إذن يستمر الشعور بالفتور ينضح في جوفك؟. لا سرور بالشهادة الكبيرة، ولا حماس للمناقشة. آه، فهمت. إنني أسمع نبضاتك تتساءل:
ـ أليس اليوم 13 في الشهر؟.
ـ ومتى كنت يا هذا تهتم بهذه الخزعبلات كما اعتدت أن تسميها؟. ألم تكن أيام الله لديك واحدة : 13، 9، 7، 5، 3.. سيان؟.
ـ ومع ذلك، فإن قلبي لا يحدثني بأي خير. بل إنني أتوجس رعبا من أن تبعث مجددا البلية البالية من جراب الأفاعي. ألا تجد في هذا اليوم المشؤوم مؤشرا كافيا على اتساع رقعة الظلام؟.
ما كان يتوقع أبدا أن يصير الأمر هكذا. في زمن آخر كان مأخوذا بمهابة المدرج، التي تومض في العقل والقلب. كان يتمنى لو يسكن فيه. كانت تربطه به قرابة أبوية راعية. كأنما كان المدرج بيت أسرته، أو مزارا مقدسا يتبرك بجدرانه وكراسيه وأروقته. ليس كما في هذه اللحظة، إذ لا يعرف أحدهما الآخر. أيامها كان يستهول الأمر، ويستعد له بكل دقائق وتفاصيل حياته اليومية. لا سيما حين كان يحضر قداس مناقشات، سارت بها المراكب والركبان في غير قليل من التقوى، نحو حضن المروج الزمردية، التي لا يغيب عنها الإشراق. الآن لم يعد الأمر بالنسبة له أكثر من حيازة ورقة إدارية باهتة، تضيف فتاتا إلى فتاتاته الشهرية.
لم يكد يتهالك على كرسي شاغر بالصف الأمامي،انتظارا لمجيء اللجنة، بوجه يبكي ولا يبكي لكنه على وشك أن يبكي، حتى فوجئ بكوكبة من طلبته القدامى، تتقدم نحوه بباقة ورود بهيجة مختلفة ألوانها وأشكالها وأحجامها، ملفوفة في ورق شفاف، مزين بشريط برتقالي لامع. تلعثموا بتهانئهم وتمنياتهم له. التفاتة خجولة حانية لم تكن في الحسبان، تضوعت منها نفحة منعشة، ذات نكهة نسمات ربيعية منفلتة ترفرف في هجير صيف حار، حسسته أنه مستلق وسط حدائق بابل المعلقة، وأعادت إلى نفسه المقرورة بعض الدفء، مسحت لسانه بالشهد والسمن البلديين، هدهدت أنفه بنفحات الياسمين والنرجس والرياحين ، جعلت أعينه تزدان بألوان قزح جميعها. فتجاوب معها برحيق ابتسامة رقيقة موؤودة، بعد أن حاول الهمس بكلمة (شكرا)، فلم تخرج من فمه كما أرادها، إذ تحولت إلىحشرجة مرتعشة نابعة من أغوار عمره المبهمة المعتمة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، في عي ملحوظ كالنشيج، يوحي بأن الرجل في طور النقاهة من عملية جراحية معقدة.
تهدل جسمه وانكمشت روحه مثلما الحلزون، يلعقان سكرات الانتظار المتراخي. أصابه مس من جمود. حنى رأسه معتصما بالصمت، وكأنه يحضر مأتما لا ينقصه سوى الندابات. التصق بالكرسي إلى حد الالتباس، بحيث لم يعد يميز من يحمل الآخر هو أم الكرسي، وما إذا كان موجودا في مدرج أم في قاعة محكمة، وهل هو عمود صامت، أم أنه طفل مشاكس يصرخ.. بينما تركز نظره على الحلبة في حالة شرود. راوغه ذهنه، وأفلت منه. انطمست الأشياء، وحلت محلها لجنة المناقشة.
ـ…إن مقصدية الإشكالية الإبيستيمولوجية للنظام المعرفي تأسست على تعالقات النظام السوسيوثقافي المعرفي في الخطاب السياسوي المغترب.. وهذه المقولة…
ـ لكن يا أستاذ، بعد إذنك، إن…
عوى الأستاذ:
ـ لا تقاطعني.. وسيعطيك السيد الرئيس الكلمة في آخر المناقشة.
رئيس اللجنة ينبح:
ـ على الطالب الباحث ألاّ يقاطع السادة أعضاء اللجنة الموقرة.
ـ…..
الأستاذ يعلي من عوائه:
ـ… وإن التخصيص والتعميم والتطبيق والتوسيع سينعكسان على تعاريف التشاكل فعند جريماص هو مجموعة متراكمة من المقولات المعنوية أي المقومات التي تجعل قراءة متشاكلة للحكاية كما نتجت عن قراءة جزئية للأقوال بعد حل إبهامها تقولب العقل البياني على أساس أنها فروض وممكنات تؤسس نسقا اختلافيا عبر إبيستيمولوجي هجينا وبالتالي فإن تمفصل…
ـ عفوا سيدي الرئيس، إن هناك نقطا ساخنة توجب الرد عليها فورا..
قال الرئيس عابسا وهو يمصمص أسنانه:
ـ لا أسمح لك بالكلام.. أفهمت؟.
اصطبغ الفضاء بكل أشيائه بالسواد. هو دفن وجهه بين كفيه. أحس أنه يتنفس من أذنيه. وبدا كما لو أن الحياة لم تعد تسيل في شرايينه. ميت وما هو بميت. خاو من أية إرادة. الإحساس بالانفصال عن العالم ضغط في حدة على أعصابه، وأوهمه بأنه من عالم آخر. فانخرط مع ذاته في حوار داخلي موجع: أين الطول والعرض في الجسم والروح والعقل؟ أين خفة الرجل والعين والبديهة؟. أين النجابة والتيه والصلابة؟.
علي في هذه اللحظة المظلمة، أن أهمس لك مجددا: جاهد يا هذا، حتى وإن ظل ثقب إبرة من ضوء في عينيك، أو عرق واحد نابضا في أطرافك، أو نقطة دم يتيمة في شرايينك، أولفافة حيوية في دماغك. بل لا تستسلم وإن لم يتبق فيك شيء من ذلك. ادفع عن روحك بصمات الأشباح المتطفلة. لا تعبأ بنظرات الإشفاق والتشفي المركزة عليك. اخلع عنك صورة المكشر الذي قلما يضحك، ويعض على النواجد باستمرار، حتى وإن اقتضى الأمر مواجهة كائن حربائي خرافي لا يرى، ينساب كالأفعى، ويهجم كالذئب، وينط كالجرذ، ويقضم كاليربوع، ويمكر مثل الضرة .
ما العمل إذا كان عرف الوقت يقول إن عدم الرجوع عن الخطأ فضيلة؟. لكن ، ألا تتأمل أبهة هذه القبة الأرابيسكية الرائعة؟. أليست رواقا لأرسطو وابن رشد وهيجل، ومرتعا للمعري وابن خلدون والإدريسي، وبيتا لامرئ القيس وابن الرومي والبارودي، ومتنزها لطرفة وأبي نواس ونزار قباني، وحارة للهمذاني ونجيب محفوظ ويحيى حقي، وأمثال أمثال امثالهم؟.
عادت فتحركت نأمة الحياة في جسمه. جازف بالتطلع إلى الأعلى متمهلا. لاحظت أعينه الكليلة عدة شقوق تتعنكب بأرجل طويلة عند قاع القبة. تهيأ له أن القبة تتزعزع. فتساءل مع نفسه: لو أن هذه القبة العتيقة تساقطت الآن على رؤوسنا وطمرتنا، فمن يمسك الكارثة؟. ولم تنشغل نفسه بالبحث عن جواب لسؤاله. إذ لفت انتباهه تسرب بصيص من نور مخنوق بذرات الغبار، عبر إحدى الكوات الضيقة، في الجهة اليسرى من القبة. أحس بارتياح مفاجئ، حار في تعيين سببه. وراح يطيل التمعن في فراغ القبة الهائلة، مقارنا بينها وبين قبة ضريح مدينته المنسية، فتولدت في أعماقه كثافة حلكة وغلالة خوف غامضتان.
عقارب الساعة تصلبت عند الثالثة. موعد المناقشة أزف إذن. تضاعف رفيف عينه. انتصبت أذناه كما القط. مال برأسه إلى الوراء في استدارة بطيئة، يروم اختلاس النظر إلى بوابة المدرج. لجنة المناقشة لم تشرف بعد. الزمن يتربع على صدارة الموقف الثخين. لا عليك، ربع ساعة، أو نصفها، بل وحتى دبيب ساعة بأكملها، لا يضر.
ـ لا يضر! لعنة الله على وحوش الغابة، وعلى شياطين المجاري.
وفي حين أمعنت طواحين الزمن في سحل أعماقه، تداعت إلى ذهنه مأساة قطته الصغيرة، الجميلة مثل دمية يابانية متقنة الصنع. فاحتقن صدره، وانفتلت أحشاؤه. أطلت من بوابة المدرج أعناق بعض أعضاء اللجنة. التفتت رؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال، ثم تراجعت مسرعة إلى الخلف وراء البوابة. لكم عمل على منع قطته من الخروج إلى فوضى الشارع. كان يحرص عليها جيدا. يطعمها بنفسه يوميا، فيما هي تهر وتتمسح بأرجله في ألفة أسرية محببة. خمن أن هذا التأخر دليل على أن الغيب السري ينشّط مهارات تآمره، خلال الدهاليز، ووراء المكاتب، وعبر أسلاك الهواتف.
الساعة الرابعة الآن. وماذا بعد؟. الزمان يتناسل في بطء رتيب. يحفر بثقله هوة من الاحتمالات السوداء تصطك في قرارة نفسه. قطته غافلته وخرجت إلى فوضى الشارع.
الرابعة والنصف!. غالب عسر الهضم ، وجاهد في امتصاص الإهانة، لمّا تهيأ له أنه وقع في جوف حوت هائل، التقمه وهو يجلجل بقهقهة ساخرة. المدرج سؤال ضخم متثائب يكبر مع مرور الثواني، مطبقا على أنفاسه بأجنحة خفاش صفيقة متشابكة العروق. مرقت سيارة طويلة عريضة ثقيلة بسرعة جنونية لامبالية. دهست قطته الجميلة. القطة هرولت مرعوبة حوالي ثلاثة أمتار. أقـعت وكأن شيئا لم يحدث لها. فـردد في نفسه مبهورا: ( الحمد لله.. يبدو أنها لم تصب بأذى.. يالها من معجزة…). لكن فجأة ترنحت المسكينة وسقطت على جنبها. زفرت متشنجة، وماءت لآخر مرة مواء مغدور، في احتجاج مأساوي على هذا العبث، ثم همدت وخـيط دم قان يسيل من فمها، وفي عينيها الجاحظتين ألف سؤال وسؤال عن لاشيء. فالتهب جنونه، بينما راحت تتصاعد من معدته حموضة قيء مرير إلى أعلى حلقومه. وشعر بحاجة ملحة ضاغطة للذهاب إلى المرحاض، لكنه كبث حاجته في نفسه.
رفيف عينه يسرع. تحسر لشروع الحاضرين في الاختفاء من المدرج تباعا، مثل فصوص الملح حين تذوب تدريجيا. وكاد يصيح: مزيدا من التحمل رجاء، فأكيد ستهل اللجنة بين لحظة وأخرى، وستستفيدون من دررها ووسائط قلائد عقيانها النادرة.
عقارب الساعة تمعن في لسعه. لم يأت أحد ليخبر بحقيقة الأمر أو بباطله بدم بارد. اقتحمت المدرج قوافل خفافيش متزاحمة عبر الكوات الجانبية للقبة الجوفاء. أفل بصيص النور المغبر، المتسرب من إحدى كوات القبة اليسرى. شرعت الخفافيش تحوم في الفضاء، مراوغة في عرج ملحوظ، وكأنها خفافيش مستنسخة، سيما وأن حجمها أكبر من الطبيعي. همهم المدرج وقهقه في موجات من الصخب. فألهب أذنيه ضجيج السوق الأسبوعي، وأحس بنقر ولدغ الخفافيش على كل جسمه. الخفافيش اندفعت خارجة من الكوات. عادت بعد قليل فدخلت. ظلت تتناوب على المراوحة بين الدخول والخروج، كأنها تؤدي طقوس لعبة متفق عليها سلفا. اعتاد عليها المدرج، فتوقفت القهقهات والصياح.
ـ أمثولة وأية أمثولة!. أليست مادة طريفة لنمامي المقاهي؟.
ـ أمثولة من؟. أمثولتك أم أمثولتهم؟.
أطرقت رأسه، وانكفأت روحه منشغلة بتفريخ سيل من الأسئلة المتدفقة: أيحدث هذا النهش الآن؟، أم تراه حدث في إحدى المرات السابقة، أو قبلها، أو فيها جميعا؟، أم أنه سيحدث لاحقا، وإنما هو الحس المشحون والحدس المركزمن يستدعي حدوثه من الأوان القادم؟، أم أن لا شيء يحدث قطعا، وإنما هو الوهم ولا شيء غير الوهم؟. لكن قبل ذلك. لماذا كل هذا؟. هل سبق وأن أخطأت في حق أحد؟. أم أن هناك وشاية خبيثة نسبتها إلي العيون المندسة بهتانا وعدوانا؟. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا الذي يقف وراء كل ذلك، سواء كان وهما أم واقعا؟. أريد أن أعرف حقيقته، مجرد معرفة، لا أقل ولا أكثر. (لحظة صمت).
ـ عفوا أيها الراوي مجددا، إذ يبدو أنك نسيت أن تذكر لقرائك شيئا لم أستطع أن أمنع نفسي من تنبيهك إليه. لم تقل لهم إنني تعودت على وضع مسافة سحيقة بيني وبين الآخرين تقاء شرهم، ولسوء التفاهم الحاصل دوما معهم؟. لقد كنت ولا زلت لا أدخل سوقهم. إن رأيت وسمعت عجبا، تظاهرت بأنني لم أر ولم أسمع عجبا. وإن حدثني أحدهم عن أحدهم بالعجاب، تجاهلت العجاب، وغيرت الموضوع. وفوق هذا وذاك، إنني اخترت عمدا العيش وحدي في رفّ زقاق خلفي، بعيدا عن الآخرين. لا أهتم إلاّ بشؤوني الخاصة المتواضعة، وأقضي معظم وقتي بين الأوراق والأوراق، ولا أفشي هواجسي لأي كان، ولا أحلام لي تطال أعالي السماء، مسكونة بشبق مزاحمة فرعون وهامان وقارون، فأنا محشور طبيعة وفطرة بين أصحاب القامات القصيرة. (لحظة صمت طويلة).
ـ ثم، اتركني بدوري أسألك أيها الراوي، لكوني لا أجد من أسمعه ويسمعني غيرك: ألا تشاطرني الشك في أن هنالك التباسا ما، أو لعله خطأ مقصود، أو خطأ غير مقصود. أيكون قد أصابني سحر عين حاسدة حاقدة؟. أو أن يدا من شجرة ملعونة، دست تعاويذها وطلاسمها تحت فراشي ووسادتي في غفلة مني؟، أو تراها دفنت بعض التمائم عند باب داري، لجلب النحس لداري؟..
ـ هذه المرة لن أقاوم إغراء محاورتك مباشرة، لذا أجيبك بأسئلة من طينة أسئلتك: كيف تفكر هكذا يا هذا؟، ومتى كنت تعتقد في الطالع، أو تتشاءم من رقم 13، ومن الثياب السوداء، ورؤية بوم أو غراب ينذران بالخراب؟. ألم تكن تسخر دائمامن الكف الحديدية الصدئة، التي أصرت أمك على تثبيتها على باب داركم المهترئ؟. أم أن للضرورة أحكاما كما يكرر المجربون؟.
ـ فلم يحدث هذا إذن، إذا كان يحدث فعلا؟. لماذا؟.
ـ تلك مسألة أخرى تحتاج إلى متابعة دؤوب، وبحث دقيق ونزيه، يتمان من طرف كفاءات قصية مقصية. ألا يكفيك هذا؟.
تخلخلت عقارب الساعة، وكأنما تلبستها جنية لعوب، فانهمكت في مضاعفة سرعتها بأشواط متلاحقة. انتبه إلى أنه خلال نظرته الباهتة الشاردة في لاشيء، كان يعضّض أنامله المرتعشة دون شعور منه، فسارع إلى وضع كفيه في جيبي سرواله. أحس بأنه في أنفاسه ما بعد الأخيرة، لذا تمنى لو ينفجر باكيا في هستيريا، لولا تحكم المواضعات.
احتضر النهار الخريفي القصير. توقفت عينه أخيرا عن الرفيف نهائيا. كم الساعة؟. ندّ عنه أنين داخلي، لم يسمعه غيره. ترنح مثل السكير. انتصبت أمامه حواؤه الموعودة بوجه يبكي نصفه ونصفه الآخر يضحك. فاجأه طنين في الرأس والأذنين. تسارعت دقات قلبه. تقلصت شرايين عينيه. أحس بحول مباغت يعتريهما. دارت به الجدران، ومادت الأرض مثل الزلزال، فداخله رعب غير معهود. انفرطت عقارب الساعة، وارتبكت تكتكاتها كما دقات قلبه. خال نفسه يركب سيارة دون حصارات تعدو به ألف كيلومتر في الساعة.
ـ أهو الموت إذن؟، أم تراها حافة الجنون؟، فليكن، مادام الأمر يتعلق بحصوة مهمشة لا وزن لها.
توالج الزمان في الزمان، وتلاشت حدود الإحساس. فانتفضت فراغات الظلام منشقة عن ظلمات وظلمات، متوالدة كالغربان حول جيفة مفترسة. خفاش هائل يضرب بجناحين عملاقين محلولكين، منقضا على قطته الجميلة المدهوسة، ناعقا: هل من مزيد؟. وحش حربائي خرافي ذي رأس منغولي، يستحم بالحلكة وهو يمتص عظام حوائه النافرة، مقهقها مرحا وسخرية. درويش يتهادى برقعته المتلونة على خشبة عارضات الأزياء، وقد خرس لسانه عن النطق بالحكمة والكلام غير المباح. رئيس المحكمة المجلل بالسواد، يعلن في صرامة الإسمنت: ((رفعت الجلسة للمداولة)). وفي خضم ارتقاء غشاوة القيامة هذه إلى مقام الإظلام العالي طولا وعرضا، أخذت صور الخفاش والوحش الحربائي والدرويش والقاضي، تتأرجح بين التقاطع والتلاحم، ثم اندمجت أخيرا في صورة واحدة متكاثفة مغبشة، قد تكون صورة نموذجية للغول أو المارد أو الشيطان.. لكنها لم تبد له صورة لمخلوقات خرافية، إذ ألفاها صورة مألوفة لديه، وقد اعتاد عليها أزمانا وأزمانا لم تنقطع. ومع ذلك، حاول أن يصرخ، فلم يجد حلقه في فمه.
انتابه إحساس بأنه استقر في منطقة العدم إلى الأبد، لولا أن الدوران والتقاطع قد توقفا، لمّا اشتعل داخله عويل حار لطفل مشاكس غير مدلل، يريد الانطلاق مع أقرانه ليلعبوا كرة القدم، بكرة صنعوها من خيش وجوارب قديمة. وقد تهيأ له أنه لبث في قيامة الظلام كل عمره الماضي والحاضر والآتي.
واستفاق على كفيه ترتفعان لتدلكا عينيه، كما أدرك أن كيانه يتحامل متواقفا. ثم تحرك ينسحب من المدرج بسرعة وكأنه يريد الخروج من مكان مشبوه أو موبوء، غير أن أرجله لم تسعفه، إذ بدا كما لو كان في حاجة إلى عكاز، حيث جعل يجرجر خطى شيخ منحن عاش مائة عام، أو يزيد. فتطوعت أيد شابة متسارعة لالتقاط باقة الورود المنسية، ولاحقته بها.


* نموذج من مجموعة (شرخ كالعنكبوت)  خريف 2001

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع