أخر تحديث : السبت 9 نوفمبر 2013 - 10:13 مساءً

مشهد مرعب

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 9 نوفمبر, 2013 | قراءة

على غير العادة وجدتني أستيقظ باكرا صباح هذا الأحد ، شعرت و كأني قد اكتفيت تماما من النوم ، حاولت دون جدوى أن أغمض عيني مرة أخرى ، خصوصا طوال الاسبوع وبحكم العمل أستيقظ مع الفجر ، يوم الأحد فيه أعوض هذا النقص المرعب من ساعات النوم ، بقية الأيام أستيقظ بصعوبة قصوى ، أستعين بمنبهين – الهاتف و الساعة – ، أغادر فراشي الدافئ بصعوبة كبيرة ! تجدني أخاطب نفسي بمرارة و غبن و رأسي تحت الوسادة : لقد هانت يوم الأحد سوف أنتقم منك أيها النوم اللعين اللذيذ … يأتي أخيرا هذا الأحد فأجد نفسي مستيقظا مع أولى صيحات الديك ! أي كساد أكبر من هذا ؟
نهضت ، هيأت فنجان قهوة ، و أنا ألعن حظي العاثر ، شعرت برغبة الجلوس في الشرفة ، لم يكن يستهويني الجلوس فيها لارتفاعها الشاهق ، كان بيتي في الطابق العاشر ، يُخيل إليك و أنت تطل من الشرفة كأنك تركب الطائرة !
وأنا أنظر بحذر إلى الأسفل رأيت الحديقة التي توجد أسفل العمارة شبه خالية إلا من فتاة تجلس و في يدها كأنه هاتفها الصغير … ثم وجدتني أشهق من هول ما رأيت !
طفل ربما في عامه الثالت يقترب من البحيرة التي توجد وسط الحديقة ، كنت أعرف أن البحيرة عميقة قد تبتلعه لو أنه وضع قدمه الفتية فيها ! كان الطفل يجري ويلعب بمحاداتها … تحول بصري بسرعة إلى الفتاة الجالسة ، كانت تتكلم في الهاتف … آه يا ربي ما أغباها ! أكيد أنها أمه أو مربيته ، كيف لم تنتبه ؟ كيف يصبح هذا الجهاز الصغير الملعون أهم من طفلها ؟ تَراها الآن تتكلم في أمر تافه ! الطفل أراه يقترب أكثر إلى البحيرة و المرأة كأنها في عالم آخر منهمكة في دردشة فارغة ، قد تكون الآن منتشية بالحديث والضحك مع صديقة تافهة مثلها بينما طفلها يقترب أكثر إلى الموت!
كنت أعلم أن صوتي لن يصل إليها من هذا الارتفاع الشاهق ومع ذلك أخذت أصرخ ، وجدتني أتنقل بين جنبات الشرفة ذهابا و ايابا لعلي أرى أحدا ، لعلي أستطيع أن أفعل شيئا … وجدت أمامي المقعد الذي أجلس عليه في الشرفة ، حملته ورميته بكل قوتي إلى الأسفل لعلي أثير انتباهها ، لعلها تسمع صوت ارتطامه بالأرض فترفع بصرها حيث أنا، لكنها وكأنها في عالمها الآخر و كأن الدنيا اختصرتها فقط في هاتفها الصغير !
كان علي أن أتصرف بسرعة و أن أسابق الزمن ، وقوفي هكذا في الشرفة أنتظر وقوع الكارثة كأنه مشاركة في هذه الجريمة ! أما المراهنة على أن المرأة قد تنتبه فهي مراهنة خاسرة بكل تأكيد
بح صوتي من الصراخ ، قررت أن أنزل … كنت أعرف أن الأمر يتطلب مني حتى أصل إلى الطفل زمنا ليس بالقصير ، بخلاف الموت فإنه على بعد خطوة واحدة يخطوها الطفل المسكين إلى البحيرة ! إنه سباق غير عادل بيني وبين الوقت ، حتى أنه سباق غير ممكن ، فنقطة الوصول مختلفة ومغايرة ، أنا أجري من أجل الحياة و هو يسرع من أجل الموت !
خرجت بمنامتي ، طبعا من السداجة أن أنتظر حتى ألبس ملابس الخروج ، وجدت المصعد ينتظرني في الطابق العاشر … رميت جسدي داخله ، شعرت بأمل يكبر داخلي ،لعل النوم الذي استعصى على جفوني. ودخولي للشرفة رغم أني لا أحب الجلوس فيها و أخيرا المصعد على غير العادة عند بابي ينتظر قدومي ،كلها بشائر تجعلني أعتقد كأن القدر معي في سباقي مع الزمن ! هذا ما خطر ببالي وأنا بالمصعد ، كانت التواني التي قضيتها فيه أطول مما أستحمل ، كنت أستعجل الوصول كطفل يجري الى دورة المياه ليفرغ متانته الممتلئة لكنه عندما يصل يجدها مشغولة ، فيصير يقفز في مكانه ينتظر !
دفعتُ الباب وخرجت أجري الى الحديقة ، لاحظت بدهشة تواجد سيارات الاسعاف والشرطة والمطافئ كلها قرب الحديقة ، دخلتُ أبحث عن الطفل قرب البحيرة … أخذت نفسا عميقا وحمدت الله أنه في أحضان رجل المطافئ ، رأيت امرأة تهرول نحونا ما ان رأتْ الطفل حتى ارتمتْ تحتضنه وتقبله ، تبكي وتقول :
– بحث عنك في كل مكان يا كبدي ، كدت أجن عليك
تمسحُ دموعها وتريد أن تقبل يد الرجل الذي كان يحمل طفلها
– شكرا لك
ابتسم الرجل وقال :
من يستحق الشكر بالفعل ، تلك المرأة الجالسة هناك ، انها من أجل طفلك هاتفت كل المصالح الأمنية
ضحكَ وتابع قائلا : من أجله أقامت الدنيا و لم تقعدها
التفتنا حيث السيدة ، وجدتها تلك الفتاة ربما في عقدها الثاني ، نحيفة وشاحبة كانت تبتسم للطفل وتشير إليه بيدها ، رأيت رجلا يقترب منها يقبلها في جبينها، تلفٌ يداها حول عنقه ،فيحملها ثم يجلسها في مقعد متحرك كان بجانبها ويغادرا الحديقة ، رجل المطافئ يعلق قائلا :
– المسكينة تعاني من شلل نصفي

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع