أخر تحديث : الإثنين 18 نوفمبر 2013 - 9:08 مساءً

ترجمة … بتصرف

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 18 نوفمبر, 2013 | قراءة

في عطلة الصيف الأخيرة ، زارني هنا في هولندا صديق الدراسة خالد ، شعرت بسعادة لا توصف وأنا استقبله عندي ، شعرت كأن قطعة من المغرب ركبت الطائرة وحلت ببيتي . لم يتغير كثيرا خالد عن أيام الجامعة ، فهو كثير الكلام ، جميل الحديث ، يجعلك تشعر بالمتعة وأنت تستمع إليه ، لم يكن يحكي بلسانه فقط بل بيده وعينه وكل تعابير وجهه ، حتى أنه يُخيل إليك أن كلامه يمشي ويتحرك !
كنا نخرج إلى الشارع فتجده يوزع الابتسامات والتحيات يمينا ويسارا ، كان فرحا جدا وهو يكتشف هذا العالم الجديد ! لكن سرعان ما تختفي بسمته عندما أكون رفقة أصدقاء هولنديين نتحدث باللغة الهولاندية التي لا يفقهها ، تجده يستمع إلينا بانتباه ،عساه يستطيع أن يفك طلاسم هذه اللغة ، أشعر بعصبيته وقلقه ، فلم يكن من المعتاد أبدا أن يبقى ساكتا في أي مجلس ، لكنه سرعان ما اهتدى لطريقة تجعله يشارك في الحوار !
وجدته يهمس في أذني : عن ماذا تتحدثون ؟
أخبرته بالموضوع ، ابتسم ، عرفت أنه قد فُتحت شهيته للكلام ،ثم فاجأني وجدته يطلب منا بحركة من يده أن نسكت، فبدأ هو في الكلام ، بعد ذلك طلب مني أن أترجم ما قال !
أترجم و أصدقائي يعقِّبون، و أنا أترجم له ، أصبح يتحدث مع كل صديق على حدة وأنا أترجم ، لم أعد أشارك في الحوار ولم أعد حتى أستطيع أن آخد انفاسي فقط أترجم عنه وله ، أعود إلى المنزل منهكا لا أتكلم ، فمخزون الكلام يكون ساعتها وصل إلى الصفر .
صباح يوم السبت هربت به بعيدا عن المقهى حتى لا نلتقي بالاصدقاء وتبدأ مكينة الترجمة ، ذهبنا قرب الشاطئ، لكن صادفنا هناك بايتر وزجته لينا التي بعد حملها الأخير ووضعها لتوأمين زاد وزنها وأصبحت تبدو أكثر من سنها …صافحهما خالد بحرارة وقال بلغة عربية أنيقة موجها كلامه لبايتر :يسعدني معرفتك ….
ثم نظر إلى لينا وتابع : والدتك تبدو أنيقة وجميلة
فطلب مني أن أترجم ! ترجمت كلامه ، ضحكتْ لينا وبدا عليها السعادة والانشراح !
ودَّعتُ بايتر ولينا ثم سحبت خالد من يده ، تلكأ بعض الوقت ، كان يريد أن يطول بقاؤنا صحبة الصديقين
. في الطريق ابتسمتُ و اخبرته أن لينا هي زوجة بايتر وليست أمه كما قال ! ارتبك خالد وشعر بمدى عفويته التي تصل إلى حد الغباء فقال باستغراب : لكن لينا، لم تغضب من كلامي الوقح ، يالها من امرأة رائعة بالفعل
قلتُ مبتسما : ربما … أو ربما أن الترجمة لم تكن أمينة !
قال بدهشة : ماذا قلتَ في ترجمتك ؟
ابتسمت و قلت : ترجمت كل كلمة بدقة و أمانة إلا كلمة واحدة ! فعوض أن أقول والدتك قلتُ زوجتك
ضحك خالد حتى ادمعت عيناه فقال : كم أنا سعيد أنك لم تكن أمينا في ترجمتك
خلال الأيام المتبقية لخالد في هولندا لم يعد يطلب مني أن أترجم له … لقد فقد ثقته في أمانتي !

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع