أخر تحديث : الأربعاء 1 يناير 2014 - 9:38 مساءً

ذ محمد الموذن عميدا للشرطة .. من القصر إلى الدار اليضاء

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 1 يناير, 2014 | قراءة

لعب محمد الموذن لفريق النادي الرياضي القصري لكرة القدم منذ الموسم الرياضي 66/67 بصفة رسمية وقبل ذلك بموسمين بفئة الشبان، انتقلت من تطوان إلى فاس لمتابعة دراستي الجامعية، ثم إلى الدار البيضاء كأستاذ، وخلال هذه الفترة كان عشق النادي لا يترك لي مجالا للتردد أو رفض المشاركة في بطولة عصبة الشمال رغم التعب الذي كنت أتحمله من جراء السفر، ولم أكن أتقاضى تعويضا ماديا عن ذلك، سوى ثلاثين درهما ثمن الحافلة ذهابا وإيابا، ولكنه عشق النادي وحب الوطن، الذي يقتضي التضحية من أجل تلميع صورته على الواجهة الرياضية، الجهوية والوطنية، ولم تكن منظومة القيم قد انهارت بعد، حيث كانت مصلحة الوطن علما يرفرف عاليا فوق هرم الأنا والذات.

وحيث كانت بطولة القسم الوطني الثالث تبدأ متأخرة عن بطولتي القسم الوطني الثاني والثالث بحوالي ثلاثة أشهر، كان اللاعب محمد الموذن يمارس نشاطه الرياضي ضمن فرق الأحياء بحي اسباتة، وفي المباريات الودية في مختلف ملاعب وأحياء الدار البيضاء، وفي كل مباراة كان اللاعب التطواني – كما يناديه الكثير- يترك انطباعا حسنا، ويخلف لدى الجمهور إعجابا كبيرا، وقد اتسع مدى الإعجاب، وصدى هذا الفتى، وانتشر الخبر، فاستدعاني فريق الرجاء البيضاوي للمشاركة في حصصه التدريبية، ومبارياته الحبية والإعدادية خلال شهر نونبر من سنة 1972.

وعلى امتداد ثلاثة أشهر كاملة، كان فتى القصر الكبير جيدا ومقنعا، وفي كل حصة تدريبية كان الجمهور يهتف به مشجعا، ومتسائلا عن عملية انضمامه للرجاء، وكان يشرف على تدريب الفريق آنذاك المدرب البلغاري “أوروتز”، ومن أبرز لاعبيه، مصطفى بتشو – سعيد غندي- بوينيني حمزة – عليوات – والمدافع عبد المجبد- الزهر- الصحراوي- بتي عمر- إبراهيم- وأظن الحارس محمد الرشاك، وكان عبد المجيد الضلمي لاعبا موهوبا بفئة الشبان، وفي إحدى الحصص التدريبية نادى علي الكاتب العام للرجاء البيضاوي عبد اللطيف السملالي، فالتحقت به خلف الشرط، ثم نادى على المدرب “أوروتز”، وسأله عن مستوى اللاعب الموذن، وعن رغبته الشخصية في ضمه للفريق، فأخبره بحماس: ” لو كان مؤهلا إداريا هذا الأسبوع للعب رسميا في أحد المراكز التالية: وسط الدفاع، أو مدافع أيمن، أو مدافع أيسر، شكر الكاتب العام المدرب، وهنأني قائلا: مرحبا بك في الرجاء، ومنذ اللحظة ستتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها اللاعبون الأساسيون.

فتح السيد عبد اللطيف السملالي محفظته الأنيقة المشفرة، وأخرج بعض المطبوعات، ووضعها على ظهر المحفظة، وناولني قلما لأوقع على وثيقة الانتماء لفريق الرجاء، ليتولى هو بنفسه تعبئة باقي المعلومات، غير أن غرابا أبيض حل بيننا، ومن دون تحية أو مقدمات سألني السيد معاش – المشرف على تدريب الفئات الصغرى- هل سبق أن لعبت مع إحدى فرق الشمال؟، ولعدم انتباهي إلى تداعيات الجواب، وألغام السؤال أجبته بالإيجاب، لقد كنت ألعب مع فريق النادي القصري بالقسم الوطني الثالث، كان الجواب كافيا ليسحب مني الكاتب العام قلم الإمضاء، وقد تأسف السملالي كثيرا، وطلب مني أن أسافر نهاية الأسبوع إلى القصر الكبير من أجل الحصول على رخصة الانتقال، وقد فعلت.

سافرت مساء يوم السبت، والتقيت بمسيري النادي، وطلبت منهم السماح لي بالانتقال إلى اللعب ضمن فريق الرجاء البيضاوي، فرفضوا طلبي بدعوى أنهم عازمون هذه السنة على الصعود إلى القسم الوطني الثاني، فعدت إلى البيضاء خالي الوفاض، وحلمي الرياضي كاد أن يتبخر، ويتحول كابوسا، غير أن الكاتب العام لفريق الرجاء طمأنني، وأعاد إلي بعض الأمل بقوله: عد إليهم في نهاية هذا الأسبوع واعرض عليهم خمسة آلاف درهم كمساعدة من الرجاء مقابل تمكينك من رخصة الانتقال، وهذه مبادرة – يقول عبد اللطيف السملالي- استثنائية، فكل لاعبي الدار البيضاء يعرضون أنفسهم على الرجاء والوداد من أجل الانضمام إليهما مجانا، غير أننا هذه السنة نود شراء الحارس “الجيار” لاعب اتحاد المحمدية، الذي يتدرب معكم هذا الأسبوع، ونادى على اللاعب الصحراوي، وسأله: هل اشتريناك من الوداد أم انتقلت إلى الرجاء بالمجان؟، فأقره على مجانية الالتحاق، فعلقت بقولي: إن الصحراوي في نهاية المشوار أما أنا فلا زلت في بداية الطريق، فطلب مني الكاتب العام أن أحاول مرة أخرى إقناع فريقي الأصلي، إلا أن فريقي لم يقدر ظروفي فأقبر طموحي، ولم يعر اهتماما لتضحيتي ومعاناتي من جراء السفر الأسبوعي من الدار البيضاء إلى مدينة القصر الكبير، فطنجة أو العرائش أو شفشاون أو تطوان، ثم العودة ليلا إلى البيضاء،للالتحاق بمقر عملي صباح يوم الإثنين. كان موقف مسيري النادي الرياضي القصري قاسيا ومتصلبا، قابل تضحياتي وحبي للنادي بالتنكر والجحود، ورغبة انتقالي بالرفض.

ونظرا لهذا الجفاء الإداري، وهذه الخشونة في الموقف اللارياضي، امتنعت عن تجديد رخصة اللعب، ولم أشارك في دورتين من بطولة عصبة الشمال لكرة القدم، الشيء الذي اضطر رئيس الفريق السيد الحاج محمد بنونة إلى زيارتي بثانوية مولاي إسماعيل بالدار البيضاء، وألح علي لحضور المباراة الثالثة من برنامج البطولة هذا الأسبوع، لكنني اعتذرت ورفضت، ورغم ذلك فقد سافرت إلى القصر في نفس الأسبوع بسبب حلول العطلة المدرسية، كانت فرصة لمكتب النادي لإحراجي، والضغط علي عبر استعانتهم ببعض أساتذتي الأعزاء لإقناعي بضرورة التجديد، بالإضافة إلى حوافز مادية، ووعدهم بتسليمي رخصة الانتقال آخر الموسم، وإظهارا لحسن النية سلموني فعلا رخصة الانتقال فارغة وموقعة من طرف رئيس الفريق، على أن أعبئها عند انتهاء الموسم الرياضي 72/73، ووفاء بالعهد لعبت موسما كاملا مع النادي الرياضي القصري، وفي بداية السنة الدراسية الموالية سلمت رخصة انتقالي إلى الرجاء البيضاوي، فأخبرني الكاتب العام أن هذه الرخصة لاغية، فهذه كانت صالحة في الموسم المنصرم، أما الرخصة المقبولة هذه السنة يجب أن تصدر ب(موسم 73/74)، وهكذا انطالت علي الحيلة، وذهلت من جراء الصدمة ووقف المكتب الإداري للنادي الرياضي القصري حجرة عثر في وجه طموحي الرياضي.

كان تعاقدي الشفاهي مع النادي يقضي بأن يمنحني الفريق منحة أسبوعية، مقدارها 130 درهما، في الوقت الذي كان يتقاضى باقي اللاعبين 30 درهما في حالة الفوز، و20 درهما عند التعادل، والطريف في الأمر أن السيد محمد بشري رئيس مفوضية الشرطة بالقصر الكبير، والرئيس الشرفي للنادي الرياضي القصري، أعطى أوامره لسائق سيارة الأمن أن ينتظرني عقب كل مباراة ويوصلني إلى منزلي عبر سيارة الشرطة، وأن يرافقني شرطيان إلى محطة الحافلات ليستخلصا لي تذكرة العودة إلى الدار البيضاء بالمجان عبر حافلة برادلي أو ستيام، وحدث يوما أن حجز لي رئيس مفوضية الشرطة التذكرة شخصيا، ورافقني الشرطيان كالعادة إلى محطة المسافرين، ثم ودعاني بعد أن أخذت مقعدي المخصص لي، قبل انطلاق الحافلة تأكد السائق من حضور “الكومسير” ومومئا لي بالتحية بعد أن أشار إليه مساعده نحوي، فرددت التحية، وهممت أن أعرفه بهويتي ومهنتي غير أن النفس الأمارة بالسوء استهواها أن تلبس قناع السلطة ولو لمدة قصيرة، وبين الحقيقة والواقع ترددت في خوض هذه المغامرة رغم رفض العقل لهذا الشطط، وصلت الحافلة مركز علال التازي فاستأذنني السائق: “هل تأذن سيدي الكومسير بالتوقف قليلا للاستراحة وتناول العشاء”، أجبته بشيء من الزهو، متقمصا شخصية عميد الشرطة، “لا بأس”، وقبل أن تتوقف عجلات الحافلة كان مساعد السائق قد انساب إلى ألأرض بحركة رشيقة، وسبق الجميع إلى الجزار لإعداد أطباق من الشواء المختلفة، أما السائق فقد دعاني إلى طاولة معدة لنا خصيصا من النادل، جلسنا نتبادل أطراف الحديث بأدب متكلف، وحذر باد، وضع السائق علبة السجائر على المائدة، لكنه لم يجرؤ على التدخين، ورغم أنني أذنت له بذلك فلم يجرؤ بعد علمه أن السيد العميد لا يدخن، فأدركت عن قرب مدى نفاق ومواربة عامة الناس لرجال السلطة، وأدركت كذلك حجم التقدير والاحترام المزيف الذي يحظى به رجل الأمن من طرف عموم المواطنين، وخاصة إذا كان ضابطا أو عميدا، تناولنا ما لذ وطاب من أصناف الطعام والشراب، وبعد حوالي ساعة من الاستراحة التحق جميع الركاب بالحافلة، فاستأذن السائق مرة أخرى “عميد الشرطة”، وتوجهنا إلى الحافلة دون أن أدفع ثمن ما التهمته من طعام وشراب، وبدأت المرحلة الثانية من الرحلة نحو الرباط، ولما توقفت الحافلة بباب الحد لنزول ركاب وصعود آخرين أحضر لي السائق كأسا من القهوة والحليب، فشكرته على حفاوته وحسن الاهتمام، “العفو سيدي، بالصحة والعافية”، توقفت الحافلة في محطة برادلي بدرب عمر، فودعني السائق ومساعده بحفاوتهما “المعهودة” قائلين: نحن في الخدمة سيدي العميد.

قبل مغادرة المحطة نزعت عني قبعة عميد الشرطة، وشارة ضابط الأمن، الذي منحني إياها بصفة مؤقتة سوء فهم سائق الحافلة ومساعده، وعدم انتباه حكمي الوسط والشرط لوضعية اللاعب محمد الموذن غير القانونية، حيث كان في حالة شرود، يعاقب عليها قانون اللعبة بضربة خطأ غير مباشرة، ويعاقب عليها القانون الجنائي بعقوبة حبسية، تتراوح بين عامين وعشر سنوات سجنا، لكن اللاعب لعدم حصوله على أية بطاقة صفراء أو حمراء خلال مشواره الرياضي الطويل، وليس له سوابق في المخلفات الاجتماعية أو غيرها، كان حتما سيستفيد من ظروف التخفيف.
مع تحيات الأستاذ محمد الموذن

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع