أخر تحديث : الأحد 22 ديسمبر 2013 - 1:30 صباحًا

مدينة سبتة على قمة جبل درسة

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 22 ديسمبر, 2013 | قراءة

بعد فترة الظهيرة من يوم الأحد من شهر ماي 1967 ، وبعد أن تناول مجموعة من الأصدقاء وجبة الغذاء بقسم الداخلي جابر بن حيان بتطوان، والذين كانوا يتابعون دراستهم بثانوية القاضي عياض – مستوى البكالوريا- توجهوا إلى جبل غورغيص،. متنافسين في صعود مسالكه الضيقة إلى أن وصلوا القمة، وأصبحوا بين السحاب والسحاب، وقبل أن يشرعوا في مراجعة مقرر مادة التاريخ استعدادا للامتحان جلسوا يسترجعون أنفاسهم، منحوا أنفسهم لحظات للاستجمام، والاستمتاع بجمال المناظر الطبيعية الخلابة، ويأسفون على عدم توثيق هذا البهاء بآلة تصوير يفتقدونها، جبل درسة يحرس مدينة تطوان الآمنة، ويحف عش الحمامة البيضاء بالرعاية الكافية، ويحميها من الذئاب والسباع والجوارح الكاسرة، تطاون عقد اللؤلؤ الأبيض يوشح هامة درسة الشامخ، وعين “بوعنان” معين يتدفق ماء زلالا، يروي سكان الحمامة البيضاء، تطل من وراء خمار أخضر على وادي المحنش، ولا تجرؤ على البوح له بالعشق أو الهيام، ولكنها تغازله عبر أشعة الشمس، وتلامسه عبر نسيم الفجر، غير أنه لا يبالي، فهو منشغل بأداء وظيفته الفطرية على أحسن حال، يسقي الحقول والبساتين، ويوفر ماء الشرب لأحفاد سيدي السعيدي بسخاء، ويواصل السير والانسياب حتى يغيب عن عين بوعنان التي تراقبه وترصده، إلى أن يصل مصطاف مرتيل فتبتلعه أمواج البحر.

أما نحن التلاميذ ( المهدي المجول- – عبد القادر الجطي – عبد السلام دمير – عبد السلام دوما – عبد السلام بوحيى – أحمد الحلو – سعيد الحباسي – محمد بن داود – محمد بوعشة العساوي – مصطفى عزاوي – محمد الموذن) فنزاول هواية الحكي و”التقشاب” وشغب الشباب البريئ، وقد تجاوزت أبصارنا فضاء ومجال المدينة، واخترقت الأفق القريب والبعيد، وتضاربت الأقوال في تحديد طبيعة المباني التي يكاد يحجب رؤيتها السحاب، منا من ادعى أنها مدينة الفنيدق، ومنا من زعم أنها مجرد منازل من حي الملاليين ضاحية تطوان، وقلت مدعيا إنها مدينة سبتة، ودليلي على ذلك أن المرأة التي تنشر الغسيل فوق السطح إسبانية الانتماء، ونظرا لكون الحقيقة مغيبة في هذا الحوار، علق جميع الرفاق على الادعاء بالضحك والقهقهات، وتنافس الجميع على تضخيم الحدث، وتلوين المشهد بألوان المبالغة والمغالاة، أما ما فجره الحدث فلا زال حاضرا في كل لقاء بين أولائك الأصدقاء على امتداد العمر، تستحضره الذاكرة، ويرفضه العقل.

بعد استراحة الأقدام من تعب تسلق الجبل، وانتشاء النفس بالضحك والمرح تدخلت سلطة العقل لتطرد اللهو والعبث عن ساحتنا، وتجبر الجميع على احترام منطق الأشياء، والتأهب لتحقيق الهدف الأساس الذي من أجله نظمت هذه الخرجة الدراسية، وحل الجد محل الهزل، فتولى الصديق المهدي المجول قراءة الدرس: “الحرب العالمية الأولى”، لينخرط باقي التلاميذ في الشرح والمناقشة، وفي خلسة منا تسللت الشمس إلى مبيتها، وقبل أن تسدل على خدرها سربال الظلام تسابقنا نحو سفح الجبل بعد أن قضينا أمسية جميلة ومفيدة أيضا، ومن جميل الصدف، وحسن الطالع أن كان هذا الدرس الذي تمت مراجعته على قمة الجبل أحد سؤالي مادة التاريخ في امتحان الباكالوريا، كما تجدر الإشارة إلى أن جميع هؤلاء الأصدقاء نجحوا في دراستهم الجامعية، ووفقوا في حياتهم المهنية.

ولا زال رفاق الأمس، وأصدقاء اليوم يستمتعون باستحضار الحدث وبلاغة الحكي، وبطيف هذه الذكرى الجميلة، التي امتزج فيها الواقع بالخيال، والممكن باللاممكن، ويستحضرون كذلك تلك اللحظات الممتعة من الزمن الجميل، زمن الدراسة والتحصيل.

اعتراف: أعترف أن المرأة التي كانت تنشر الغسيل هي امرأة افتراضية عكست صورتها مرآة السراب على سحب جبل درسة، وليس على جدار الفيسبوك.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع