أخر تحديث : الأحد 29 ديسمبر 2013 - 3:18 صباحًا

سمكة وسبعة رجال

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 29 ديسمبر, 2013 | قراءة

أوائل شهر أكتوبر من سنة 1967 سافر مجموعة من أصدقاء الدراسة بعد حصولهم على شهادة الباكلوريا إلى مدينة فاس قصد التسجيل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تجمع الطلبة ( المهدي المجول – محمد قدامة – أحمد الحلو – عبد السلام دوما – عبد السلام دمير – محمد الموذن – محمد بن داود —-) في محطة القطار بدار الدخان، وانتظروا وصول القطار المتوجه من طنجة إلى فاس وقتا ليس بالقصير، كان الشوق يرتسم على ثغورهم ابتسامات عريضة، ويتدفق على ألسنتهم عبارات مرحة، وكأني بهم ينتظرون عرض فلم سينمائي من أفلام رعاة البقر الشيقة، أو من أفلام هيت شكوك المثيرة.

التهم القطار المسافة الفاصلة بين أول حاضرة في المغرب وبين مدينة مولاي إدريس الثاني في وقت طويل زمنيا، قصير نفسيا، ربط بين الماضي البعيد والماضي القريب ،كما تثبت وثيقة تاريخية عبارة عن رسالة، صدرت ب: “من مدينة القصر الكبير إلى قرية فاس”، يوم كان القصر عاصمة للهبط، ومركزا تجاريا كبيرا في عهد الفنيقيين والرومان، وكانت فاس لم ترق بعد إلى مستوى المدينة، تنتظر مخاض الوجود على يد الشرفاء الأدارسة، أما نحن فلم نشعر بطول المسافة، لأننا منشغلون بالمرح، وممارسة شغب الشباب البريئ.

وصل القطار إلى محطة فاس، توقف بعد أن حذر بصفيره وأنذر، يلهث كثيرا وكأنه يلفظ آخر أنفاسه، ومن حسن حظنا أن شمس الأصيل لم تنسحب بعد، وانحدرنا نسبق ظلنا إلى المدينة القديمة، وتكلف الزميلان المهدي المجول وأحمد الحلو بحجز غرفة بأحد الفنادق العتيقة، أما الباقون فقد مارسوا هواية التسلل الإيجابي على امتداد يومين، زرنا ضريح مولاي إدريس، وصلينا فيه صلاة العشاء، ولا زلت أذكر أنني قطعت صلاة تحية المسجد بعد أن كبرت تكبيرة الإحرام، ووجدت نفسي تحت ثريا كبيرة من النحاس، وسوس لي الشيطان – لعنه الله – أنها قد تسقط علي، وتدسني تحت البلاط، فسلمت وخرجت من الصلاة وابتعدت عن محيط الثريا، وبما أننا كنا في حاجة كذلك إلى غذاء الجسد،بحثنا عن مطعم قريب حيث تناولنا وجبة العشاء، حسب اقتراح وتوجيهات صديقنا أحمد الحلو ذي الأصول الفاسية طلب الجميع بيضة مع شيء من “الخليع”، وطلبت أنا وجبة سمك وما يرافقها، كما تعودت على ذلك عندما كانت تسمح الإمكانات بتناول الطعام خارج قسم الداخلي بتطوان، وعند الأداء تفاجأ الجميع، واندهش الموذن من فاتورة الحساب: درهم واحد لكل فرد، وخمسة دراهم كاملة لآكل السمك، وعندما علقت على غلاء ثمن الوجبة ذكرني صاحب المطعم بأنني في مدينة داخلية وليس في تطوان الساحلية، كلام مقنع ومنطقي، استوعبه ذهني غير أن جيبي رفض المنطق الأرسطي وقواعده، أما أصدقائي فقد تعالت قهقهاتهم وضحكاتهم وتعليقاتهم لا نكاية ولكن مرحا وإشفاقا، تضررت ميزانية الجيب، ولحفظ التوازن اقترحت تجميع نقودنا جميعا عند الرفيق المهدي، ليتولى الصرف وحسن التدبير.

في الصباح طوينا المسافة الفاصلة بين المدينة القديمة وحي ظهر المهراز حيث كلية الآداب في وقت وجيز رغم أننا اجتزنا عقبة كِؤود، سحبنا وثائق التسجيل، ومن سوء حظنا كان من بينها مطبوع “الشهادة الطبية”، والتي يوقعها طبيب المستشفى العمومي المتواجد أقصى مدينة فاس من الجهة الغربية، بحي عين قادوس، مسافة بعيدة جدا لمن يقطعها راجلا، مررنا بجانب الثكنة العسكرية وانحدرنا إلى سفح الهضبة أو الجبل، واجتزنا جنان السبيل، ثم وسط المدينة فباب بوجلود ثم مررنا وسط مقبرة وصولا إلى المستشفى المقصود، سلمنا المطبوعات إلى الممرض المكلف باستلامها، وضرب لنا موعدا في العاشرة صباحا من يوم الغد لتسلم الشواهد،رجوناه أن يمكننا منها اليوم، لكنه رد على توددنا بالرفض والتذمر.

بخطوات متثاقلة عدنا إلى حيث لا ندري، نجر أذيال الخيبة والحسرة والأسى، وانتهى بنا الخطو إلى حيث بتنا ليلة الأمس، بنفس السيناريو، مع مزيد من التوجس والحذر،بعد استراحة قليلة توجهنا إلى شارع الحسن الثاني لنتجول ونملأ الفراغ، وقضينا وقتا طويلا بمقهى الكتبية، حيث ملتقى الطلبة الجامعيين، وفي اليوم الموالي، وحوالي العاشرة صباحا سحبنا الشواهد الطبية، وقطعنا الشوط الثاني من مارطون التسجيل بالكلية، وبعد قبول ملفات تسجيلنا بالكلية والحي الجامعي هممنا بالعودة إلى مدينة القصر الكبير، غير أن أمين الجماعة أخبرنا، أنه يلزمنا 72.80 درهم لشراء تذاكر السفر، ولا يتوفر لدينا إلا 20 درهما، ونحن مطالبون جميعا بالحث عمن يقرضنا التكملة.

كثرت الاقتراحات غير الممكنة، وتعددت المحاولات الفاشلة للاقتراض من الطلبة، غير أن بصيصا من الأمل أشرق في نفوسنا حينما دلنا أحد الطلبة على عنوان ضابط قصري يعمل بمفوضية الشرطة بحي الدكارات، لن يتأخر عن مساعدتنا واقتراضنا حسب زعم مخاطبنا، من جديد دخلنا في سباق آخر، هذه المرة ضد الزمن والجغرافيا، فالمسافة طويلة، والجيوب فارغة، والأقدام متعبة، والوقت يسرع نحو موعد إقلاع حافلة ساتيام نحو القصر، رحب بنا الضابط الممتاز-ابن البلد- كثيرا، واستقبلنا بحفاوة بليغة، وأبدى استعدادا لمساعدتنا، وضرب لنا موعدا بمقهى الكتبية على الساعة الرابعة، (قبل موعد السفر بساعتين)، فعدنا بخطوات خفيفة إلى المقهى بعد أن زودنا بشحنات من الأمل والفرح.

طلبنا كؤوسا من القهوة والشاي، وبما فضل من دريهمات اشترينا الطعام، واستقطعنا لحظات ممتعة من المرح، والاستماع إلى كوكب الشرق أم كلثوم، حل موعد الرابعة ولم يحضر الضابط، أخذ التشكيك في وفائه بالوعد يتردد على ألسنتنا، الرابعة ثلاثون دقيقة ولم يحضر الضابط بعد ، تجهمت الوجوه،وازدادت العيون ترقبا وجحوظا، وفي هذا الوقت أقبل الطالب أبو بكر بوسلهام، وسلم علينا، ولسرعة بداهته قرأ ما يجول في خاطرنا، فاستفسرنا عن حالنا، فأجبناه: أننا في انتظار الضابط “فلان” بناء على وعده باقتراضنا 80 درهما ثمن تذاكر السفر، ويبدو أنه أخلف الوعد، ودون مماطلة أو تردد سلمنا الأخ بوسلهام المقدار المطلوب، ليحل مشكلتنا، ويضع حدا لقلقنا، فله من الشكر والثناء.

استخلص الصديقان – المهدي المجول، وعبد السلام دمير- التذاكر واحتفظا بها، وأخبرانا أنهم سيقضيان بعض المآرب ويرجعان، أما نحن فبقينا بالمقهى مرابطين ننتظر موعد العودة، وعند اقتراب الساعة السادسة توجهنا إلى محطة ستيام القريبة من المقهى، وصل موعد إقلاع الحافلة والزميلان المهدي وعبد السلام لم يعودا بعد، وقد طلبنا نحن الخمسة من السائق الانتظار بعد الوقت، وقد انتظر، تم طلبنا من المزيد من الانتظار فرفض، فحرك العجلات وأدار المقود، فاعترضنا سبيل الحافلة بأجسادنا بدعوى أن التذاكر بحوزة صديقينا المتأخرين، ولا يملكان مصاريف السفر أو المبيت، وبينما نحن بين صراع مع السائق، وتزايد احتجاج الركاب بسبب هذا التأخر وصل الصديقان متعبين من جراء الجري، فانهال عليهم الجميع شتما واحتجاجا ولوما، في حين أنهما بررا تأخرهما اللائرادي بكونهما ضلا الطريق في متاهات دروب وأزقة المدينة القديمة، خفتت تدريجيا حدة اللوم والاحتجاج، وتحولت أحيانا إلى مواساة واعتذار، وهدأت النفوس، توجهت الحافلة إلى محطة ستيام الثانية بحي الملاح لتقل باقي الركاب.

تجاوزت الحافلة أهم شوارع فاس، وشرع الصديق أحمد الحلو في الغناء، وأداء أغاني مغربية بصوت جميل، وأداء رائع، غير أن السائق لم يطربه ذلك، واعتبر ذلك سلوكا غير مقبول، فأمر الشاب بالسكوت حفاظا على راحة الركاب، إلا أن المطرب الموهوب بالفطرة تجاهل أوامر السائق وركب التحدي، وتابع الغناء، وبدافع الواجب المهني قد ألح السائق على الطالب بضرورة الصمت، واهتدى صديقنا إلى استفتاء الرأي حول السماح له بالغناء، وقد وافقه الجميع، فكسب الرهان، واستجاب سائق ستيام لرغبة الركاب، فعدنا إلى مدينة القصر الكبير على وقع الطرب الجميل بصوت الصديق العزيز أحمد الحلو.

هكذا استقبلتنا فاس وودعتنا في أول زيارتنا لها من أجل الدراسة، وكانت رحلتنا استكشافية لعوالم جديدة في الجغرافيا والتاريخ والمعرفة والدراسة والحياة، وكانت المرحلة الجامعية موشومة في الذاكرة والوجدان، فقد حددت معالم شخصية المستقبل، وجسر العبور إلى عالم الفكر والبحث في أمهات الكتب، والإبحار في فضاء المعرفة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع