أخر تحديث : السبت 14 ديسمبر 2013 - 12:24 صباحًا

طرائف .. من الكتاب إلى المدرسة

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 14 ديسمبر, 2013 | قراءة

التحق الطفل محمد الموذن بالمسيد بالقوة والفعل، ذلك أن أبي الفقيه محمد الموذن كان مدررا بالكتاب، يعلم الأطفال الكتابة والقراءة وحفظ القرآن، ويلقن ” المحاضرة” الكبار المتن الفقهية، وبعض العلوم الشرعية، فبعد حفظه القرآن بمدشر احميمون انتقل إلى مدينة فاس ليتابع دراسته بجامع القرويين، وبعد قضائه هناك زمنا غير قصير في النهل من علوم اللغة والشريعة والقرآن عاد إلى مدينة القصر الكبير ليشتغل إماما راتبا، وخطيبا للجمعة، ومدررا في الكتاتيب القرآنية بمدينة القصر الكبير، وبمحيطها القروي، على سبيل المثال بمدشر المعلم، وبمدشر مليانة، وأولاد وشيح، وأولاد حميد، وبحي بلعباس، وبحي دار الدخان بالمدينة، فكان من الطبيعي أن يتلقى ابنه التعليم الأولي على يد أبيه بمسيد حي بلعباس، ثم على يد الفقيه محمد التطاوني بمسجد للا عائشة القجيرية، ثم في حضرة الفقيه محمد الجباري بمسجد للا عائشة الخضراء.

في صبيحة أحد الأيام رافقت بعض أصدقاء الطفولة إلى مدرسة سيدي بواحمد ، حيث يدرسون، كان قد استهواني مظهرهم الخارجي وهم يحملون محافظ من جلد أو خشب، ويكتبون بالريشة أو القلم في دفاتر من ورق، أما نحن في الكتاب فكنا نكتب بقلم من قصب على لوح من خشب، كانوا يجلسون على كراسي ومقاعد، وكنا نحن المحاضرة نجلس على الأرض، ونفترش الحصير، لا أدري سبب انجذابي إلى فضاء المدرسة، المهم أنني قضيت وقتا جميلا في اللعب واللهو صحبة أترابي، غير أنه سرعان ما أعلن رنين الجرس عن انتهاء وقت اللعب ليبدأ وقت الدراسة والجد، فتسابق التلاميذ بخفة ونشاط إلى أماكن مخصصة لتنظيم الصفوف، وبسرعة فا ئقة شكل التلاميذصفوفا منتظمة، وأمام كل صف يقف أستاذ أنيق، يرتدي بذلة عصرية، أما أنا فقد بقيت بدون بوصلة توجهني إلى أحد تلك الصفوف، بنظام وانضباط التحق الجميع بفصول الدراسة، وبقيت وحيدا بفناء المدرسة، سألني الحارس “باالهادي”: لماذا تقف هكذا؟ التحق بقسمك، فأخبرته أنني لا أدرس هنا، وأريد أن تسجلني، فقادني إلى مكتب المدير الأستاذ الطيب اشفيرة، وقال له: إن هذا الطفل يريد أن يسجل اسمه في المدرسة، فسألني المدير عدة أسئلة، بقي عالقا منها في أهداب الذاكرة: أين أبوك؟ هل سبق لك أن قرأت في مدرسة أخرى، أو في المسيد؟، لماذا لم يرافقك أبوك…؟، أحضر أباك إذا أردت أن تدرس عندنا، فقلت له: إن أبي فقيه لا يريدني أن أدرس في المدرسة، ثم طلبت منه بإلحاح أن يسجلني بصفة مؤقتة على أن أحضر أبي مساء اليوم أو غدا، يبدوا أن السيد المدير كان قد اقتنع بكلامي، أو رق لحالي، أو أعجب بجرأتي، فسجلني بقلم رصاص، وفي المساء طلبت من أبي أن يزور بمعيتي مدرسة سيدي بواحمد استجابة لدعوة مديرها، ورغم أن أبي لم يقتنع بما قلت، ولم يجد مبررا لهذه الدعوة رافقني إلى المدرسة إرضاء لي، لأنه كان رحمه الله لا يرفض لأبنائه طلبا.

استقبلنا المدير بمكتبه، وأخبر أبي برغبتي في الدراسة، وتسجيلي في هذه المدرسة، فهل توافقه على ذلك؟، رفض أبي الفكرة جملة وتفصيلا بحجة أن المدرسة العصرية تعمل من أجل تنصير أبناء المغاربة، ليظلوا أوفياء للاستعمار، لم يعلق السيد المدير على كلام أبي الفقيه، وبحكمة بليغة كان الجواب كالتالي: أمر مدير المدرسة الحارس “با الهدي” أن يحضر أحد التلاميذ من قسم الثانية ابتدائي، وقد فعل، حضر التلميذ، وأنا وأبي في حالة ترقب، أبي مندهش من الحال، لا أدري ماذا يجول بخاطره، وأنا أرقص على بساط من المسامير، بين الخوف والرجاء، والتوجس والفرح، مرجحا أن أبي سوف يوافق على الرغبة والطلب، سأل المدير التلميذ عن أركان الإسلام، فأحسن التلميذ الجواب، وسأله عن عدد أوقات الصلاة في اليوم الواحد، فأحسن الجواب، وسأله عن عدد ركعات كل صلاة، وعن السرية والجهرية منها، وكان التلميذ في كل أجوبته موفقا، وفي الختام أمر المدير التلميذ باستظهار سورة الإخلاص، والمعوذتين وبعض السور القصيرة، ولحسن حظي أن التلميذ كان متمكنا من حفظها كلها،فجاء الفرج، وعلق أبي على الحدث قائلا: إن كان الأمر كما أسمع وأرى فلا بأس، وفي التو غير أبي الفقيه موقفه من المدارس العصرية، وتم تسجيلي رسميا في مدرسة سيدي بواحمد، لينطلق مشواري الدراسي الذي كان موشوما بالمواظبة والانضباط.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع