أخر تحديث : السبت 7 ديسمبر 2013 - 12:21 صباحًا

ورطة

عبد الرزاق اسطيطو | بتاريخ 7 ديسمبر, 2013 | قراءة

كان الوقت مساء ، وللبحر سحروطعم خاص أيام الشتاء، كان لا يكفيني التمتع بمنظره الجميل وهو يشاكش بموجه الأمطار، ويزيد الجو بذلك دفئا وبهاء ، كانت مقهى “الريو” المطلة بشرفاتها ونوافذهاعلى البحر لا تخلو عند نشرة الأخبارمن الزبائن ، الكل يتسمر قبالة التلفاز لرؤية حسناء قناة الجزيرة، وأحيانا كانت هذه الأخيرة من الخجل يختلط عليها الحابل بالنابل ، فتخلط بين الرئيس باراك والمخلوع مبارك، وكيف لا يقع معها ذلك ، وكل عيون القرصان ترصدها، فالأخبار لا تكون خطيرة وذات أهمية إلا بوجودها، وحين تغيب تصبح لا تعنيهم أخبار العالم يسرقواأو ، يقتلوا.. تصنع إيران النووي أو لا تصنعه، تتحالف مع أمريكا أو مع الروس أو مع الشيطان الأمر لا يعنيهم … هم عندهم الحسناء تنسيهم ولو لبرهة من الوقت همهم وصور نسائهم، وبمجرد ما أن تنهي نشرتها ينتتقمون من قناة الجزيرة شر انتقام، ويطلبون من النادل تغيير القناة ، بقناة العربية بحثا عن مذيعة جميلة أخرى، وحين تغيب الحسناوات نهائيا عن الشاشة يطلبون من النادل من جديد ، إعادة المقابلة التي خاضتها البرشلونة البارحة ، وهم يقولون له بصوت عال” الساسة كلهم أولاد.. يتقاتلون على الكراسي كالثيران ، يضيف زبون آخر من ركن منزو بالمقهى” العرب اللي حاكمين همهم مصالحهم ومصالح الميريكان ، والروس، والصين ،لا يأتي منهم غير الفقروالفوضى والحروب ووجع الرأس ” يرد عليهم النادل كعادته” قلت لكم لنتفرج على مقابلة البارحة ،البارصا تنسيك الهم والغم” يعرفون عن حياة لاعبي البرشلونة أكثر مما يعرفون عن حياة أبنائهم . البحرعندي أجمل من حسناوات الجزيرة والعربية ، ومن الكرة ومن العالم بأسره ، يشكي لي همه وأشكي له همي، بالحدس كصوفيين نقرأعبارات بعضنا البعض، إشراق خفي بيني وبينه لا ينتهي ، زرقته حجبي التي تصعد بي مدارج التوحد ، هو يعرف ذلك لذلك وكلما رآني يبسط موجه تحت قدمي برقة وحب ، لكن هذه المرة بتنا ثلاثة على غير العادة ، عند المساء بعدما توقف المطر عن الهطول ، خرجت كعادتي لأتمشى على الكورنيش حيث يغيب الزوار والسياح عن هذا المكان في هذا الفصل الممطروالبارد، كنت قد ابتعدت مسافة عن المقهى، والمارين، وأضواء بعض السيارات وقد بدأت ظلمة الليل تعم المكان وآذان المغرب من بعيد يملأ القلب فيضا روحانيا، لم أعرها في البداية أي اهتمام، على غير ما ألفته كانت منزوية في ركن على كرسي طويل مغطى، مخصص للعابرين ولراكبي الحافلات. لولا نحيبها الذي قلب علي المواجع لما انتبهت لها، أينما وليت الوجهة وجدت الهم كظل يسبقني، إلا دموع المرأة والأطفال قلت” تذبحني”، مرة وأنا مار من درب ضيق وجدت رجلا يعنف زوجته من غير أن أعرف السبب مررت بالقرب منهم ، حاولت أن أغمض عيني وأذني .. لكن طبعي السيء أعادني إليهم صفعت الرجل وركلته بقوة حتى أسقطته أرضا، وقبل أن أصير فوقه نشبت زوجته أظافرها في عنقي وهي تصرخ من خلفي وتعنفني قلت لها بانفعال شديد” أدافع عنك””صرخت في وجهي قائلة” زوجي وليصنع بي مايشاءوأنت ما دخلك في الموضوع”.تركتني طوال اليوم جالسا قبالة البحر أعيد ماحدث وأضحك وأنا أقول ومن شر البلية ما يضحك ، خفت أن أسأل التي تبكي بجواري فقد تشبه سابقتها وتكون من سلالتها وتسب أجدادي، مازالت تبكي يالله، ما العمل؟ اقتربت منها “ماالذي يبكيك سيدتي” من غير أن ترفع وجهها استمرت في البكاء بدا بطنها منتفخا كأي حامل في شهرها التاسع” منه لله “قالت وهي تنتحب ،قلت لها “ومن هذا الذي منه لله” قلت ،قالت “الكافر بالله” ومن الكافر بالله” قلت، رفعت رأسها قليلا، من وجهها تبين لي صغر سنها وجمالها الفاتن وهي ترد علي ” دعني لوحدي أرجوك لم يبق لي غير قتله وقتل نفسي” “ومن الذي سوف تقتلين الذي في بطنك ” ليس هو المسؤول من ورطني هو الذي سأسوي به التراب”وأردفت” بحث عنه في كل مكان كجني فجأة اختفى ، لم أترك قرية ولا مدينة إلا وبحث عنه فيها.. منه لله الحقير.. التافه.. الوغد” وعادت للبكاء من جديد حاولت أن أهدئ من روعها مخافة أن ترتكب جريمة في حق نفسها، قلت لها بأن الله حرم قتل النفس ، وسردت عليها كل مأعرفه عن الرحمة والفرج واللطف الإلهي، المرأة مازالت تندب حظها وتبكي، وضعت يدي على كتفها مهدءا ، مردفا”كل شيء إن شاء الله راح ينصلح ، احكي لي القصة وإن شاء الله أعمل على مساعدتك”، اقتربت منها أكثر وجلست بالقرب منها علني أفهم الحكاية. مالت برأسها على صدري ودخلت في نوبة بكاء شديدة ، اللحظة التي وضعت يدي على ظهرها لأهدئ من روعها ، هي اللحظة التي أحاطت بي عناصر الشرطة بالزي المدني هكذا قلت للقاضي وهو يطلب مني سرد ما حصل ، أخذونا كمجرمين وأدخلونا بعنف إلى سيارتهم البيضاء، مصحوبين بألوان من السباب بعد أن صمتوا قلت للشرطي”الأمر ليس كما تظن ” الضابط يرد بدل الشرطي” وقعت والله ” كان يرددها بفرح طفولي، ذكرني حين كان يقع طائرالدوري في مصيدتي على سطح البيت وأنا طفل ، وها أناذا أكبرلأصير للمخزن طائرا دوريا يصطادوني كيف يشاء،..وسرحت كعادتي ” أنزلونا مع بعض السكارى من السيارة وأدخلونا حجرة ضيقة، مظلمة وعفنة ، صمت رهيب يخيم على المكان لا يكسره إلا وقع أحذية الشرطة أحيانا، قلت للمرأة الغريبة “لا تخافي، سأشرح لهم الموقف، وسيتفهمون الأمر ” بعد نصف ساعة عادوا وأدخلونا لغرفة أخرى كان الضابط جالسا يدخن ، ويضرب بقلمه على المكتب، طلب من الشرطي قهوة سوداء وهو يسب اليوم الذي رآني فيه ، الضابط حاقدعلي منذ البداية لذلك يتعمد أن ينفث دخانه في وجهي ، في أي مظاهرة يراني كان ولا بدأن يصطدم بي ، وأحيانا كثيرة يدفعني ويسب أمي وأصلي وفصلي ، ومرة غبت عن وقفة احتجاجية بسبب مرض ألم بي ، بسرعة البرق أرسل مخبريه ليستفسروا عن الأمر، ربما أكون قد عدت لرشدي قال ، لما علم بأن السبب غير الذي في باله قال الأيام بيننا، وهل كنت تابع للقاعدة من حيث لا أدري حتى يحقد علي بهذا الشكل وحتى القواعد أكرهها، فهي مرتبطة بالنحو في ذاكرتي والنحو مرتبط بيوم الخميس الذي هو عند معلمي وأنا تلميذ في الصف الخامس مرتبط بالعصا ..كان يأمر عفاريت القسم لكي يرفعوني إلى السماء ، وفي السماء رزقكم كان يرددها وهو يضرب مؤخرتنا بعود الشفرجل ولا يستثني أحدا منا، مما أجبر التلميذات على الإنتقال إلى فصل آخرأو مدرسة أخرى أوكرهن المدرسة نهائيا ، وبعدها مباشرة تزوجن ، وكنا ومازلنا نرتعب منه كلما صادفناه، من هنا جاء كرهي للقاعدة.. لزمت الصمت وتوقفت عن الشرود والحديث مع نفسي فقد يوجدون تحت لساني ويقبضون علي بتهمة تحريض نفسي ضدهم أولاد.. كيف لم أنتبه ، قد تكون المرأة طعم اصطادوني به ، مرت حكاية اغتيال عالم الذرة العراقي بسرعة البرق في ذهني لكني ، لا أملك لا علم ذرة ولا كيماوي ولاهم يحزنون ، أنا فقط أعرف شيء واحد المطالبة بحقوقي وحقوق الآخرين ، وأخط ذلك على البياض وعلى الجدران وعلى الأرض وفي الكتب وعلى المواقع التي تشبهني ، فهل حقا ترعبهم كلماتي إلى هذا الحد ، من قتلت هذه الكلمات؟ كم قتلت ؟ هكذا كنت أقول لهم كلما قبضوا علي بتهمة الشغب والتحريض ووو، أعادني صوت الضابط من شرودي وهو يرحب بي ساخرا” أهلا بالرجل المناضل أهلا بالحقوقي ،أخلاق قال الله ،الله على النضال والأخلاق” وقلت لنفسي “لا حول ولا قوة إلا بالله هو المصايب كالمنحوس لاتفارقني ” فتح دفترالمحاضر وبجانبه وضع ملفاأسود اللون، مكتوب عليه اسمي ونسبي بالبند العريض قائلا” لا داعي لذكر اسمك وفصلك ملفك الضخم عندنا هنا وأشار إليه، بانفعال أجبته” وهل وجدتنا في ماخور عاريين رد بعصبية “كان ينقصكم فقط ذلك ، أنا بأم عيني التي ستأكلها الدود رأيتكما تتبادلاني القبل”” أي قبل ياهذا قلت وأضفت بانفعال لا يوصف” تركتم الفساد ينتشركالمرض الخبيث في كل مكان ، ومشيتم خلفي، أينما وجدت وجدتم، في الجامع في الشارع في المقهى تحت سريري، في المظاهرات في الندوات ،أو لم يكفيكم تعطيلي وقتلي حيا” يرد وهو يفرك أصابع يديه “الله الله أذكياء، لغويون،تشبهون، بعضكم.. أكذب عيني والشهود وأصدقك أنت” وأين هم هؤلاء الشهود” قلت ،فأجاب” هم في الخارج سيأتي دورهم” لم يكن في المكان أحد “إذن أنت طبخت التهمة جيدا وتريد أن تلصقها بي ” أي مصيبة هذه قلت لنفسي وأردفت “إذا كنت لا تصدقني فاسألها إن كنت كاذبا” وقبل أن يسألها الضابط نهضت” بنت الحرام “واقفة وهي تشير إلي بأصبعها قائلة “هذا هوالذي ضحك علي وعدني بالزواج وأخلف وعده ، أنظر أيها الضابط إلى بطني، منك لله..منك لله ..الله يا …” تركتني فارغ الفاه ، كما لو أنك صببت علي ماء باردا صبا، الضابط مردفا”هكذا يفعلون يظنون بنات الناس لعبة، يفشون الرذيلة في المتجمع ، حقوقي يقول الله، الله ،مناضل، مثقف ، شاعرثوري، عشنا وشفنا..”لك حلان لدرء الفضيحة عنك وأنت تعرف عند الصباح سيكون الخبر انتشر كنارشبت في تبن، الصحف ستكتب بخط عريض على صفحاتها الأولى، الشاعر والكاتب والناشط الحقوقي فلان الفلاني ..يقبض عليه بتهمة الزنا.. “وربما ومع نفسي قلت ولابد وأن تضيف صحافتهم الرخيصة تهما أخرى تجارة المخدرات دعم الإرهاب وبيع الخمور بالجملة والتقسيط ،غسل الأموال وتبييضها وتهريبهاإلى بنوك سويسرا ، فتح مواخير لدعارة القاصرين ووو ، إذا جمعنا وطرحنا عدد سنوات حبس كل تهمة .. سنصل إلى نتيجة مفادهاالحكم علي بالإعدام أو المؤبد ، مكر النساء قلت منك لله قلت لها ، “أهذا جزائي..؟” قلت للضابط” وما الحل الذي لا ثالث له “أجاب” وهو ينفث دخان سيجارته في وجهي ويبتسم بخبث الثعالب” الأول عقد قرانك عليها” ولزم صمت،عاد للتدخين وهو يتفرسني ليرى رد فعلي ، نظرت إلى المرأة الماكرة عسى أن تراجع نفسها فوجدتها مصممة على ماتقول، ولا حس ولا أثر لدمعة واحدة على خدها، عيون مفتحة كعيون المخزن، قلت له وما العمل الآن “قال لنبارك ونهنئ إذن” هل كان بينهما اتفاق مسبق؟ هل هو الذي جنى عليها أم أنا الذي جنيت على نفسي وما جنى علي أحد كما قال الشاعر ؟ قطع صوت الضابط علي حبل التفكيرمردفا، “الذي أعرفه أن المولود سيقول في المستقبل بابا لمن سيربيه وليس لمن زرعه في أرض أمه “ازداد شكي فيهما، الموضوع مدروس بعناية فائقة ومخطط له مسبقا، هربت من وجع الوقت للبحر فسبقتني المصايب كلها إلى هناك ، أي لعنة هاته ماذا اقترفت ياربي لكي أعاقب بهذا الشكل، ماذا سأقول للعالم وللصحافة وللناس، خاصة الذين لا يحبنني أشباه الشعراء والمبدعين والمناضلين ، سيقولون ضحك على البنت ، وزوجها له المخزن رغما عنه ، من جديد يعيدني صوت الضابط إلى أرض الواقع ، ماذا قلت أسي الأستاذ المحترم، بسخرية يضيف نفرق إذن المشروبات ونبارك، بنبرة واضحة قلت له” السجن أرحم عندي والسجن للرجال “، طار من مكانه كنسر وهجم علي كما لو أنني قتلت له أمه ، ضربني مع الجدار عضني ككلب سب أهلي وفصلي بكلمات نابية ول.. ول.. الكلمة التي قلت له جننته ،جعلته يخرج كما تقول أمي عن طوعه وتظهره على حقيقته ، ككرة بت بين رجليه أقف لأسقط ، فقد خسرالرجل المعركة ، كل مارسمه وخطط له باء بالفشل ، أمابنت الحرام فقد شرعت في نوبة بكاء شديدة أعادتها لحالتها الأولى، لن يمثل علي أحد مرة أخرى قلت لنفسي، كيد النساء ومن يقدر عليه. وهو يقيد معصمي قلت له بتحد” ماسيقوله العالم
في الصباح وفي المستقبل لا يعنيني” في المحكمة وأنا أسرد على القاضي الحكاية كما سردتها عليكم الآن، والخبركان قد انتشر كالهشيم مما جعل قاعة المحكمة ومحيطها بما فيها الشوارع الخلفية غاصة بالحضور، حتى المعتوهين والمتسولين اندسوا بين الحاضرين يضربون عصفورين بحجر يتسولون الناس ويتابعوا قصتي للنهاية ، القاضي وهو يخاطبني” وهل لديك شهود على ماتقول ، أجيبه لا سيدي القاضي “وأضيف “الشاهد هو الله “كل ماقلته دون الضابط عكسه ، يقول القاضي لي “اعترفت عند الشرطة بأنك اغتصبتها مما نتج عنه حمل ” أرد بانفعال “القصة كلها مفبركة “أشاح القاضي بوجهه عني وعاد للماكرة مخاطبا ” وأنت ماذا تقولين “المرأة أذكى من الشيطان نفسه تقول أمي لعمتي وهي تحكي عن ألاعيب جارتنا رقية” المرأة الحامل ذكية أكثر مما تصورت ضربت أخماس في أسداس ،وقد تأكدت بنفسها بأنني متشبت ببراءتي، ولا أخشى السجن ،وبالتالي ستخسر كل شيء، والفرصة مواتية الآن لتقتص لشرفها والخطة فشلت، وضعوا الطعم ليصطادوا أيا كان لكي يفلث الجاني الحقيقي بجلده، وكما تقول أمي دائما أقع وأصير أنا الضحية ” ابني بينجر مع الرجلين، أنا عجناه وخبزاه ، هكذا تقول أمي عني للناس ” القاضي يكسر سكون المحكمة بمطرقته الخشبية سكوت، سكوت.. الحاضرون كأن على رؤوسهم الطير لا حس ولا حركة، فقد شعروا بخطورة ما ستدلي به المرأة للقاضي ، الضابط يرتعش من الخوف وهو جالس بين الحضور في الصفوف الأمامية، يتحول نظرها مني إليه، بحقد عارم والشرر يتطاير من عينيها ، وبصوت عال أدهش الجميع ، أشارت إلى الضابط ” هذا سيدي القاضي هوأب الجنين الذي في بطني ، الظلم ما بيرضي ربنا ، لعنة الله على الظالم لعنة الله عليك إلى يوم الدين ، منك لله ضيعتني ربنا ينتقم منك وشرعت في البكاء من جديد.. كما رأيتها أول مرة، في الحال أطلقوا سراحي وحكموا على الضابط بالسجن والغرامة، تحت وابل من السباب الذي لم يتوقف من المرأة والحضور.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع