أخر تحديث : الجمعة 22 نوفمبر 2013 - 8:32 مساءً

غيرة امرأة

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 22 نوفمبر, 2013 | قراءة

خلال فترة الخطوبة وخصوصا عندما تكون المدة قصيرة فإنك لا تستطيع أن تتعرف كثيرا على الشريك الذي سوف تعيش معه بقية رحلة العمر ، خلال تلك المدة تكون بين الخطيبين فقط عبارات جميلة للمجاملة ، فكل طرف يحاول اخفاء سلبياته ونواقصه وبالتالي اظهار محاسنه و تفوقه .
هذا ما حصل لصديقي سعيد المقيم بهولندا ، قسَّم عطلته الصيفية ( 5 أسابيع ) إلى :
– اسبوعين للخطوبة
– اسبوع لحفل الزفاف
– اسبوع للسفر ( اسبوع العسل !)
الاسبوع الأخير الاستعداد للعودة وجمع الحقائب
خلال كل هذه المدة كان سعيد ، سعيدا بالفعل ، خطيبته فاطمة التي أصبحت بعد أسبوعين زوجته كانت معه في غاية الرقة و الألفة ، هو كذلك كان يبدو لطيفا وكريما فكان كل مساء يقترح عليها تناول العشاء في مطعم فخم لكنها كانت ترفض بقوة ، تدخل الى المطبخ وتهيئ الكثير من أصناف الطعام ( المالح و الحلو ) وتصير تطعمه بيدها ، ما إن ينتهي من لقمة يدخلها إلى معدته يجدها تضع له لقمة أخرى في فمه ! شعر أن ما أكله في هذه الفترة القصيرة يفوق ما أكله طوال العام في هولندا ! عند الانتهاء من العشاء تجلس هي ببراءة و في شفتيها ابتسامة طفولية تنتظر أن تسمع اطراءه و اعجابه !
اكتشف أن زوجته طباخة ماهرة … اكتشف أيضا عن طريق الصدفة شيئا آخر لم يكن أبدا في الحسبان ، زوجته فقط من غير نساء الدنيا من تملكه ! أو بعبارة أدق هي الوحيدة من لا تملكه ! إنها الغيرة … زوجته لا تغار !
دخل عليها مرة فوجدها تتفرج على صور “ألبومه” الصغير وكان قد نسي أن يزيل صوره رفقة خطيبته الهولندية ، سألته فاطمة وهي تبتسم :
– من هذه الفتاة الشقراء ياعزيزي ؟
تلعثم وقبل أن يتكلم استطردت فاطمة قائلة :
– لعلها خطيبتك السابقة؟
ثم أخذت الصورة في يدها أمعنت النظر إليها ثم قالت
– أَتعرفْ يا سعيد ذوقك رائع ، كم هي جميلة و فاتنة !
بعد ذلك وضعت الصورة جانبا ودخلت إلى المطبخ ! كان سعيد متيقنا بأنها فقط تؤجل موعد الخصومة لما بعد الاكل ، استغرب كيف تستطيع أن تتحكم في مشاعرها وتختارهي موعد وتاريخ معركتهما القادمة ، جلسا يأكلان ، كانت تبدو سعيدة وتضع له كعادتها اللقمة تلوى اللقمة في فمه ، هو كان مطيعا، لم يُبدي أية مقاومة أو اعتراض كما كان يفعل من قبل ، كان أيضا متوجسا ويفكر في صياغة الاعذار وتركيب الجمل التي قد يستعملها عندما تبدأ المعركة في تبرير احتفاظه بصور الشقراء، خطيبته السابقة
انتهيا من الاكل ، لم تقل شيئا بعد ، جلسا أمام التلفاز ، ظهرت مذيعة الجزيرة الحسناء ، حاول أن يشغل بصره بمجلة كانت بجانبه حتى لا يثير غضبها فتصبح المعركة المنتظرة معركتين !
قالت : أنظر يا عزيزي ، تبدو المذيعة أجمل بعد اجراء العملية على أنفها أليس كذلك ؟
نظر سريعا ، بنصف عين ، وعاد ليقرأ المجلة ، وقال ببرودة
– ربما !
قالت بغضب : إنك حتى لم تنظر إليها .. انظر إنها أجمل و أشيك مذيعة
بدأ الشك يساوره ، هل هي لا تغار ؟ إذا كانت الغيرة هي مقياس الحب كما يقولون ، فهي لا تحبه إذن ! لا لا أبدا كل شيء فيها يوحي عكس ذلك ، هي قد تكون فقط تعاني من شيء ما ، هناك أناس بعد تحليل دمهم تجدهم يعانون من نقص في مادة الحديد هي تعاني من نقص في مادة الغيرة !
لم يكن متيقنا من هذا الاكتشاف ، أراد أن يتحقق من ذلك ، استجمع كل قوته ، كانت دقات قلبه متلاحقة ، اصفر لون وجهه وهو يقول :
– جمال هذه المذيعة لا يقارن بجمال نانسي عجرم !
وجد نفسه ينظر إليها بعينين واسعتين ليرى أثار كلامه على وجهها ، أطلقت ضحكة وقالت :
– لا ياحبيبي ، دلع وجمال هيفاء يفوق نانسي !
أصبح الشك أقرب إلى اليقين ، أراد أن يتأكد أكثر ، زاد من الجرعة ، جرعة لاستفزاز غيرتها
فقال : تذكرتُ صديقتي الهولندية ، تشتغل معي تشبه لحد كبير هيفاء هذه ، خصوصا في مشيتها ودلعها !
وجد نفسه مرة أخرى ينظر إليها بعينين واسعتين ،لكنها ابتسمت لم يكن يبدو على وجهها أي تغيير فقالت : وهل هي متزوجة ؟
فكرة حمقاء تراوده ، أراد أن يزيد من تلك الجرعة الى الحد الأقصى فقال :
– لا ، انها معجبة بي !
قالها بسرعة وسكت ! كالذي يرمي بقنبلة تم يختبأ فيضع أصبعيه على أذنيه ينتظر الانفجار ، كالذي يراهن في طاولة القمار على لعبة قد تمنحه كل شيء وقد تسلبه كل شيئ حتى ملابسه و ساعته اليدوية !
لكنها ابتسمت له ببراءة وقالت :
– المسكينة ، ما رأيك أن أتعرف عليها ونستضيفها على قصعة للكسكس بالقديد … هم يموتون في الكسكس المغربي !
سعيد يطلق صرخة في داخله كمسدس كاتم للصوت : الله أكبر الله أكبر زوجتي لا تغار !
في اليوم الموالي كان سعيد وفاطمة مدعوان لحفل زفاف ، سعيد يوزع الابتسامات والمجاملات للرجال وأيضا للنساء ، لم يكن يجد أي حرج في ذلك فزوجته أصلا لا تغار !
التقى بابنة خالته المقيمة بأمريكا أخذها بالحضن وصار يسترجعان ذكرياتهما القديمة أيام الطفولة ، تنهض فاطمة فجأة وهي غاضبة ، تأخذ معطفها وتغادر القاعة ، سعيد يتبعها ، يحاول أن يفهمها طوال الطريق أنها ابنة خالته وهي بمثابة أخته الصغيرة وهما قد تربيا معا … فاطمة لم تكن تتكلم فقط تبكي وتمسح بمنديلها دموعها وسليان أنفها ، وصلا إلى المنزل ، أخذت فاطمة ترتب حقيبة ملابسها لتذهب إلى منزل والديها ، جلس سعيد في ركن من البيت يوبخ نفسه كيف صدَّق كذبة هو من كذبها ! كيف صدَّق أن هناك امرأة لا تغار ! يالها من امرأة غريبة ، كيف تستطيع أن تضع كل أحاسيس الغيرة داخل ثلاجة ثم في لحظة ما تتحول الثلاجة إلى فرن مشتعل !
آه لو كانت فاطمة تغار ككل نساء الدنيا ، لكن غيرتها مختلفة ، غيرتها كمفتش لئيم يأتي دون سابق انذار ، تنتظر قدومه طوال السنة فلا يأتي وعندما تتأخر يوما عن المدرسة لخلل أصاب المنبه فلم تستيقظ أو لعجلة السيارة في الطريق أصابها عطب أو ل ….. تصل إلى القسم في حالة من العياء و التعب ،فتجده بمحفظته عند الباب ، متجهم الوجه ينظر بين الحين والآخر الى ساعته و ينتظر قدومك !

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع