أخر تحديث : الثلاثاء 26 نوفمبر 2013 - 11:09 مساءً

” الهارب ”

أسماء التمالح | بتاريخ 26 نوفمبر, 2013 | قراءة

كلما مررت بذاك الطريق شعرت بالإضطراب وتملكني الرعب، لم تكن هذه المشاعر قادمة من فراغ بل من تراكم أحداث ووقائع فاجأتني كثيرا بمجرد المرور من الطريق المذكور أو بالوصول إلى أركانه.

ذاك الصباح، وبينما كنت أتجاذب أطراف الحديث في أريحية مع رفيقتي، داهمنا صوت خشن من الوراء يصرخ بكل ما أوتي من قوة:

– امسكوه .. امسكوه .. اقبضوا عليه ..

التفت ورفيقتي وقد كنا الوحيدات المارات بالمكان وبضعة مارين يسبقوننا بمترات، أصابنا الذعر نحن الثلاثة، لم نفهم ما يجري بالضبط، ننظر إلى بعضنا البعض بوجوه شاحبة مصفرة خائفة وعيون مندهشة،هناك قادم يجري كالسهم باتجاهنا، وآخر خلفه يركض حال وزنه الزائد وسمنته المفرطة دون اللحاق به:

– امسكوه .. امسكوه .. اقبضوا عليه ..

تباعدنا بعدما كنا نمشي في صف واحد، فزعات، مفسحات المجال للهارب، يشتد صراخ الرجل السمين أكثر طالبا القبض على الشاب الذي يجري، والذي حينما اقترب منا خلع نعليه وضاعف من سرعة الجري، وجدتني في غير وعي أرد على الرجل :

– من ذا الذي سيمسكه لك يا هذا ؟

أنحن البنات؟

هل أنا أو هذه أو تلك من سنمسك لك به ؟!؟

ينظر إلي الرجل مستحييا دون جواب، يتابع الجري خلف الهارب وصراخه يملأ المكان عسى أحدا من الناس يتدخل.

وأخيرا ..

وفي رأس الدرب الذي كنا نتوسطه أمسك أحد القادمين بالإتجاه المعاكس بالهارب الذي كان على مقربة منه، أمسك به بلطف وهدوء وطمأنينة وعاد به إلى الرجل السمين . التف الإثنان حول الهارب واحد عن اليمين والآخر عن الشمال والهارب يتوسطهما، والثلاثة عائدون وجها لوجه معنا، سمعت الرجل السمين يهمس للهارب:

– إلى أين كنت ذاهبا يا صديقي ؟؟ ومم أنت خائف؟؟

أهناك من يفر من العلاج ويرفض أن يصح ويغدو سليما معافى عاديا مثل بقية الناس ؟؟

تأكدت ساعتها أن الهارب مريض نفسيا فر من المستشفى وذاك الذي كان يلاحقه رجل أمن بمستشفى الأمراض النفسية التي كنا نسلك الطريق المحاذي لها، تضاعف خوفي وطلبت من رفيقتي البحث عن مكان نحتمي به ونختفي فيه تحسبا لأي ردة فعل من المريض الذي يبدو هادئا وسط مرافقيه، لكن هدوءه غير مضمون مادام فر من المستشفى في لحظة غفلة من الحراس، ومادام هو في وضع غير طبيعي ونفسيته غير مستقرة، لم أعد قادرة على النظر في وجه المريض مخافة تلقي لكمة غادرة أو لفظ قبيح، أما الرجل السمين فكان ينظر إلي وهو يبتسم وقد قرأ معالم الخوف الشديد على ملامح وجهي.

سيدة قادمة لم أعرف من أين خرجت تسألني :

سارق .. إنه لص أليس كذلك ؟؟

نظرت إليها متعجبة :

سارق؟!!؟

سارق ماذا أنت الأخرى؟؟ أكل من يهرول أو يهرب هو لص وسارق ؟؟ الرجل مريض وكان هاربا من المستشفى .

تستدرك المرأة:

– مسكين … مريض !! لاحول ولا قوة إلا بالله .

وما سبب مرضه ؟

لم أهتم لسؤال المرأة وابتعدت عنها لأنني لم أكن في موقف يعطي شروحات وتفاسير أصلا أنا على جهل بها، قلت لرفيقتي:

– يبدو أن اللصوص نجحوا في فرض حالات الفوبيا بين الناس، لدرجة أن كل من يجري أو يهرول مسرعا في مكان يخيل إلى ناظريه أنه سارق ولص.

نصف ساعة مرت على الواقعة وفكري لا يستوعب ما جرى، أما جسمي فكان يرتعد حتى أنه كلما مر طيف بشر بجانبي خلت الهارب عاد .

قهقهات رفيقتي لم تتوقف رغم أنهن لم يكن في وضع أخف مما كنت عليه بكثير، أضحك أنا الأخرى من الموقف الذي باغتنا وقد بدأت أسترجع بعضا من قوتي وسكينتي وأقول لهما ساخرة:

– بما أنكما بطلتان وشجاعتان وقويتان لماذا لم تمسكا بالهارب وقد جف حلق الرجل من الصراخ وطلب الإغاثة؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع