أخر تحديث : الإثنين 23 ديسمبر 2013 - 9:39 مساءً

خطاب يساري في منبر يميني

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 23 ديسمبر, 2013 | قراءة

رغم أن محمد الموذن – الأستاذ ولاعب كرة القدم في فريق النادي الرياضي القصري لكرة القدم – عاش مرحلة شرود سياسي أوائل السبعينات، ورغم أنه كان قاب قوسين أو أدنى من المتابعة القضائية بتهمة عدم التبليغ ببعض رفاقه المتورطين في ما يصطلح عليه بمجموعة 3 مارس، فإنه لم يجرؤ بعد على الانخراط في العمل السياسي، أو الإطلالة على نادي السياسيين ولو من ثقب الباب، وظل مهتما فقط بعمله الوظيفي التربوي، ويداعب الكرة في الملاعب الرياضية، ويشارك في تسيير النادي، بصفته كاتبا عاما، ومؤطرا تقنيا، ومنسقا بين باقي مكوناته، غافلا عما يجري حواليه من صراع سياسي.

بين نخيل مدينة مراكش ومعالمها التاريخية، وفوق سطح مقهى أركانة استطاع الأستاذ عبد السلام البوطي – رئيس فرع حزب الأحرار بالقصر الكبير- استقطاب قطب دفاع النادي الرياضي القصري ليلعب خارج المستطيل الأخضر، وممارسة اللعبة السياسية على بساط حزب الأحرار الأزرق، وبدل أن يدافع على مرمى ضيق محدود الزوايا، سيدافع هذه المرة عن قضايا وحقوق المواطنين، ومصلحة الوطن اللامحدودة في الزمان والمكان.

انتهت مراسيم حفل الولاء، وبعد سبعة أيام إضافية من الاستجمام، قضاها ثلة من الرفاق (عبد السلام البوطي، والأستاذ محمد الموذن، والعدل البوطي، والتاجر الخليل الطرمباطي، والتاجر الخشاني) في انسجام تام، عاد أعضاء الوفد المشاركين في حفل الولاء إلى مدينة القصر الكبير، وفي اليوم الموالي طلب مني بإلحاح رئيس فرع حزب الأحرار أن أسلمه صورا شخصية، وأعبئ مطبوع الانتماء السياسي، وقبل أن يمر شهر واحد على زمن انتمائي للحزب حتى حل موعد انعقاد المؤتمر الوطني للأحرار بالدار البيضاء، ومرة أخرى يفرض علي الأستاذ عبد السلام البوطي بسلطة الصداقة مرافقته للمشاركة في أشغال المؤتمر، وقد استجبت.

محمد الموذن لم يتعلم بعد أبجدية السياسة، ولا يعرف الحدود الفاصلة بين الأغلبية والمعارضة، ولا بين اليسار والوسط واليمين، ورغم ذلك فهو أحد أعضاء وفد مدينة القصر الكبير الذي حل بالبيضاء للمشاركة في المؤتمر الحزبي، قضى جل أعضاء الوفد ليلتهم بأحد فنادق البيضاء، يستمتعون بأحاديث السمر، أما أعضاء المكتب المحلي فقد قضوا ليلتهم في مقهى بعيد عن مقر مبيتنا، يخططون ويتشاورون، ويفترضون السناريوهات المحتملة لأشغال المؤتمر ونتائجه، وإعداد الكلمة السياسية لفرع مدينة القصر الكبير، التي سيلقيها ذ عبد السلام البوطي بالقاعة الكبرى أمام السيد أحمد عصمان رئيس الحزب، وباقي أعضاء المكتب السياسي، والمناضلين القادمين من مختلف مدن وأقاليم وجهات المملكة، أما نحن -المنتمين الجدد- فقد تم توزيعنا في مسودة اقتراحاتهم على اللجن الفرعية للمؤتمر، من أجل مناقشة وتعديل توصيات المؤتمر المعدة سلفا من طرف المكتب السياسي، حيث شارك ذ محمد الموذن في اللجنة الثقافية، والأستاذ بنخدة مسعود في اللجنة الاجتماعية، والسيد محمد بن القلة في اللجنة المالية وهكذا.

انتهت أشغال اللجن، وأصبحت التوصيات جاهزة لعرضها على المؤتمرين للمصادقة عليها، وأخبرنا المنظمون بضرورة سحب بطاقات التغذية من السيد مصطفى الزفري أمين الفرع، فكان لابد أن نتصل به في قاعة المؤتمر الكبرى، حيث كان بمعية ذ عبد السلام البوطي، وذ محمد السباعي في الصف الأول، وقد طلب منا رئيس الفرع الانتظار من أجل الاستماع إلى كلمة الفرع بالمناسبة، وفي إطار الشغب السياسي غير المحسوب العواقب ألح علي بعض الأصدقاء بضرورة تسجيل اسمي ضمن قائمة المتدخلين، وخارج ضوابط الحكمة والمنطق، واستجابة لرغبة الأصدقاء وجدت نفسي أسلم للسيد الداي ولد سيدي بابا أحد أعضاء المكتب السياسي، والذي يجلس على يسار الرئيس أحمد عصمان على منصة الإشراف والتسيير ورقة عبأتها حسب المطلوب: إقليم تطوان، مدينة القصر الكبير، محمد الموذن، وسهوا وضع رئيس البرلمان المغربي ورقتي فوق جميع طلبات التدخل، لأنه كان منشغلا بالحديث مع السيد أحمد عصمان، وبمجرد عودتي إلى مقعدي الخلفي ختم المناضل المتحدث كلمته على وقع التصفيقات، المتدخل الموالي، المناضل محمد الموذن، إقليم تطوان، القصر الكبير، فلم أنتبه سهوا أو اندهاشا، فكرر الأستاذ الداي النداء، أما أنا فقد استفقت من غفوتي، ولمت نفسي عن هذا السلوك الطائش، فأنا لا أعرف قواعد الخطاب السياسي، ولا مبادئ الحزب الأساسية، كلما أعرفه عن الحزب حسب ما قيل لي، إنه حزب في المعارضة، وحتى مصطلح المعارضة لم أتمكن بعد من فك طلاسيمه وتناقضاته، وفي طريقي إلى منصة الخطابة عشت مخاضا عسيرا للخروج من هذا المأزق الذي وضعت نفسي فيه عن جهل وتهور، لممت انشطاري، وحاصرت تيهي، وقررت أن أتناول قضايا الشباب، وعن الاستلاب الحضاري والثقافي، وعن المخدرات، وعن التعليم، وعن العروبة والهوية، وعن أشياء أخرى تزاحمت على سطح الأنا والوعي، وتدافعت في فوضى نحو مخارج الحروف والنطق والتداول، اقتربت خطوات نحو منبر الإذاعة، ولا زالت الأفكار لم تنتظم بعد، باسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدي الرئيس، أعضاء المكتب السياسي المحترمين، ضيوف المؤتمر الكرام، أيها المناضلون الأحرار، أحييكم تحية النضال، وتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، صفق الجمهور العريض الذي تجاوز الخمسة آلاف مؤتمر، وكانت فرصة ليتسرب قليل من الرضاب ليبلل جفاف الحلق، وخف خفقان القلب واضطراب الجوارح، وانتظمت الأفكار، واستقامت الألفاظ والعبارات، وفصح اللسان، فكان أحسن خطاب، وبحماس المناضلين تحدث محمد الموذن عن ظاهرة استلاب الشباب المغربي الحضاري، وتعرضه إلى الغزو الثقافي الممنهج، عبر البرامج التلفزيونية المستوردة، وضرب لذلك مثلا، إذا كانت المدرسة العمومية تغرس في النشء المغربي قيم المواطنة، والدين والعروبة والفضيلة فإن مسلسل دالاص الأمريكي على سبيل المثال لا الحصر يغتال تلك القيم النبيلة، ويمسخ هويتنا العربية الإسلامية المغربية، كما تطرقت في كلمتي المرتجلة لتهاون وتساهل رجال الشرطة في محاربة المخدرات وترويجها في أوساط الشباب المغربي، حيث أصبح من السهل اقتناء المخدر على بعد خطوات ودقائق في الوقت الذي أضحى فيه شراء لتر من الحليب عملية صعبة جدا، وكانت قاعة المؤتمر من حين إلى آخر تهتز هتافا وتصفيقا وزغاريد، وكانت تلك الهتافات بمثابة فواصل بين الجمل والفقرات، فتزيدني حماسا، أستمد منها المصداقية والتشجيع، وتحثني على السير في نفس النهج والطريق، رغم أنني لا أتوفر على بوصلة السياسيين، وبين التصفيق والهتاف والزغاريد سمعت صوت الزعيم الداي ولد سيدي بابا يطالبني: “معذرة المناضل المحترم، المرجو من جميع المتدخلين الاختصار، لإعطاء الفرصة لباقي المناضلين الراغبين في تقديم الكلمة، وهم كثر، يتجاوزعددهم الأربعين”، أعاد لي الكلمة بعد أن امتص حماسي، وخفض إيقاعي، وكأنه أبطل مفعول بتارية شحن الطاقة المولدة لأفكاري خوفا من التمادي في تجاوز الخطوط الحمراء والخضراء المحددة للملعب السياسي، فقدت القدرة على التجديف في بحر أجهل خرائطه، ووجدت نفسي مضطرا للختم بكلمة إشادة بمناقب رئيس حزب الأحرار أحمد عصمان، وشكر جميع المؤتمرين على الدعم والتشجيع.

بعد الساعة الواحدة زوالا تسلمنا نحن أعضاء وفد القصر الكبير بطاقات التغذية من أمين الفرع وانصرفنا إلى المطعم، أما رئيس الفرع وأعضاء مكتبه الإداري فظلوا ينتظرون دورهم لإلقاء كلمتهم السياسية، ومع الأسف الشديد لم يكونوا محظوظين، وبقيت الكلمة مطوية في أرشيف الجيب. وتجدر الإشارة إلى أن جريدة الميثاق الوطني قد نشرت على التوالي جميع المداخلات مرفوقة بصور أصحابها باستثناء كلمة المشاغب عن غير قصد ذ محمد الموذن.

تعددت ردود فعل مناضلي حزب الأحرار حول كلمة ذ محمد الموذن، منهم من اعتبرها خطابا يساريا في منبر يساري، ومنهم من أشاد بها، واعتبرها تعبيرا عن موقع الحزب الحقيقي، ومنهم من أعجب بها لكونها جاءت مخالفة لسابقاتها ولاحقاتها شكلا ومضمونا، مخالفة للمداخلات المستنسخة في مضمونها، ولأن كلمة المناضل محمد الموذن كسرت جليد الروتين الذي راكمته برودة جميع الكلمات السابقة مضمونا وأداء، كما ذهب بعض المفترين أبعد مدى، فاعتبروا ذ محمد الموذن مناضلا اتحاديا دس في حزب الأحرار وجب طرده وإبعاده. ونظرا لكون هذا “المناضل” ليس إلا مبتدئا لم يتعلم بعد أبجدية العمل السياسي، ولم يطمع في صكوك الانتماء الحزبي غفر له ما تقدم من شطط وتهور.

كانت تلك الكلمة المرتجلة، وظروف إلقائها طريفة، وخطوة غير متزنة في مساري السياسي القصير، وبداية مريبة، كنت بطلا شجاعا في نظر البعض، وفارسا من فرسان طروادة أحارب بسيف من خشب في رأي البعض الآخر.

ومع مرور الوقت، وبعد حضور اجتماعات حزبية، وقراءة بعض كتب السياسة، واطلاعي على مواثيق بعض الأحزاب الوطنية، أصبحت أذرك الفوارق والحدود الفاصلة بين خطوط التماس لهذا الحزب أو ذاك، وتعلمت بعض قواعد اللعبة السياسية، انتخبت كاتبا عاما لفرع حزب الأحرار بمدينة القصر الكبير، ومندوبا لجريدة الميثاق الوطني بإقليم العرائش، غير أنني لم أستطع الاستمرار في العمل السياسي، لأنه سلبني حرية الرأي والتعبير، وحنط مواقفي في قوالب المصالح الحزبية، فالانتماء يفرض عليك استنساخ مواقف وآراء المكتب السياسي، والدفاع عن مقولاته ومشاريعه وإن كانت خاطئة، وأن تتزين بألوانه وإن كانت غير متجانسة، فترى الأبيض أزرقا، والبني بنفسجيا، والأخضر “قوقيا” فتصاب بعمى الألوان، كما أنني اكتشفت عن قرب في الكواليس خيوط مؤامرات “المناضلين” في الحزب الواحد، من أجل التنافس على المقاعد المتقدمة، والمصالح الشخصية، وأن بعض المناضلين الشرفاء يسيرون في طريق مليئ بالألغام، وآخرون يرقصون على بساط من المسامير والجمر، أما القلة فهي من المحظوظين، الذين فرشت طريقهم بالورود، ودربوا جيدا على الرقص فوق الحبال، وتسلق الجدران، من أجل اقتناص واستغلال الفرص، لهذه الأسباب متفرقة أو مجتمعة قررت الانسحاب قبل والوقت بدل الضائع من الميدان السياسي، فقدمت استقالتي من الحزب، فرفضت، وقدمتها مرة ثانية فرفضت كذالك، فجمدت عضويتي، واستعدت حريتي، وأصبحت مالكا لأمري، مسؤولا عن مواقفي الشخصية، معبرا عن أفكاري وقناعتي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع