أخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2013 - 11:21 صباحًا

“فياغرا”

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 11 ديسمبر, 2013 | قراءة

توطئة: أتقدم نحو الطابوهات كي أطيب بخاطرها من خلال روايتي “حبة فياغرا”.
تحذير: تقرأ بعيدا عن الصغار.
أعلمني قلمي بألا أدعوه لمضاجعة أوراقي المحضيات، حتى تكون له شهوة جامحة لا تقاوم، وغصة للشبق لا تساوم، أو تحضره رغبة لركوب أوراقه المتعطشات لمرق مداده اللزج، الذي ينساب على طول امتداد السرد.
هو ذا قلمي يبصبص لأناملي كي تداعبه لينتصب، “مرفوع القامة يمشي، مرفوع الهامة يمشي”، على الأسطر يُشكِّلُ الأحرفَ، يفرشها مجلسا لملكات الإبداع، الواقفات خلف الباب وقد تزين بالدمقس وتعطرن بعطر يوقظ بقوة الرغبة في…الحكايـــــــا.
في الظفولة، خجولا كنت أطل كما أرادت لي ذلك التربية التي تلقيتها: إذ لم تكن تسمح لي بممارسة حماقاتي، أو كشف أسرار عالمي الصغيرٍ” عيب، حرام…”. فكنت أحتفظ بها لنفسي أمارسها في خلوتي كما مارسها الكبار لما كانوا صغارا، لكنهم لما كبروا شرعنوها وأطلقوا عليها كلمة “حميمية”، تفاديا لأي إحراج قد يقع للسامع أو للحاكي على السواء، ليحتفظ كل واحد بحميميته لنفسه، يسجنها وراء قضبان قفصه الصدري إلى أن يوارى الثرى، حينها ستنتابه قشعريرة الشفافية ، ولن يستطيع الاحتفاظ بها طويلا في سره ، أمام سؤال القبر، ولن يجد بدا من البوح بكل مس او خدش ارتكبه في حق الطابوهات وبالتفاصيل المملة.
ها هو ذا يتقدم نحو الأوراق السافرة على سرير المكتب، يطبع قبل التحية و يبتدئ الوصال..

الوصل الأول

وحدي أنا كنت أنسج قصصا عشتها وأخرى لم أعشها، أسردها على أصدقائي وقت السحر، على ناصية “رأس الدرب” المطل على جميع منافذ الحي الذي كنت أسكنه، وقد تحلقوا حولي يفترشون الثرى، وأعينهم شاخصة نحوي تستجديني قصة أو نصف قصة، يسدون بها رمق مخيلاتهمم الجائعة، خصوصا عند خروجي من السينما، وبجعبتي قصة الفيلم الذي أحفظ أحداثه عن ظهر عين.
بمهارة عالية أتقنت فن الإلقاء والسرد: أعرف أنى أبدأ، متى أرفع صوتي أو أخفضه، ومتى أتوقف عن الحكي، معلقا بقية الأحداث لروايتها في الحلقة القادمة إن شاء الله….
ملكا كنت بين أقراني:أوامري مطاعة بلا نقاش، رغباتي مجابة بلا قيد أو شرط، وإلا فلن أكون “شهرزاد هم” الليلة وتضيع عنهم الحكايا. كيف لا يرضخون لأحكامي ونزواتي اللا متناهية ؟ وبيوتنا جميعا ليس فيها تلفاز، أو أية وسيلة للتسلية، بل كيف لا يبايعونني أمير السرد بامتياز ؟وأنا الراكب على صهوة جواد الحكي، والماسك بناصيته في الحي كله:
– هذه الليلة لي، سأحكي لكم قصة لم يتعرض لها أي فيلم من الأفلام السينمائية.
هكذا كنت أخطب في وجوههم شاهرا سردي، راكبا خيالي، متحديا قصص الأفلام الأمريكية والهندية جميعها، فيقترب مني أحد الأصدقاء، يضرب الأرض بقدميه دقات متتابعة،كما لو جاء يتدلل لأبيه كي يشتري له لعبة سلبت لبه:
– احكيها من فضلك ولا تدع منها بقية.
كان الشوق لمعرفة نهايات قصصي يسرق النوم من جفونهم . ذات مرة قال لي أحدهم وقد انقلب على قفاه ضاحكا:
– والله لقد حلمت أنك تكمل حكاية الأمس إلى نهايتها، لكني عندما استيقظت لم أتذكر أي شيء، وكأن الحلم كان للمشاهدة لا للتحميل.
لما كنت صغيرا مارست فن الرواية، ولم أكن بحاجة لكتابتها على الورق، مادمنا – أنا وأصدقائي – قادرين على حفظها في مكتبة مخيلاتنا الواسعة، كما كنت أتقن أساليب السرد بدءا بالمقدمات، مرورا بالأحداث وعقدها، وصولا للخواتم السارة منها والمحزنة، ولم يكن بيننا ناقد إذ ليس له ما ينقده، فأذهاننا لم تكن آنذاك محشوة بثقافة النخبة ( الأنتلجينسيا ) أو بالإيديولوجيات والانتماءات العرقية وغيرها، الشيء الذي جعل حكايانا صادقة، تتنقل من فم السارد إلى قلب المسرود عليه بلا استئذان أو حاجة لجواز المرور.
للراشدين بيعت طفولتي بثمن بخس: لأنها قصيرة المدة ومدة صلاحيتها قصيرة، لا تطعم جوع الراشدين الذين مورس عليهم نفس السلوك لما كانوا صغارا: فما أن يبدأ الطفل في فك وفهم رموز اللغة، حتى يجد بيديه أكياس البلاستيك أو علب السجائر و غيرها يبيعها على قارعة الطريق، أو يعرض بعض الأدوات على موائد المقاهي، يؤدي واجبه كما يفعل الراشدون، لا فرق بينه وبينهم سوى شواربهم الطويلة، التي يستعرضونها أمام زوجاتهم اللائي لا يملكن مثلها على وجوههن.
ذاك كان حالي: بعد موت أمي وزواج أبي من امرأة، اقتصدت عليه حتى قوتي وملبسي لما زجت بي في ورش لإصلاح السيارات، فقض قميصي من قبل ومن دبر لتكرار جدبه من قبل معلمي، بعد الصفع على القفا وعلى الخد، تعويضا للنقص الذي كان يحسه اتجاه المجتمع الذي لن يرأسه مطلقا.
أساعد على إصلاح السيارات، وأحضر طلبات بيت ( المعلم ) التي لا تنتهي. لم أهتم كثيرا بالمعلومات التي كانت تقع على قفاي قبل أذني حول الميكانيكا، بقدر ما كانت تهمني “حورية” بنت “المعلم علي” وأهمها أنا أيضا، كانت تفاحة وقد نضجت، على سطح العشق كانت تطل على الحي، تنتظر قدومي وبيدي متطلبات البيت، التي كانت “حورية” تلك المارقة تتفنن في الإلحاح على احضارها: فلكم أفرغتْ أكياس الملح على جنبات البيت، مؤكدة للجميع أنها تجلب الحظ وتقي من العين الحاسدة.
بالفعل لقد جلبت أكياس الملح هاته حظها من المتعة معي، وقد توارينا عن الأنظار خلف برميل الماء نروي عطشنا، كما أن هذه الأكياس العجيبة حجبت عنا العيون الحساد أثناء…
عجيب أمر الملح هذا، وعجيب أيضا اكتشاف “حورية” تلك الداهية لقدرة هذه المادة البيضاء على جلب الحبيب وأكل الزبيب، أمر غريب ألا تُذكرَ منافعها لا في” الروض العاطر ونزهة الخاطر”ولا في الكتب الصفراء أو البيضاء التي اهتمت بهذه” المادة الوقائية.
أصبحت ماهرا في الميكانيكا بشتى أنواعها:أعرف كيف أصلح جميع أعطاب السيارات، وكيف أفك جميع أجزاء ملابس “حورية”، وأعيد تركيبها من جديد على جسدها، وقد مددتها على سريرها أو حتى على مائدة الأكل، فكانت تبدو كطبق شهي يغري بتناوله على مهل، ولطالما تماهيت مع نهمي فعضضتها من…، كنا نلتقي كلما أغمض المكان عينه أو تظاهر بذلك، ليتيح لنا فرصة للتمادي في توحدنا، كما يفعل القلم مع الورق وقت الكتابة.
– كن لي كما الغيث إذا جاء يرويني…
تقولها لي كلما وصلت إلى سمائها السابعة، وكنت وابلا من الأمطار أجرفها إلى ودياني، فتمسك بتلابيب العشق، تجذبه إليها مرة، وأجذبه إلي أخرى، وكأنه قربة لبن نمخضه إلى أن يطفو زبده المتخثر، وعلى ظهرانا نستلقي وقد خرج كل ما فينا من ماء، ويبقى لبن آخر يحتاج للمخض نتركه للوصال القادم.

*”وصل” من روايتي “فياغرا”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع