أخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2013 - 11:05 صباحًا

سيف داموقليس

نجيب كعواشي | بتاريخ 11 ديسمبر, 2013 | قراءة

نوجد حتما في أمكنة ما.. أحيانا بإرادتنا، وأحيانا كثيرة رغم أنف إرادتنا.
أنا هنا بدون إرادتي. وظيفتي لا علاقة لها بمؤهلي. كيف دفنت سنوات التحصيل والدراسة لأزاول وظيفة لا ترضي غروري ولا تعبر عن طموحاتي؟ اجتزت عشرات المباريات، وراسلت أضعاف هذا العدد من الإدارات. المهم هو الشغل لأطرد البطالة واليأس اللذان عششا في طريقي، وامتصا رحيق شبابي..
جاء أخي إلى غرفتي، وقال لي:
– خمن بما أتيتك..!
قلت له:
– لا رغبة في سماع الألغاز، ولا مزاج لي لحلها أو حتى سماعها. يكفيني لغز حياتي.
ناولني فورا إعلانا عن مباراة.
جل المباريات التي اجتزتها لم تكن علاقة لها بدراستي. خضتها مع آلاف العاطلين الهاربين من جحيم البطالة التي أطفأت في وجداننا الأمل، وكبلتنا باليأس.. وفي كل مرة كان يطرق فيها ساعي البريد بابي تكون من أجل أن يعيد إلي المظروف الثقيل الذي يحتوي على ملف الترشيح.. لهذه المباراة أو تلك..
اجتزت هذه المباراة من قبل، وأتذكر جيدا كل الوثائق اللازمة لتكوين ملف الترشيح. هذه السنة أضافوا وثيقة جديدة: السجل العدلي. لم تكن إلزامية في السابق. بعد الزوال توجهت إلى المحكمة. قالت لي الموظفة علي أن أستخرجها من المحكمة التي يدخل مسقط رأسي ضمن ترابها الإداري.. ولكن أنا مزداد في مدينة بعيدة جنوب المغرب. لو ذهبت إلى هناك واستخرجتها سوف يلزمني، على الأقل، يومان. وعندها سيكون أجل إيداع الملف قد انقضى.. ثلاثة أيام.. أجل مسلط على رقبتي. أيام ثلاثة هي كل ما أتوفر عليها كمهلة.. عبث في عبث. عبث ما بعده عبث أن تكون حظوظك رهينة ورقة، وخلو ملفك منها يحرمك، بشكل سخيف، من فرصتك.
من هذا العبقري الذي أتى بهذا الاختراع، وفكر بإضافة هذه الورقة اللعينة؟
ماذا يقصد من إضافتها؟
للحد من جحافل المتبارين؟
لحرماني من حقي في الترشيح؟
لا يمكن أن يكون إلا هذا.. وإلا..
فما معنى هذا؟
هل يستفزني؟
يستفزني إذن.. لا يريدني أن أتقدم إلى هذه المباراة.
لماذا هذا الاضطهاد..؟
في سورة غضب مزقت كل الوثائق.
قال لي أبي:
– لا تيأس يا ابني. إن مدبرها حكيم.
أجبته على الفور:
– وهل من الحكمة يا أبي أن نطل على الهاوية، ونوشك أن نهوي فيها حتى يأتي الفرج في النهاية؟
تمزقت روحي، وأقسمت، وأنا أغرق في اليأس، ألا أخوض مباراة بعد الآن. غادرت البيت، ولم أعد إلا في جوف الليل. وجدت أبي ينتظرني..
– العناية الإلهية عملت عملها.
لم أسأله كيف لكنه تابع:
– التقيت بأحد أبناء أصدقائي القدامى، في مسقط رأسك، عين بإدارة البريد. حدثته عن مشكلتك، وأعطيته بياناتك، وهاتف أباه فاستصدر الوثيقة في الحال..
وأردف:
– سيبعثها بالبريد المستعجل.
في صباح اليوم الثاني استخرجت، من جديد، الوثائق التي مزقتها. وصلت الوثيقة بعد يومين، وسافرت إلى العاصمة لأودع الملف. وجدت طابورا لا حد له يحاصر بوابة الوزارة، وتراءى لي شبح الانتظار المرير تحت شمس يوليوز الحارقة.
هل انتظر الكل حتى آخر يوم لتقديم الملف؟
ألمزيد من الاطمئنان على تتميم ما ينقص من وثائق، وحرصا على تفادي المفاجآت والتسرع؟
ربما..
أيمكن أن يكون بعضهم قد مر بما مررت به؟
ممكن..
توافد مئات المرشحين على الطابور. بدأت البوابة الكبيرة تلتهم الحشود المتكاثرة.. بدت لي أشبه بفم غول خرافي جائع.. التهمني والتهم الطابور.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع