أخر تحديث : الأربعاء 25 ديسمبر 2013 - 2:15 مساءً

الأستاذ محمد الموذن خطيبا للجمعة .. ثلاثين دقيقة فقط

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 25 ديسمبر, 2013 | قراءة

كان الفصل فصل ربيع من سنة 2005 ، وكان اليوم يوم جمعة عندما كنت عائدا صحبة زوجتي الحاجة رشيدة من طنجة إلى مدينة القصر الكبير، وكان الطقس مشمسا، والجو منعشا، والوقت وقت الظهيرة، فتوقفت بمدينة أصيلة لأدرك صلاة الجمعة، تركت زوجتي داخل السيارة تنتظرني بقرب من مسجد الحسن الثاني، دخلت المسجد رغم ازدحامه ، فقد امتلأ، وامتلأت حديقته وجنباته بالمصلين، صليت تحية المسجد، وبعد ذلك بقليل تقدم مؤذن المسجد إلى الصفوف الوسطى وقال: أيها المِؤمنون، سنصلي الظهر رباعية، لأن الإمام تغيب لظروف قاهرة، وفي لحظة وجوم وصمت مطبق من الجميع وجدت نفسي واقفا أكسر هذا السكون، وأقول مخاطبا مؤذن المسجد: كلف أحدا ينوب عنه، وليقل جملة أو جملتين، ونفوز بأجر صلاة الجمعة، فأجابني بصوت مرتفع، وبحدة، وكأنه يوجه اللوم لأحد، “يا سيدي، هنا العلماء والأساتذة والفقهاء، وطلبت منهم كل على حدة بضرورة إنقاذ الموقف، ولا أحد استجاب.

حينها شعرت بنداء الواجب والمسؤولية، وفي زمن قصير جدا لا يتجاوز الثانية أو الثانيتين، استحضرت عشرات المواقف، والمداخلات في الميادين الثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية والرياضية الموشومة بجرأة الارتجال، وبلاغة البيان، وجادلت نفسي كيف ارتجلت الكلمات في مناسبات وطنية ومهنية وتترددين الآن في الاستجابة لنداء الواجب الديني؟ ولماذا أيها الموذن تتخبأ اللحظة وراء قناع الخجل والدهشة وأنت من صال وجال وراء “مكروفون” الأنشطة التربوية، واللقاءات السياسية، والحفلات الاجتماعية والوطنية؟، فلم لا تصعد منبر خطبة الجمعة وتنوب عن الإمام الذي تغيب لأسباب قاهرة؟، لم لا وأنت تحمل شهادة الإجازة في أصول الدين؟، وهل هذا كافي للإقدام على هذه “المغامرة” المحفوفة بالإحراج؟، هي تجربة غير مسبوقة، ولحظة عصيبة، يصعب فيها الإحجام والإقدام، وسرعان ما أخرجني من دوامة هذا التردد النفسي قوله تعالى: “إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا”، خاطبت المؤذن قائلا: شوف لي شي جلابة”، وتبعته إلى المقصورة، وبعد هنيهة قصيرة مكنني من جلباب أبيض، نزعت معطفي وارتديت الجلباب فوق بذلتي العصرية، وتوكلت على الله، “ومن يتوكل على الله فهو حسبه”، لأول مرة أصعد منبر مسجد لأخطب خطبة الجمعة، رغم عدم توفر جميع الشروط الشرعية، أهمها عدم الإقامة، أو النية في الإقامة أكثر من أربعة أيام، لكن للضرورة أحكام، ورغم عدم استعدادي المادي والنفسي، فأنا لا أتوفر على قرطاس أو قلم لأسجل محاور الخطبة، ولكن أومن بأن أول الغيث قطرة، وأن السير يبدأ بأول خطوة.

جلست أنصت إلى الآذان الأول فالثاني فالثالث بآذان شاردة، وعقل متوقد ضاعف من فعاليته وبحثه في علوم الدين ليحدد موضوعا للخطبة، ويرتب أفكاره ومحاوره وعناصره، ومنيت أن لو كنت أقدم درسا من دروس التربية الإسلامية في إحدى الحصص الدراسية، لكنني اليوم في موقف المتطوع الذي أربكته الدهشة، غير أنه تميز عن الآخرين بالشجاعة واتخاذ المبادرة، فجميع العلماء والأساتذة والفقهاء تملصوا من المسؤولية، أو لنقل أعوزتهم الوسيلة ولم تسعفهم الجرأة، لا زال المؤذن ينادي: “حي على الصلاة، حي على الفلاح”، شعرت بمفعول الحديث الشريف -” من اجتهد وأصاب فله حظان، ومن اجتهد وأخطأ فله حظ واحد”- يسري في نفسي سيران الماء الزلال في حلق الظمآن، لقد هدأت الجوارح، واطمأنت النفس.

“إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعود من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ألا وإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم أجرنا من النار بعفوك، وأدخلنا الجنة برحمتك يا عزيز يا غفار، أما بعد: يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم كتابه العظيم، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمان الرحيم: “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”.

كان هذا الاستهلال جيدا، زرع في مزيدا من الثقة، وقدرا كبيرا من التركيز في استظهار ما ترسخ من محفوظات في الذاكرة الإيمانية، المشبعة برصيد غير قليل من المتن والأسلوب الذي تراكم على امتداد عشرات السنين، وبحضور حلقات العلوم الشرعية، ودروس وخطب الجمعة، كما مكنني من استحضار كفايات خاصة لرسم معالم الطريق، ومراحل خطبة الجمعة ( استهلال – شرح السورة وتحليلها مبنى ومعنى – الدعاء قبل الجلوس بين الخطبتين – الجلوس – القيام للخطبة الثانية – تكملة شرح الموضوع – الاستنتاج – الختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم – والدعاء لصحابته وخلفائه الراشدين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين- الدعاء لأمير المؤمنين – الدعاء لعامة المسلمين… وسبحان الله عما يصفون، والسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين). وبعد حوالي خمس وعشرين دقيقة من الشرح والتحليل واستنتاج العبر ختم الأستاذ محمد الموذن خطابه الديني، وقد كان يتقمص فيه شخصية المدرس أكثر من الخطيب الفقيه، وبدافع الإيمان، وقدسية الحدث والمكان كان جميع المؤمنين يحسنون الإصغاء، وتجنبا لكل لغو يضيع الحسنات والأجر كان جميع أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبعون الخطبة بتركيز واضح، واهتمام كبير.

أقيمت الصلاة، وتوسط ذ محمد الموذن المحراب، وبعد أن اصطفت الصفوف وشملت السكينة كل النفوس كبر تكبيرة الإحرام، وصلى بالمأمومين ركعتين وسلم، ثم بادر كثير من المصلين إلى السلام على الإمام المتطوع، يشكرونه على حسن المبادرة، وحسن اختيار موضوع الخطبة، وهنؤوه على حسن الأداء. وقبل أن ينصرف جميع المصلين غادرت المسجد، وامتطيت سيارتي، وأخبرت الحاجة بمبادرتي، فسرت بذلك، وغادرنا مدينة أصيلة عائدين إلى مدينة القصر الكبير، أما مقدم الحارة فقد جن جنونه بحثا عن الشخص الذي ناب عن الإمام الخطيب، فهو مطالب بإثبات هويته في محضره المطالب بتقديمه عقب انتهاء كل صلاة جمعة إلى القائد أو باشا المدينة، فأخبره أحد القصريين المقيمين بأصيلة أن الخطيب من مدينة القصر الكبير، قلعة الجهاد والعلم والتصوف.

كانت أول مرة أجرؤ فيها على صعود منبر خطبة الجمعة، وبعيدا عن مدينتي، كنت مجرد عابر سبيل، غير مستعد لهذه “المغامرة”، استفزني الحدث، كيف نحرم أجر صلاة الجمعة وبيننا عشرات الأساتذة والعلماء والفقهاء؟،فانتفضت واقفا، وسللت سيف الجرأة من غمضه، وطعنت الخجل والخوف والتوجس، ونزعت قميص النجم الرياضي، وبذلة الأستاذ، لألبس جلباب الإمام الفقيه، فوفقني الله، وعجبت لنفسي، وتعجب الناس لجرأتي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع