أخر تحديث : الثلاثاء 26 نوفمبر 2013 - 7:15 صباحًا

حكاية رجل كـ “الطود”

محمد المهدي السقال | بتاريخ 26 نوفمبر, 2013 | قراءة

عمي “الهاشمي”، رجل حزين، بعد سنتي العاشرة، بدأت تتضح أمامي حكاية انزوائه في غرفة سطح البيت، في ركن على يمينها كان يقضي حاجاته، تسمع له نحنحة تؤذن بمنع الصعود إليه، أتوقف وسط السلم بيدي طبق عشائه، ثم أستأنف بعد انتظار صرت أتقن حساب وقته.
أقتربُ من العتبة، لم أعد أفتعل تلك الكحّة المتقطعة إيذاناً بوصولي، قال لي في المرة الثانية:
صرتُ أعرفك من رائحة خطواتك.

ظلت أمِّي لآخر لحظةٍ في حياتها تكرهُ عمّي “الهاشمي”، يتوسَّلُ إليها أبي برحمة عزيز قوم ذُلّ، فترتفع عقيرتها أكثر، تتشكى من مرض ومن تعب ومن ضيق المكان، لا أظن أنها رأت من عمي “الهاشمي” ما يخدش حرمتها و هو في الستين، بالرغم من عنادها في رفض مُصالحته، لم تذكُرْهُ أمامنا بسوءٍ يُكَرِّهنا فيه.

دعاني عمي ” الهاشمي” للجلوس، على غير عادته، كنت على وشك سؤاله عن إصراره على
رفض الخروج إلى المدينة، لولا أني تذكرت فقدانه للبصر.
–    أين توقفنا أمس؟
( و في النهاية، وقعتُ على محضر بخط اليد، أمتنعُ بموجبهِ عن تدوين قصتي من الاعتقال إلى المنفى ).
أطرقَ برأسهِ وهو يتلفّظ حروفاً لم أستبِنْها، قبل استدراك الأمر بالكتابة:

حلّفوني على مصحف، و هم يعلمون ببطلان القسم و التصريح بالشرف والنذور، حين تكون عهوداً تحت الضغط والإكراه.
اُكتُبْ.
عَمّ سكونٌ أعقبَ صمتَهُ حتَّى ظننتُه لنْ يُمْلِيَ أكثر.
وددتُ الاعتذار عن مواصلة الكتابة، بدعوى حاجتي للنوم باكراً،
جال مبتسما بعينيه المطفأتين في مساحة سقف الغرفة،
ثم استلقى على ظهره دون تعقيب، أذكرُ أني قبّلْتُ يدَه اليُسرى قبيل الانسحاب.
الغرفة نفسها، سأحتلّها بعد رحيل عمي ” الهاشمي” حزينا،
وحدي أعرف بوجود كراسة غير مكتملة من فصول ذاكرته المفقودة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع